حين تمتزج الصداقة بالذاكرة: سفر عبر عبق التاريخ في قلب متحف موسيقى

حين تمتزج الصداقة بالذاكرة: سفر عبر عبق التاريخ في قلب متحف موسيقى

عبدالفتاح الصادقي

جاء الأصدقاء إلى متحف دار الجامعي بمكناس بحثًا عن الاسترخاء والاستراحة من روتينهم اليومي، آملين فقط في قضاء لحظات ممتعة. لكنهم وجدوا أنفسهم منغمسين في رحلة غير متوقعة عبر عبق التاريخ، مكتشفين كنوزًا وذخائر لامادية ومهارات عريقة وتراثًا ثقافيًا غنيًا للمملكة المغربية، حيث بدا أن كل قطعة وكل نقش وكل رائحة تحكي قصة ملهمة وتكشف عن جانب خفي من الروح الحضارية للمملكة.

قصص كنوز المغرب المستمرة في الزمن

توقع الأصدقاء أن يجدوا متحفًا بسيطًا يتجولون بين أفنيته غرفه وقاعاته، ويتفحصون بعض قطعه الأثرية قبل العودة إلى صخب الحياة اليومية. ولكن ما إن عبروا أبواب القصر، حتى منحهم صمت المكان، ونغمات الآلات الموسيقية، ورائحة الخشب المنحوت، والألوان الزهية للزليج، وأناقة الألبسة القديمة،  شعورًا بالسفر عبر الزمن، وكأنهم انتقلوا إلى عصور أخرى.

تكشف غرف قصر الجامعي، تدريجيًا، عن كنوز المغرب المستمرة في الزمن: سجادات منسوجة يدويًا، ومجوهرات فضية، وحقائب وأحزمة وسترات جلدية، وقطع خزفية ملونة، وآلات موسيقية تناجي الأنغام الخالدة، ومخطوطات نفيسة تصل أجيال الحاضر بمعارف الماضي. بدا وكأن كل قطعة تحكي قصتها الخاصة وحكايتها المتفردة: قصة إبداع  فن الملحون والموسيقى الأندلسية والغرناطي والعيطة والهيت وأهل توات، وأعمدة الفن والموسيقى والمجموعات الغنائية في الماضي والحاضر.. قصة الحرفيين الذين أبدعوا النحت على الخشب والنقش على الجبس وحولوا إبداعاتهم إلى لوحات فنية غنية تستنهض المهارات عبر النقوش والزخارف والحروف، التي تؤكد تملك الحرفيين لملكات تفوق الخيال البشري، إبداعات تمتزج فيها الهندسة بالرياضيات والأنوار بالظلال.. قصة ألبسة الرجال وأزياء النساء، المطرزة بالتقاليد والأعراف والأحلام، ألبسة تعكس مظاهر حياة الناس اليومية في الحفلات والمواسم والرحلات.. قصة المسافرين والعائلات، والمدن التي شكلت روحهم وعصرت آمالهم وآلامهم.

لقد تحولت نزهة الأصدقاء إلى رحلة حقيقية عبر عبق التاريخ. اكتشفوا، من خلالها، أن التراث المغربي لا يقتصر على المعالم الأثرية المتجسدة في الجدران والأقواس والبنايات، بل يتجلى أيضاً في الأغاني والاحتفالات والمهارات والقصص والإيماءات المتوارثة جيلاً بعد جيل. وعند اكتمال الزيارة غادر الأصدقاء دار الجامعي بشعورٍ وكأنهم قطعوا قروناً عديدة، واكتشفوا روح المغرب الخفية.

إن زيارة الأصدقاء  إلى متحف دار الجامعي، التي كان من المفترض أن تكون نزهة بسيطة، تحولت إلى مغامرة ثقافية لا تُنسى، حيث حلّت الدهشة محل الترفيه وإعادة اكتشاف أصالة التراث المغربي .

لم تكن زيارة متحف الموسيقى بصحبة الأصدقاء مجرد اكتشافٍ ثقافي، بالنسبة للسيد سعيد جمال ، بل كانت لقاءً مع الذاكرة؛ ذاكرة الطفولة، وذاكرة الشباب في مدينة مولاي ادريس،  وذاكرة الحضارة التي يمثلها هذا القصر التاريخي الأنيق، الذي يتميز بطراز معماري مغربي أصيل، حيث  كل غرفة تفتح باباً للحوار بين التراث الموسيقي وجمال المكان وبهجة اللقاء.

متحف دار الجامعي في مكناس: بين التراث والتأثير الثقافي

شُيّد قصر دار الجامعي عام 1882، على يد محمد بن العربي الجامعي، الذي شغل منصب الصدر الأعظم للسلطان مولاي الحسن الأول، خلال الفترة من 1873 إلى 1894. وقد تحوّل هذا الصرح  العمراني  إلى مستشفى لويس العسكري عام 1912، ثم إلى متحف عام 1920   تحت اسم “متحف الفنون الأصيلة”، وأُعيد تسميته لاحقًا إلى “متحف دار الجامعي”، الذي أصبح جزءًا من التراث المحمي لمدينة مكناس.

يقع هذا المتحف الفريد، من حيث فضائه  ومقتنياته، في قلب المدينة القديمة التاريخية لمدينة مكناس، العاصمة الإمبراطورية السابقة للمغرب، ويحتل مكانة متميزة في المشهد الثقافي الوطني.  فالمتحف يحتضنه قصر فخم، حيث يُعدّ المبنى نفسه تحفة عمرانية متفردة، ومثالًا رائعًا على العمارة المغربية الأصيلة. ويُتَوَقّع اليوم أن يلعب المتحف دورًا استراتيجيًا في صون التراث الثقافي المغربي والترويج له، لا سيما في أبعاده الموسيقية والفنية وغير المادية. ومع ذلك، ورغم نقاط قوته العديدة، لا يزال المتحف يواجه تحديات تحد من إمكاناته كمحرك للتنمية الثقافية والسياحية لمدينة مكناس..

 تراث معماري وثقافي استثنائي

يكمن جوهر متحف دار الجامعي في قيمته التراثية الأصيلة، ذلك أن المبنى في حد ذاته، يُمثل أحد أروع الأمثلة على  فن العمارة المغربية المتفرد في أواخر القرن التاسع عشر، والذي راكم مئات السنين من الإبداع والابتكار. والحقيقة أن أفنيته وحديقته الأندلسية وأسقفه المنحوتة وبلاطات الزليج المغربي، وزخارفه الخشبية المصنوعة من خشب الأرز تجعله متحفًا معماريًا متفردا.

إلى جانب المبنى نفسه، يُسهم المتحف في الحفاظ على العديد من مظاهر التراث المغربي  التي تمثل كنوزا حقيقية، ومنها الآلات الموسيقية التقليدية، وأشكال النظم والغناء والرقص  والأزياء والألبسة، والتحف اليدوية، والوثائق التاريخية، وشواهد على تنوع التقاليد والموروثات الثقافية للمملكة. ويُجسد هذا الثراء تنوع التأثيرات الأمازيغية والعربية والأندلسية والأفريقية واليهودية والصحراوية التي شكلت الهوية المغربية.

فضاء مميز للترويج للتراث الموسيقي المغربي

بخصوص ارتساماته الأولى حول زيارته لمتحف الجامعي يوضح الأستاذ  محمد المتوفق  قائلا إن المغرب يزخر بإرث موسيقي استثنائي يشمل الأندلسي، والأمازيغي، والحساني، والكناوي، والعيطة، والملحون، والدقة المراكشية، والرقادة، وغيرها الكثير من الأنماط التى تتوزع على مختلف المجالات الترابية  للمملكة، وانطلاقا من ذلك، يُعَدّ الترويج للتراث الموسيقي المغربي أحد أبرز جوانب المتحف الواعدة.

والواقع أن هذا الغنى والثراء الذي يتمتع به المتحف، يسمح له بأن يُشكّل منصة دائمة لحفظ هذا التراث الموسيقي من خلال عرض الآلات الموسيقية التقليدية، وتقديم التسجيلات الصوتية، وتنظيم المؤتمرات، واستضافة العروض التعليمية ذات الصلة.

يقول الروائي حسن إمامي إن التهديدات التي تُحدق ببعض التقاليد الموسيقية نتيجةً للتغيرات التكنولوجية والعولمة الثقافية، يمكن لمتحف دار الجامعي أن يكون أحد أدوات التصدي لها، عبر جعله مركزًا لنقل التراث بين الأجيال، ويتيح  للشباب فرصة اكتشاف ثراء التراث الفني لبلادهم.

