أكبر كذبة سياسية..!

أكبر كذبة سياسية..!

عبدالفتاح الصادقي ✰

أكبر كذبة سياسية خلال السنوات الأخيرة هي تلك التي أطلقها السيد رشيد الطالبي، أحد قادة حزب التجمع الوطني للأحرار، خلال آخر استحقاقات تشريعية، عندما قال بصيغة التأكيد والجزم، إن المغاربة سيتقاضون 2500 درهم بعد نهاية الولاية الحكومية  التي يقودها حزبه وإذا لم يتحقق ذلك يمكن للمغاربة أن يرجموا التجمعيين بالحجارة. والولاية اقتربت من نهايتها ولكن المغاربة لم يحصلوا على درهم واحد، فهل السيد رشيد الطالبي مستعد للرجم بالحجارة كما عبر عن ذلك بنفسه؟ أو على الأقل الانسحاب من الساحة السياسة، لأنه، ببساطة، روج لكذبة كبيرة و لم يف بالوعد الذي سبق أن أطلقه؟ أم أنه سيتجاهل كذبته السابقة ويستمر في مسلسل الكذب بإطلاق كذبة أكبر؟

الواقع أن الحياة السياسية تقوم على مبدأ أساسي وهو الثقة بين الحكام والمواطنين. فبدون هذه الثقة، تتحول الوعود الانتخابية إلى مجرد شعارات جوفاء، وتنهار المشاركة السياسية، ويفقد الخطاب السياسي العمومي مصداقيته. وفي هذا السياق، لا بد من تمحيص النظر في أحد أكثر التصريحات الحزبية إثارةً للجدل في المغرب خلال السنوات الأخيرة، والذي زعم فيه السيد رشيد الطالبي العلمي، أحد القادة البرازين لحزب التجمع الوطني للأحرار، ​​أن المغاربة سيحصلون على 2500 درهم في نهاية ولاية حزبه في الحكومة، بل وصل به الأمر إلى حد دعوة الجماهير إلى رجم أعضاء التجمع الوطني للأحرار  بالحجارة، في حال عدم الوفاء بهذا الوعد.

الحقيقة أن هذا التصريح، الذي انتشر على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي والنقاشات العامة، يتجاوز مجرد خطاب انتخابي، إذ يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الوعود السياسية، وحدود الشعبوية السياسية والاقتصادية، والمسؤولية الأخلاقية للمسؤولين العموميين والقادة السياسيين عند مخاطبة المواطنين.

تكمن المشكلة الأولى في شيوع الوعود الاقتصادية والاجتماعية والمالية غير الواقعية، التي تبدو منذ الوهلة الأولى أنها غير قابلة للإنجاز. ففي العديد من الديمقراطيات المعاصرة، تسعى الأحزاب السياسية إلى استقطاب الناخبين بوعود براقة تحاول “دغدغة جيوب المواطنين” من خلال الزعم برفع مواردهم المالية وبالتالي تحسين قدرتهم الشرائية، كما حصل مع السيد الطالبي. ولكن عندما لا يُصاحَبُ الوعدُ ببرنامج اقتصادي واضح، ولا تدعمه مؤشرات مالية موثوقة، فإنه يُصبح أداةً للتلاعب العاطفي بدلاً من أن يكون التزاماً سياسياً جاداً.

وفي الحالة المغربية، تُعدّ مسألة القدرة الشرائية حساسة للغاية، وقنبلة موقوتة، فقد كانت سببا مباشرا لعدد من الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفها المغرب في الماضي. إذ يواجه المواطنون ارتفاعاً مستمراً في تكاليف المعيشة، وارتفاعاً في أسعار الوقود والغذاء والمواد الاستهلاكية الأساسية بشكل عام، وشعوراً متزايداً بانعدام الأمن الاجتماعي. وفي مثل هذا السياق، يُثير الإعلان عن تحسّن مالي مباشر، توقعات كبيرة وأحلام عريضة لدى السكان. وعندما لا تتحقق هذه التوقعات والأحلام، غالباً ما تكون النتيجة إحباطاً جماعياً عميقاً، من الصعب توقع نتائجه السلبية.

أما المشكلة الثانية فتتعلق بالمساءلة السياسية والخضوع للمحاسبة. ففي الديمقراطيات الراسخة، يخضع القادة الذين لا يوفون بوعودهم الرئيسية لآليات المساءلة، تبدأ بالمراقبة البرلمانية، وصولا إلى المحاسبة والعقوبات الانتخابية، والاستقالة، و الانسحاب من الحياة العامة. وفي حالة السيد الطالبي لا يكمن السؤال في ما إذا كان ينبغي رجم الزعيم السياسي حرفيًا – وهو تعبير رمزي مبالغ فيه – بل في ما إذا كان عليه أن يعترف علنًا بفشل وعوده ويتحمل المسؤولية السياسية عن عواقب تصريحاته، التي كانت بعيدة كل البعد عن الواقع.

إن أزمة الثقة  التي ترسخت حاليا في  قائد  سياسي مثل السيد الطالبي وفي حزب سياسي مثل التجمع الوطني للأحرار الذي يمثله، لا تنبع فقط من الصعوبات الاقتصادية التي تعرفها البلاد، بل تنبع أيضًا من الفجوة المتزايدة بين الخطاب السياسي لمثل هذا القائد وحزبه، والواقع اليومي المرير  للأغلبية الساحقة من المواطنين. فعندما يدرك المغاربية أن السيد الطالبي استخدم خطابات حماسية لحشد الناخبين ولكنه يلتزم الصمت  إزاء النتائج المخيبة للآمال، بل يلجأ إلى أسلوب التبرير والمراوغة، فإن ذلك يعزز فكرة أن الحملات الانتخابية قد تحولت إلى حملات تسويقية بدلًا من مشاريع حكامة جادة.

مع ذلك، من التبسيط المفرط اختزال هذه المعضلة في شخص واحد أو حزب واحد. فالمشكلة أوسع نطاقًا، وتؤثر على مجمل الثقافة السياسية المعاصرة. في العديد من البلدان، عززت وسائل التواصل الاجتماعي التواصل السياسي القائم على عبارات مقتضبة، وتصريحات سريعة الانتشار، ووعود مبسطة. وفي أحيان كثيرة،  يتم تغييب النقاش العقلاني، حول السياسات العمومية، ويفسح  المجال أمام  التنافس بين الشعارات العاطفية، وتدفع هذه الديناميكية بعض المسؤولين إلى إعطاء الأولوية للتأثير الإعلامي الفوري على حساب الدقة والتروي في تقديم الأرقام والوعود كما حصل مع الوعد المتعلق ب”2500 درهم لكل مغربي ومغربية”.

إن مناقشة هذه المعضلة تستوجب التأكيد على أن المسؤولية السياسية لا تقتصر على القادة السياسيين فقط، بل إنها تمتد إلى الأحزاب السياسية نفسها، كما هو الحال بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار، حيث الضرورة تقتضي تطوير آليات داخلية للتحكم في الخطاب العام لتجنب الوعود غير الواقعية التي قد تضر بمصداقية هذه الأحزاب، على المدى البعيد.

علاوة على ذلك، يلعب الإعلام والمجتمع المدني دورًا محوريًا في هذا النوع من النقاش. فمهمتهما لا تقتصر على نقل التصريحات السياسية فحسب، بل تتعداها إلى مقارنتها بالحقائق الاقتصادية، وأرقام الميزانية، والنتائج الملموسة المحققة على أرض الواقع. إن الديمقراطية السليمة تتطلب صحافة نقدية قادرة على التمييز بين البرامج الواقعية والخطابات الشعبوية.

في نهاية المطاف، يتجاوز الجدل الدائر حول تصريحات رشيد الطالبي مجرد خلاف حزبي، إذ يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بمصداقية الخطاب السياسي والعلاقة بين الحكام والمحكومين. لذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ينبغي “معاقبة” مسؤول سياسي رمزيًا على عدم الوفاء  بوعد قدمه، بل كيفية إعادة بناء ثقافة سياسية قائمة على الصدق والمسؤولية واحترام عقول المواطنين. لأنه عندما تكون وعود القائد السياسي كاذبة يفقد قيمته، ويفقد معه الحزب الذي ينتمي إليه مصداقيته أمام الجماهير، وتكون النتيجة النهائية  ضعف الثقة  في اللعبة الديمقراطية بأكملها.

إعلامي وباحث في القانون العام والعلوم السياسية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات