السلوك المدني ..

السلوك المدني ..

سعيد بنيس

يندرج مفهوم السلوك المدني في إطار الممارسات الفضلى للمجتمعات وهو كذلك عنصر من عناصر القوى الناعمة للبلد ان. يقوم الاستنتاج العام على منطلق مفاده ربط المفهوم بالوقائع المغربية في أفق تبيئته  وتوطينه انطلاقا من أن السلوك المدني يتوجب ضبطه من خلال الوقائع الميدانية.

لهذا  يستلزم تحديده الارتكاز على مصفوفة القيم المغربية ( “الصواب” / “ولد الناس ” / “التويزة” / “دور جْماعة” / “الدار لكبيرة” / “الخيمة العامرة” ..) وكذلك  على الترسانة القانونية المنظمة للحياة المجتمعية المغربية، في علاقتها بمقومات العيش المشترك (مقولتي التعدد والتنوع ) وعناصر الرابط الاجتماعي ( الأسرة – الحومة – مقر العمل – النادي .. ) إضافة إلى تجذرها  في سردية تَمَغْرِبِيتْ كوعاء هوياتي للمغاربة

إجرائيا يرتبط السلوك المدني بالمتفاعلين في الأماكن والفضاء العمومي ( شاب يساعد شيخا/  شاب لا يحترم شخصا مسنا  –  موظف لطيف مع ذوي الهمم / موظف غير لبق مع ذوي الهمم ..). من هذه الزاوية يعتبر السلوك المدني ممارسة مجتمعية تعكس ” تحضر الفرد” وتحيل على حسه المواطناتي لا سيما في احترام القوانين والواجبات تجاه الأخرين والدولة والمؤسسات.

من هذا المنطلق يبدو أن السلوك المدني هو مرادف للسلوك المواطن وهو بالتالي سلوك تفاوضي وتداولي وليس البتة سلوك إقصائي منفر. فالسلوك المدني هو تفعيل للوساطة المجتمعية الهادفة وضبط قنواتها وليس تفعيل لمضاربات الوسطاء والسماسرة  و”الفراقشية”..هو بالأساس تمرين على التطوع وخدمة الصالح العام.

لهذا يرتهن السلوك المدني بتعميق وتثبيت الشعور بالمواطنة الهادئة ( حس إنساني –  اجتماعي – وطني – إقليمي – قاري – كوني … )  من قبيل التهذيب والكياسة في السلوك والكلام والتفاعل اللبق والأخلاقي المتصف بالاحترام والتهذيب والمدنية . وتباعا يصبح الحس المدني مبعثا على سلوكات التسامح والتعايش والعيش المشترك وقبول الآخر.

من الضروري إذن لفهم السلوك المدني في الحالة المغربية تبيان دور محاضن التربية وفعلية مضامينها ( المدرسة / الأسرة / الحزب / النادي / الجمعية ..) في ضبط إيقاع ووتيرة الحس المدني داخل الأماكن والفضاءات العمومية  ( عند أي اختلاف أو عدم اتفاق تتردد على مسامعنا ألفاظ من قبيل  = “انت حمار “– “انت كلب “-  “موسخ” – “مكلخ” – “هركاوي” – “كربوز” ..)

كما أن السلوك المدني سلوك يبنى بالتشارك وهو ما تكشفه بعض الممارسات كأن يساعد بعض الأشخاص سائقي سيارات الأجرة في “احترام الدور” و”تنظيم الركاب”  أو إبان طلب البطاقة الوطنية في نسختها الجديدة، حيث كان المواطن الذي قدم الأول للمصلحة يحضر بورقة وقلم ويطلب من الوافدين بعده كتابة أسمائهم لترتيبها.  يضاف إلى هذه الممارسات العفوية التزام  بالتطوع في الجمعيات الخيرية والجمعيات السكنية ( إقامة العزاء “لعزو” ..)، والمشاركة في حملات تنظيف الأحياء واحترام الآخرين وتقبل الاختلافات لا سيما تجاه الأجانب من مهاجري دول جنوب الصحراء، الذين صاروا بمثابة مواطنين مغاربة جدد  بالنظر إلى أعدادهم، فضلا عن مبادرات المجتمع المدني الواقعي  والافتراضي ( مثل مبادرة “من أجل فضاء رقمي نقي” )، وبعض أنشطة الألتراس منها المبادرات الخيرية لفائدة المناطق النائية، و”الهَبَّة” الشعبية للحوز، أو مغاربة العالم الذين بادروا إلى “الامتناع التضامني” عن ذبح الأضاحي في إيطاليا، تعبيرا منهم عن التضامن مع الشعب المغربي.

في المقابل يلاحظ بالتوازي توغل عدة سلوكات غير مدنية منها ما هو مادي وما هو رمزي.  فتكثر سلوكات رمي الأزبال أمام المؤسسات وفي الفضاءات العمومية وأفعال التحرش في الفضاء العام والتبول وقضاء الحاجة قرب المؤسسات والفضاءات العامة ( مع استحضار أن عدم توفير المرافق الصحية هو من دوافع السلوك غير المدني)، والعادات المشينة مثل الصوت المرتفع والحديث في الهاتف بصوت مرتفع أو الاستماع للموسيقى بطريقة صاخبة والادمان المفرط على استعمال منبه السيارة وعدم احترام  ممرات الراجلين وعدم التقيد بتصاميم البناء ..

ومنها أيضا سلوكات غير مدنية ذات طبيعة رمزية مثل التحقير والحكرة والإكزينوفوبيا كوصف الآخر بالحيوانية والوحشية وبعدم الكفاءة أو تجاهل خبرتهم والتقليل من مستوى وعيهم في الفضاءات المؤسساتية لا سيما من مسؤول تجاه موظف أو من موظف تجاه مواطن   و”التجسس الدقيق” على الآخرين في الأماكن العمومية (التبركيك) .. واستفحال منطق  رمزية الضحية في اللسان الدارج : “مشا عليا الكار” أو “التران” ، “مقروناش” ، “سقطوني”، “معطاونيش المعدل”، “طاح ليا الكاس”.. فضلا عن استخدام لغة جسد عدوانية، فيها نوع من الإهانة أو التهديد للآخرين :  تعبيرات جسدية عنيفة  ( “التشيار باليد” ..) وكذلك عادة “شرع اليد”  و سن “قضاء الشارع “-  ( حالة يافعي طنجة ..)، وعدم الثقة في الفاعل الرسمي أو في المؤسسات، وكذلك سلوك أولياء التلاميذ أمام المؤسسات التعليمية بركن سيارتهم في أماكن غير قانونية تعيق حركة السير ، إضافة إلى ما كشفته سلوكات بعض المواطنين إبان وباء كورونا  من سلوك افتراضي ينم عن ممارسات رقمية غير مسؤولة، تكاد تكون بمثابة أمراض معدية وقاتلة  (“ترونسفريت” و”تبارطجيت”) من خلال تقاسم وتشارك الأخبار الزائفة  دون التحقق من صحتها.

كيف يمكن معالجة هذا السلوك غير المدني على اعتبار أن المدينة والأماكن العمومية والقرية والمنصات الرقيمة تشكل مواقع لتصويب وضبط الحس المدني وتعزيز المواطنة وبناء مجتمع متماسك ومتقدم؟

للإجابة على هذا التساؤل من الضروري التقاط التجارب والممارسات الإيجابية لبناء نموذج سلوك مدني بعلامة “مغربي”. لهذا نحن بصدد ثنائية مركزية تميز بين المواطنة الإيجابية والمواطنة السلبية. ولمقاربة هذه الثنائية يمكن الاشتغال من داخل مقاربة كيفية متجذرة صاعدة من الوقائع وكذلك من داخل إطار سوسيولوجيا الحياة اليومية التي تهتم بالعلاقات اليومية والعيش المشترك. توظف هذه المقاربة عدة مفاهيم للإلمام بسؤال السلوك المدني منها على الخصوص مفهوم ” الاجتماع” (  La Socialité  ) الذي يعتبر أن الإنسان هو بمثابة “حيوان” يعيش داخل مجموعته ومن الضروري عليه الانضباط نسبيا لقوانينها ، فالعيش المشترك يرتهن لزاما بأساسيات العيش داخل المجموعة (    Vivre ensemble / Vivre en groupe)  ،  ومفهوم المخيال الاجتماعي،  ورمزية اللغة   في ترابطاتها  بالتفاعلات الاجتماعية.

كيف يمكن إذن فهم تمفصلات مستوى السلوك المدني بالبنيات المجتمعية (الفوارق الاجتماعية، مستوى التعليم، نمط العيش في المدن مقابل الوسط القروي ..) ؟ هل يكتسب السلوك المدني بالتربية وحدها أم يحتاج الى شروط اجتماعية وسياسية لكي يستقر ويدوم؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، يبدو ضروريا استيفاء شرطين أساسيين الشرط الاجتماعي ويتكون من عدة عناصر من ضمنها عودة محاضن التنشئة الواقعية للاضطلاع بدورها ( الأسرة والمدرسة ..) وكذلك المحاضن الافتراضية كمكمل ومساعد على ولوج إيجابي للعهد الرقمي ( المنصات – والمواقع ..)، وإعادة الاعتبار للقدوة والتمثلات المصاحبة لها  ( هل هي واقعية أم ديجيتالية = مكانة بعض الصفات في المجتمع = “كعلم” .. قافز – بريكاد – هارب – بروماكس )، وضبط التوازنات الاجتماعية الجديدة لا سيما بين الريع الافتراضي والجهد الواقعي .. وملائمة القيم الصاعدة من الافتراضي مع السلوك المدني الواقعي للحد من النرجسية المرضية  والتباهي و العنف والكراهية …