ضعف استغلال  الإمكانات السياحية  المتاحة

الواقع أن مدينة مكناس تتمتع بمواقع جذب سياحي رئيسية بفضل إدراجها ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، حسب التصريح الأستاذ عبدالسلام السايح،  فهناك العديد من المعالم الأثرية البارزة، مثل باب منصور، وضريح مولاي إسماعيل، والمسجد الأعظم، وهري السواني، ومعلمة حبس قارة والرياض والبينات السكنية  ومختلف معالم المدينة القديمة التاريخية، وإلى جانب ذلك هناك متحف دار الجامعي الذي يُمْكِنُ أن يُشكّل عنصرًا محوريًا في مسار ثقافي متكامل يربط بين هذه المعالم والمواقع المختلفة، حيث يُتيح موقعه المتميز استقطاب شريحة كبيرة من الزوار المحليين والدوليين.

مع ذلك، بالمقارنة مع متاحف مغربية أخرى أكثر شهرة، لا يزال متحف دار الجامعي يعاني من ضعف حضوره في المسارات السياحية الدولية. ويكتشف العديد من الزوار مدينة مكناس دون إدراكهم الكامل للأهمية الثقافية لهذا المتحف.

 أوجه القصور ونقاط الضعف

على الرغم من أهميته الفنية والثقافية والحضارية، لا تزال هناك عدة معوقات تحد من انتشار وإشعاع متحف دار الجامعي: أولها يتعلق بالترويج والتواصل، حيث لا يزال المتحف ممثلاً تمثيلاً ضعيفاً نسبياً في حملات التسويق الثقافي  سواء على الصعيد الوطني أو الدولي. كما يحتاج حضوره الرقمي إلى تحسين، لا سيما مع اعتماد الزوار على المنصات الرقمية في تخطيط رحلاتهم وزيارتهم.

أما نقطة الضعف الثانية فتتعلق بالبرامج الثقافية. ففي كثير من الأحيان، لم تعد المتاحف المعاصرة تقتصر على عرض المقتنيات، بل أصبحت فضاءات نابضة بالحياة تقدم أنشطة وملتقيات منتظمة، وهو ما حاول المسؤولون على تدبيره  تداركه من خلال تنظيم بعض الأنشطة الموازية، ولكن ما يزال الأمر يتطلب مضافة الجهود، حيث يمكن لمتحف دار الجامعي أن يستفيد من زيادة وتيرة معارضه المؤقتة، وحفلاته الموسيقية، وأوراش العمل التعليمية، والفعاليات الفنية، وغيرها..

أما الصعوبة الثالثة فتكمن في نقص الموارد المالية والبشرية المتخصصة، وهو تحدٍّ تواجهه العديد من مؤسسات التراث حول العالم.

بالإضافة إلى ذلك لا يزال استخدام التقنيات الرقمية قاصرًا عن تلبية الإمكانيات التي توفرها الممارسات المتحفية الدولية الحديثة، لا سيما في مجالات الجولات الافتراضية، والواقع المعزز، والوسائط التفاعلية.

نحو نموذج جديد للتنمية الثقافية

لتحويل دار الجامعي إلى مركز ثقافي إقليمي حقيقي، ثمة عدة مسارات جديرة بالاستكشاف.

يتمثل المسار الأول  في جعل المتحف مركزًا وطنيًا للتراث الموسيقي المغربي، ذلك أن هذا النهج  سيتيح للمتحف استضافة أرشيفات صوتية، وبرامج بحثية، وإقامات فنية، وفعاليات مخصصة لتراث المملكة الموسيقي المتنوع.

أما المسار الثاني فيتعلق بتطوير شراكات مع الجامعات، ومعاهد الموسيقى، ومراكز البحوث، والجمعيات الثقافية، فمن شأن هذه الشراكات أن تعزز الإنتاج العلمي ونشر المعرفة المتعلقة بالموسيقى وبمختلف الفنون  والمهن ذات الصلة.

ويهم المسار الثالث تعزيز جاذبية السياحة من خلال تنظيم المهرجانات، وسلسلة المؤتمرات الوطنية والدولية، والفعاليات الفنية الدورية القادرة على استقطاب جمهور متنوع، من خلال جعل المتحف بوابة لاستكشاف مآثر ومعالم  العاصمة الإسماعلية، بشكل خاص، وجهة فاس – مكناس، بشكل عام، حيث يمكن أن يشكل دمج المتحف، ضمن استراتيجية شاملة للسياحة الثقافية في هذه الجهة، محركًا هامًا للتنمية المجالية.

المتحف كمحرك للتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية

إلى جانب وظيفته التراثية والحضارية، يمكن أن يصبح متحف دار الجامعي أداةً للتنمية الاجتماعية. فالأنشطة التعليمية للمدارس والطلاب والفنانين الشباب تُسهم في تعزيز الشعور بالانتماء الثقافي وتنمية الإبداع لدى مختلف المشاركين في أنشطته.

ويُمكن للمتحف أيضًا أن يُساهم في تنمية الاقتصاد الثقافي المحلي من خلال دعم الحرفيين والفنانين والمرشدين السياحيين والعاملين في المجال الثقافي.

ففي مدينةٍ تتعرض، في كثير من الأحيان، لمنافسة شرسة من المراكز  والوجهات السياحية الشهيرة مثل فاس ومراكش والرباط وأكادير، يُمثل متحف دار الجامعي فرصةً استراتيجيةً لإبراز الهوية الثقافية الفريدة لمكناس وتعزيز جاذبيتها السياحية وطنيا ودوليا.

والواقع أن متحف دار الجامعي يُعَدُّ أحد أثمن معالم مكناس التراثية ومراكزها الثقافية والحضارية. فبفضل هندسته المعمارية الرائعة، وتراثه الثقافي الغني، وإمكاناته في تعزيز التراث الموسيقي المغربي، يمتلك هذا المتحف كل المقومات ليصبح مرجعًا وطنيًا وعالميًا، وخاصة في المجال الفني والموسيقي. إلا أن تحقيق هذا الطموح يتطلب استراتيجية وطنية متكاملة تجمع بين التحديث والابتكار والأنشطة الثقافية والترويج السياحي. وإذا ما توفرت هذه الشروط، فسيكون متحف دار الجامعي قادرًا على أداء دوره على أكمل وجه كمختبر ثقافي، ومكان للذكرى، ومحرك للتنمية في عاصمة الإسماعيلية وفي جهة فاس – مكناس.

 ويظهر أن الانطباعات والارتسامات التي أبداها الأصدقاء بعد زيارتهم لمتحف دار الجامعي رغم ظرفيتها،  تسير في هذا الاتجاه، وهي تعكس دهشتهم من الكنوز الفنية التي تملأ قاعاته والأسرار التي اكتشفوها لأول مرة في عاصمة الإسماعيلية. فبعد زيارتهم، غادر الأصدقاء وهم يشعرون وكأنهم سافروا عبر قرون عديدة من التاريخ المغربي، والتي من المفروض تثمينها من أجل النهوض بالمدينة وبالجهة ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا. لقد أعرب كل منهم عن إعجابه بجمال القصر، وروعة بلاط الزليج، وأناقة الأسقف المنحوتة، وثراء الذخائر والقطع  المعروضة، ولكن كل واحد عبر عن أمله في جعل هذا المتحف أحد محركات التنمية .

لقد أُعجب الأول بشكل خاص بالآلات الموسيقية التقليدية التي تشهد على التنوع الثقافي للمملكة. واكتشف الثاني دهشة الأزياء والمجوهرات والأعمال الفنية التي تحكي قصص أنماط الحياة في مختلف المناطق المغربية. ولم يُخفِ الثالث إعجابه بهندسة المبنى نفسها، التي اعتبرها تحفة فنية بحد ذاتها. أما الرابع، فقد أسره السرد التاريخي المرتبط بالمعروضات، كاشفًا عن جوانب خفية من عاصمة الإسماعيلية.

لقد اتفق الأصدقاء على أن هذه الزيارة أتاحت لهم اكتشاف جانبٍ جديدٍ من مكناس لم يكونوا على درايةٍ به. فخلف أسوار المدينة ومعالمها الشهيرة، تكمن كنوزٌ فنيةٌ ومهاراتٌ عريقةٌ وتراثٌ ثقافيٌّ استثنائي. وغادروا المدينة وهم مقتنعون بأن متحف دار الجامعي يُعدّ من أروع الأماكن لاكتشاف التراث المغربي، ومحطةً أساسيةً لفهم تاريخ مكناس وهويتها.

“أفق المغرب”

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات