عبدالفتاح الصادقي ✰
من بين المؤشرات الإنسانية والأخلاقية داخل أي مجتمع، طريقة التعامل مع المبتلين بالمصائب والمتعرضين للمحن. ذلك أن فترات الحداد والفقد والمعاناة تُعتبر، سواء في المجتمعات الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية أو الهندوسية أو تلك التي لا تؤمن بأي دين، تعتبر، تقليديا، أوقاتًا تَخِفُّ فيها حدة الخلافات، وتلاشى الصراعات، وتنتفي الأحقاد، وتتغلب فيها الرحمة على المصالح الضيقة والحسابات الأيديولوجية. مع ذلك، يواجهنا الإعلام المعاصر والمشهد الرقمي أحيانًا بمظاهر مقلقة إعلاميا وإنسانيا تتمثل في استغلال الحزن والألم كمواد إعلامية، ولكن باعتماد أسلوب التشفي في ناس يعيشون حالة الضعف وقلة الحيلة، والهجوم على أفراد يعبرون عن حزنه وألمهم أمام مصاب جلل.
كيف لنا أن نفهم، من منظور إعلامي وإنساني، الانتقادات الموجهة لأم مكلومة فقدت زوجها وتعاني من غياب ابنها المسجون لفترة طويلة؟ كيف لنا أن نفسر حملات التشويه الموجهة ضد هذه المرأة التي تُعبِّر عن حزنها وشعورها بالفراغ، والأدهى والأنكى، أن ذلك يتم خلال عيد الأضحى، وهي مناسبة ترتبط، تقليديًا، بالتضحية والمحبة والتئام الأهل والأحباب والأصحاب؟
قبل الخوض في أي اعتبارات سياسية أو أيديولوجية أو قانونية، من الضروري التذكير بحقيقة قد يفهما الجميع: المعاناة الإنسانية والتعبير عنها بمشاعر حانقة ليست جريمة. فالحزن تجربة إنسانية عامة تتجاوز الانتماءات السياسية والإيديولوجية والاجتماعية والدينية. عندما تعبر أم بألم وحزن عن فقدان زوجها أو غياب ابنها، فهي لا تسعى بالضرورة إلى صياغة أجندة سياسية، بل تعبر في المقام الأول عن معاناة إنسانية عميقة.
تكمن إحدى المشكلات الرئيسية في بعض الجدالات المعاصرة، التي سهلها الفضاء الأزرق وعالم التكنولوجيا، في الخلط بين تبادل الأفكار والاعتداء على المشاعر الإنسانية. من المشروع تمامًا مناقشة المواقف السياسية لأي شخص، أو الاعتراض على الآراء، أو الخوض في القضايا العامة. إلا أن تحويل حزن الأم إلى موضوع للسخرية أو التشكيك، هو مسار خطير، يسعى أصحابه إلى إفقار النقاش العمومي وإبعاده عن الجدية والمسؤولية، وتقويض القيم الأساسية للاحترام والكرامة.
عندما يصبح المحسوبون على الإعلاميين والمثقفين يروجون لمظاهر التشفي والحقد في حق الذين يعبرون عن ضعفهم وحزنهم، من المشروع أن نطرح السؤال التالي: كيف سيكون رد فعل المواطنين البسطاء؟ ألا يمكن اعتبار ما تقوم به الفئة الأولى شكلا من أشكال التحريض بالكراهية تجاه الفئة الثالثة ضد الفئة الثانية ؟
من المنظور الإعلامي، يكشف هذا الوضع عن الآثار السلبية لما يسمى “اقتصاد إعلام السرعة” الذي غالباً ما يهيمن على وسائل التواصل الاجتماعي. ففي بيئة تزدهر فيها الشهرة بالجدل، يسعى بعض الفاعلين إلى تحويل كل حدث، مهما كان مفجعا وإنسانيا، إلى صراع إيديولوجي وسياسي تختلط فيه الوطنية بالخيانة. بل إن أكثر المواقف حميميةً وإيلاماً تصبح فرصاً للتعبئة السياسية، وتصفية الحسابات، ولفت الانتباه، رفع نسبة “الإعجابات”، وبالتالي تحصيل موارد مالية إضافية..
والحقيقة أن هذا المنطق ينطوي على خطر جسيم: فهو يؤدي إلى تجريد الشخص “موضوع المادة الإعلامية” من إنسانيته. فعندما لا يُنظر إلى الأم المكلومة كإنسانة تواجه المعاناة، بل كرمز سياسي، يصبح من السهل إنكار ألمها، والتقليل من شأن مشاعرها، أو تبرير الاعتداءات التي تُعتبر غير مقبولة في ظروف أخرى.
ومن المنظور الإنساني، يُعدّ احترام كرامة الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا إلى جانب أحبائهم، مبدأً عالميًا. وتتفق التقاليد الدينية والفلسفية والقانونية الكبرى على هذه النقطة: فالتعاطف مع المتضررين من المصائب قيمة أساسية للعيش المشترك. ولا يعني هذا التعاطف تبني أفكار أو مواقف المتضررين، بل يعني ببساطة الاعتراف بإنسانيتهم وبكرامتهم التي تبقى فوق أي اعتبار.
ولاشك أن عيد الأضحى يُعَزِّزُ هذا البُعد الأخلاقي. ذلك أن هذا العيد يرتبط بالتجمعات العائلية وبالتضامن ومشاركة المحبة والسرور. وهو يمثل للعديد من العائلات لحظة فرح جماعي. لكن بالنسبة لمن يعانون من الفقد أو الفراق، قد يُعيد هذا العيد فتح جراح قديمة ويُفاقم الشعور بالألم الخسارة. والتعبير عن هذا الألم في مثل هذا السياق رد فعل إنساني مفهوم تمامًا، ويستحق التضامن، وليس العكس.
وانطلاقا من ذلك تضطلع وسائل الإعلام المسؤولة بدور محوري. فمهمتها ليست تضخيم حملات التحرش أو الهجمات الشخصية، بل تعزيز ثقافة الحوار البنّاء. وينبغي عليها التمييز بين قضايا المصلحة العامة، التي تستحق النقاش، والمعاناة الفردية، التي تستدعي قبل كل شيء التعاطف.
وبشكل أوسع، يدعونا هذا الوضع إلى التفكير في الحدود الأخلاقية للتواصل الرقمي. فالمجتمع الديمقراطي لا يُقاس فقط بحرية التعبير التي يكفلها، بل أيضاً بكيفية ممارسة هذه الحرية. ولا يجوز أن يتحول الحق في النقد إلى وسيلة لإيذاء الآخرين أو إذلالهم أو إنكار معاناتهم دون وجه حق.
إن الاعتداء على أمٍّ مكلومة لمجرد تعبيرها عن حزنها على فقدان زوجها وغياب ابنها، يُعَدُّ اعتداء على حق هذه الأم في الشعور بالحزن، كما يُعَدُّ تجاوزًا للحدود الأخلاقية التي ينبغي لأي مجتمع يُعنى بإنسانيته أن يلتزم بها. قد تُثير الآراء السياسية الانقسامات، وقد تُؤدي النقاشات العمومية إلى الصراعات، لكنّ المعاناة الإنسانية تبقى لغةً عالميةً تستحق الاحترام والتعاطف. وعندما يفقد المجتمع القدرة على التعاطف، لا يدفع الثمنَ المُصابون بالابتلاء الذين يعبرون عن حزنهم وحدهم، بل إن المجتمع ككل يصبح مهددا بالاختلال والانهيار، من خلال ضعف النسيج الأخلاقي الجماعي، وتلويث العيش المشترك، وانهيار القيم الإنسانية..
✰ إعلامي باحث في القانون العام والعلوم السياسية