فيما يتعلق بالشرط السياسي، تعتبر التنشئة السياسية الافتراضية مدخلا أساسيا لتقوية السلوك المدني وتجنب جميع أصناف العنف المجتمعي. لهذا يتطلب تأطير السلوك المدني للأطفال واليافعين والشباب انخراط الفاعل السياسي في الفضاء الافتراضي وإعادة التفكير في السلوك المدني وتعريفه من داخل الفضاء العمومي الافتراضي، خاصة مع الانتقال من مجتمع التواصل الواقعي إلى مجتمع الاتصال الرقمي وضرورة دمجه في البرامج الانتخابية. من البديهي الإشارة إلى أن انتقال السلوك المدني من سلوك واقعي وممارسات “حية” إلى تفاعلات افتراضية وتعبيرات ديجيتالية مفوضة  يستلزم تأطير السلوك المدني لجيل “عائم” و”سائل” صنعه الفضاء الافتراضي، حيث تهيمن فلسفة مواطنة افتراضية تختزل الحس المدني في بعض السلوكات مثل التصوير (“مواطن مصور” .. ) كأن السلوك المدني يقتصر على نقر “بارطجي” و “ترونسفري”.

 -هل هناك مؤشرات لقياس وتقييم مدى تحسن السلوك المدني لدى الفرد وما هي أوجه القصور التي يمكن رصدها ؟

عامة تحيل مؤشرات القياس والتقييم على التراجع في مقابل التحسن لاسيما في خضم تضخم خطاب الفاعل المؤسساتي حول السلوك المدني في مقابل تراجع الممارسات الفضلى، ذلك لأن السلوك المدني الشامل لا يهم فقط المواطنين بل كذلك الفاعل المؤسساتي. كما أن اعتماد مقولة التعليم عوض مقولة التربية والإصرار على ربط منظومة المدرسة بسوق الشغل وتهميش سوق القيم والممارسات المدنية الفضلى أدى إلى إغفال الارتكاز في المقررات على التعلم بالممارسة والتجارب الاجتماعية وإعادة اكتشاف القنوات الكلاسيكية للتربية (المسابقات الثقافية والرياضية والتمثيل والغناء والمسرح ..) لاكتساب مهارات السلوك المدني وتعزيز ممارسة التحضر والحس المدني.

لهذا وانطلاقا مما سبق، من المستحب أن تنضبط مؤشرات القياس وتقييم السلوك المدني على مقاربة ترابية، لسنا إزاء سلوك مدني واحد بل أمام سلوكات مدنية تتنوع وتختلف بتنوع الجهات. لكل جهة مرجعياتها في السلوك المدني (كمثال على ذلك التعامل مع ممر الراجلين ..). من هذا المنطلق يتوجب التفكير في تشخيص أفقي ( وطني) وآخر عمودي ( جهوي ترابي)  وإعادة تعريف السلوك المدني على أساس أنه تربية الفرد على الأخلاق الحميدة واحترام المسلمات الدينية ورموز الوطن ومكونات الهوية وتمتيعه بحقوقه وكرامته وحريته لتحصينه ضد السلوكات غير المدنية. تباعا  تتحول  المدرسة من موقع للتعليم  إلى محضن أساسي للسلوك المدني وسلطة ضد السلوك غير المدني، وذلك من خلال التربية على القيم وخلق مسارات التربية الأخلاقية لملء الفراغ ، ومعالجة الإعاقة القيمية والحد من العقم الأخلاقي عند بعض الأطفال واليافعين والشباب، وترسيخ نوع جديد من العدالة يمكن تسميته ب”العدالة القيمية أو المدنية”.

ولتفعيل هذه الاقتراحات يمكن إحداث محترفات ومسارات داخل المدرسة المغربية للتمرين على السلوك المدني واكتساب الحس المدني، وكذلك التربية على الميديا من أجل سلوك  افتراضي مستدام لمسائلة المخيال المغربي وفهم روتينيات العيش المشترك في أفق تثبيت السلوك المدني، لاسيما أن السلوك المدني يساهم في الحد من احتمالية سوء الفهم، والتقليل من النزاعات والصراعات اليومية، وهو كذلك حل لفك شفرة العنف الرقمي ضد المرأة أو بين المدافعين على بعض التوجهات اللغوية أو الثقافية والدينية ..

لهذا صار من الضروري الانتقال في المشروع المجتمعي من الثقافة الشفوية إلى الثقافة الكتابية والارتكان إلى مقولة التربية عوض مقولة التعليم في المدرسة المغربية لتجويد السلوك المدني للأطفال واليافعين والشباب للتحرك في إيكولوجيا الفضاءات والأماكن العمومية من خلال “خرائطية سلوكية” في متناول الجميع لتفادي استفحال “الأمية المدنية” وتكريس المواطنة الإيجابية. في هذا الصدد ليست المواطنة الإيجابية مقولة مجردة تقوم على تمثلات راقية وقيم مثالية بل هي أساسا مقولة إجرائية تحيل على ممارسات وسلوكات ومواقف معيشة تضبط إيقاع التفاعلات الفردية وطبيعة آليات العيش المشترك وتشابك وتيرة العلاقات الجمعية. من هذا المنظور تبدو الحاجة ملحة إلى التفكير في مناظرة وطنية حول السلوك المدني في أفق إحداث مرصد وطني لضبط واستدامة الحس المدني.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات