ف حوار مع الأستاذ مصطفى الخياط الخبير الدولي في اللوجستيك
ضرورة بلورة سياسة بحرية حقيقية تواكب التحولات الدولية وتستجيب للحاجيات الوطنية
التصنيف المميز لميناء طنجة المتوسط على الصعيد العالمي يترجم توجه بلادنا نحو تقوية الاقتصاد البحري كمحرك للاقتصاد الوطني
سياسة الليبرالية المتوحشة والخوصصة المفرطة للنقل البحري كانت لها نتائج كارثية وهددت التجارة البحرية الوطنية
التوفر على أسطول وطني مرن يتميز بحسن التدبير والإدارة يعزز القدرة التنافسية للتجارة الخارجية المغربية ويشكل مصدرا للعملة الصعبة ولفرص العمل
التجارة البحرية المغربية تفتقد لرؤية واضحة للمستقبل وتفتقر للموارد البشرية رفيعة المستوى
أصحاب السفن المغاربة يعانون من منافسة غير عادلة أمام الخطوط الملاحية الأجنبية
الدعوة إلى إنشاء مرصد وطني للنقل البحري ومجموعة بحرية لتمكين المغرب من التحكم في القطاع بجميع مكوناته
يؤكد الأستاذ مصطفى الخياط الخبير الدولي في اللوجستيك أن التصنيف المميز لميناء طنجة المتوسط على الصعيد العالمي يترجم توجه بلادنا نحو تقوية الاقتصاد البحري كمحرك للاقتصاد الوطني
ويوضح الخبير في اللوجستيك أن سياسة الليبرالية المتوحشة والخوصصة المفرطة للنقل البحري التي اعتمدها المغرب في الماضي، كانت لها نتائج كارثية وهددت التجارة البحرية الوطنية، مبرزا أن النصوص القانونية المتعلقة بالمجال البحري
متقادمة وغير ملائمة، ولا تواكب التحولات التي عرفها القطاع في القرن الحادي والعشرين…
ويبرز الأستاذ مصطفى الخياط أن التجارة البحرية المغربية تفتقد لرؤية واضحة للمستقبل، وتفتقر للموارد البشرية رفيعة المستوى، مضيفا أن أصحاب السفن المغاربة يعانون من منافسة غير عادلة أمام الخطوط الملاحية الأجنبية…
ويؤكد الخبير الدولي في اللوجستيك أن التوفر على أسطول وطني مرن يتميز بحسن التدبير والإدارة، يعزز القدرة التنافسية للتجارة الخارجية المغربية ومصدر للعملة الصعبة فرص العمل، داعيا إلى إنشاء مرصد وطني للنقل البحري ومجموعة بحرية لتمكين المغرب من التحكم في القطاع بجميع مكوناته…
في ما يلي نص الحوار:
س: اسمح لي الأستاذ الخياط أن أسالك حول قطاع أصبح يحظى بالاهتمام،لقد أكد تقرير للبنك الدولي أن ميناء “طنجة المتوسط” احتل المرتبة السادسة من بين 370 ميناء عالميا وهو الأعلى تصنيفا في أوروبا وشمال أفريقيا في مؤشر أداء موانئ الحاويات على مستوى العالم، كخبير في مجال اللوجستيك، كيف تفسرون هذا التصنيف؟
ج: لا شك أن هذا التصنيف يعكس المكانة التي أصبح يحتلها ميناء طنجة المتوسط على الصعيد العالمي، كما يترجم توجه بلادنا نحو تقوية الاقتصاد البحري والنهوض بسياسة بحرية كمحرك للاقتصاد الوطني، وإذا كان هذا التقرير الدولي يصنف ميناء طنجة المتوسط بأنه « الأعلى تصنيفا في أوروبا وشمال أفريقيا »،حيث تفوق على موانئ دولية مشهورة، كميناء نينغبو- تشوشان في الصين، وميناء جدة بالمملكة العربية السعودية، وميناء كانتون (الصين)، وميناء يوكوهاما (اليابان) وميناء الجزيرة الخضراء في إسبانيا، وميناء بور سعيد في مصر، وميناء برشلونة الاسباني، علما بأن التقرير 370 ميناء عالمي، فهذا يعني أن سياسة المغرب في مجال اللوجستيك البحري بدأت تؤتي كلها، ومن المفروض تقويتها، حيث من المتوقع أن تكون لها نتائج إيجابية في المستقبل المنظور، خصوصا أن التجارة العالمية تعتمد بالدرجة الأولى على الاقتصادي البحري…
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الميناء كان قد حقق خلال السنة الماضية، رقما قياسيا جديدا على مستوى البحر الأبيض المتوسط بمعالجة أزيد من 7 ملايين حاوية من حجم 20 قدم، بنسبة نمو تصل إلى 24% مقارنة مع السنة التي قبلها.
ولا داعي للإصرار على أهمية النقل البحري في الاقتصاد المغربي، ذلك أن التجارة الخارجية المغربية هي تجارة بحرية بامتياز، حيث إن أكثر من 95٪ من التجارة الخارجية هي تجارة بحرية. ومن المفروض أن يؤدي هذا الاعتماد الطبيعي على الناقل البحري إلى بلورة سياسة بحرية حقيقية تواكب التحولات الدولية وتستجيب للحاجيات الوطنية.
ولابد من التذكير بأن هذه السياسة البحرية مرت بحركات دورية يمكن ترتيبها على الشكل التالي : سياسة خجولة في بداية فترة ما بعد الاستقلال (1956-1972)، تلتها سياسة ترويج العلم خلال الفترة (1972-1982) ، ثم سياسة تميزت بتدخل محتشم من قبل الدولة خلال الفترة (1984-2002) وأخيراً سياسة التحرير والخوصصة خلال الفترة (2003-2011) والتي أدت إلى التخلي التدريجي عن المزايا المكتسبة وتصفية الدعائم العامة في المجال البحري، والمتمثلة في كوماناف ومارفوسيون COMANAV و MARPHOCEAN …
س: كيف حصل التراجع على مستوى الأسطول البحري المغربي؟ وما هي أسباب وانعكاسات ذلك على النشاط البحري الوطني؟
ج: يمكن القول إن تراجع الأسطول المغربي يعود إلى عدة متغيرات: هناك أولا توقف مساعدات الدولة منذ عام 1984 لتطوير الأسطول تحت العلم الوطني، وهناك ثانيا المنافسة الشرسة في الأسواق البحرية الدولية، وظهور ناقلات عملاقة بأعداد مخفضة تغزو الأسواق التقليدية للأسطول المغربي، وعضوية المغرب في مناطق التجارة الحرة … إلخ. بالإضافة إلى ذلك، فإن تراجع الأسطول المغربي يرجع إلى سوء التدبير والإدارة وسلوك بعض مالكي السفن الذين اهتموا بالقطاع البحري خلال فترة المساعدة المالية الكبيرة من الدولة والحمائية البحرية (مدونة قواعد السلوك للمؤتمرات، ثنائية اتفاقيات مشاركة حركة المرور، وما إلى ذلك) والذين غادروا القطاع لاحقًا…
والواقع أنه بمجرد توقف المساعدات الحكومية المختلفة وحماية العلم، دخل الأسطول المغربي في أزمة عميقة: انخفاض الأسطول في العدد والحمولة: التخلص من السفن المملوكة للشركات العامة والخاصة وبيعها، بمبرر أنها كانت غير مربحة أو كبيرة الحجم أو قديمة، وكان لابد من تصفيتهما كجزء من إعادة التأهيل المالي وإعادة الهيكلة لشركات النقل البحري التي تواجه صعوبات أو أنها مفلسة. فخلال الأزمة التي عرفها القطاع البحري المغربي ، فقدت شركتا COMANAV و MARPHOCEAN جزءًا كبيرًا جدًا من أسطولهما، بعد سوء التدبير والإدارة، وإهدار المال العام وتبديد المهارات…
س: الأستاذ الخياط بعد الاستفادة من دروس الماضي، هل يمكن القول إن هناك فعلا سياسة بحرية مغربية جديدة؟
ج: لقد تم إلحاق التجارة البحرية المغربية، وهي الجهة المنظمة والداعمة لقطاع النقل البحري، بعدة قطاعات وزارية منذ الاستقلال. واستمرت هذه المؤسسة الإستراتيجية في الانتقال عبر عدة وزارات، ولم يكن لدى أي منها الوقت والمهارات الكافية لمعالجة المشاكل المتراكمة للقطاع البحري في الوقت المناسب وبالطريقة الملائمة…
وبعد سنة 1998 أصبحت التجارة البحرية المغربية جزءًا من وزارة التجهيز والنقل. ومنذ ذلك الحين، أدت السياسة البحرية إلى تهميش الأسطول المغربي لصالح المشغلين العالميين في القطاع البحري. وتقلص الاهتمام بالنقل البحري مقارنة بقطاع الموانئ، حيث تم تغليب ثقافة التجهيز على حساب الناقل الاستراتيجي الذي يعتبر السلاح الوطني في مجال التجارة البحرية…
س: هل المغرب في حاجة إلى أسطول تحت علمه؟ألا يمكن تحقيق أهداف السياسة البحرية عبر الاعتماد على الناقلين الدوليين ؟
ج: لقد تم طرح هذا السؤال منذ عام 1998. لا ينبغي اعتبار المغرب دولة شحن بحتة، ومع ذلك فنحن راضون عن استخدام شركات النقل الأجنبية بتكاليف شحن تنافسية. يجادل المدافعون عن هذه السياسة بأن المنافسة بين الموردين الأجانب تسمح بنقل المنتجات المغربية بتكلفة الشحن المثلى. والواقع أن القدرة التنافسية للمنتجات المغربية في الأسواق الخارجية تعتمد على التحكم في سلسلة اللوجستيك، وبالتالي في النقل البحري بجميع مكوناته (الأسطول المغربي أو الذي يسيطر عليه المشغلون المغاربة).
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الخبرة المكتسبة على مدى أكثر من أربعين عامًا في القطاع البحري، جعلت من الممكن تكوين نواة من المهارات التي سيكون من المؤسف التخلص منها عبر سياسة الليبرالية المتوحشة والخوصصة المفرطة غير الخاضعة للضبط والتنظيم .
تم التنبيه إلى أن بعض أشكال التحرير البحري قد تكون شديدة الوحشية وتؤدي إلى الاختفاء التام للقطاع البحري المغربي. وتعد خوصصة COMANAV خطوة أولى في هذا الاتجاه، فبعد الاستحواذ عليها، احتفظ المستثمرون فقط على الأصل التجاري ولم ينجز أي استثمار من قبل هؤلاء قصد تطوير القطاع، وبالتالي، فإن سياسة الخوصصة هذه لم تكن مجدية وأدت إلى اختفاء نهائي للقطاع البحري، ويمكن القول إن نتائجها كانت كارثية، وهددت أمن التجارة البحرية على الصعيد الوطني .
إن الموقع الاستراتيجي الذي يتمتع بع المغرب كدولة بحرية يدفع إلى طرح بعض الأسئلة الحارقة… أليس من المنطقي أن يكون لدولة رائدة في تصدير الفوسفات أسطول تنافسي من ناقلات البضائع السائبة وناقلات حامض الفوسفوريك؟ أليس من الاستراتيجي بالنسبة لدولة مستوردة للمواد الهيدروكربونية أن تتحكم في نقلها البحري ؟
يجب التأكيد على أن الأسطول المرن الذي يتميز بحسن التدبير والإدارة (مقاييس اقتصادية واضحة، والمرونة في تخصيص السفن عبر الانتقال من سوق إلى أخرى حسب الوضع الاقتصادي، والمواسم، وحركة مرور الطرف الثالث…إلخ )، من المفروض أن يستجيب لانتظارات وحاجات المشغلين الوطنيين أو المحليين، والذي سيكون بمثابة دعم للقدرة التنافسية للتجارة الخارجية المغربية ومصدرا للأرباح والمدخرات من العملة الصعبة، بالإضافة إلى توفير المزيد من فرص العمل…
س:بعيدا عن العواطف هل تتوفر بلادنا على مهنيين مغاربة يتحكمون في النقل البحري وقادرون على منافسة الناقلين البحريين الدوليين؟
ج: مع الأسف الشديد، لا يتحكم الشاحنون المغاربة في السلسلة اللوجستيكية الدولية التي يحتل فيها الجزء البحري مكانة إستراتيجية. وهم لا يتحكمون في النقل البحري، ويقبلون للأسف شروط التجارة الدولية التي تترك للشركاء الأجانب السيطرة الكاملة على سلسلة اللوجستيك وخاصة المرحلة البحرية.
إن اهتمام الشاحنين من المفروض أن ينصب على تعزيز تنافسية التجارة الخارجية المغربية. ولا ترتبط هذه القدرة التنافسية فقط بجودة المنتج المغربي واختيار أفضل الموردين، ولكنها تشمل سلسلة اللوجستيك بأكملها من التوريد إلى التوزيع.
وفي ضوء انفتاح القطاع البحري على المنافسة مع الاختراق العميق للناقلات العملاقة وانعدام التحكم في النقل البحري، فإن شركات الشحن للأسف تركز انتقاداتها فقط على القضايا المتعلقة بالمرور في الموانئ.
س: هل تعتبر البيئة المؤسسية والقانونية مواتية لتطوير الأسطول المغربي؟
ج: يتكون القانون المطبق على المجال البحري من نصوص تعود إلى 31 مارس 1919. والوقع أن مثل هذه النصوص غير ملائمة للقطاع البحري ولا تواكب التحولات التي عرفها في القرن الحادي والعشرين. فهي لا تسمح للخط الملاحي المغربي أن يكون مرنا من حيث جنسية السفن، وتمويل السفن (تأجير، تأجير قوارب عارية، إلخ) وإدارة البحارة. إن هذه العوائق القانونية تعتبر إكراهات حقيقية أمام تطور القطاع البحري المغربي.
إن التجارة البحرية المغربية بصفتها المدير المؤسسي للأسطول المغربي والشؤون البحرية، تعاني من عدم وجود رؤية واضحة لمستقبل القطاع واستقلالية حقيقية في اتخاذ القرار. يضاف إلى ذلك الضعف والافتقار إلى الموارد البشرية رفيعة المستوى القادرة على التجاوب مع التحديات التي يفرضها العالم البحري في الوقت الراهن.
س:غالبا ما يبرر المهنيون المغاربة الأزمة بعوامل أخرى مرتبطة بالضرائب والتمويل وتوظيف البحارة، ما هو تعليقكم على ذلك ؟
ج: إن أصحاب السفن المغاربة الذين ما زالوا موجودين في الواقع، يتخبطون في أزمة حقيقية. لم يعد لديهم مكان في حركة مرور الطرف الثالث. وسجلوا تراجعا على مستوى حركة المرور الوطنية، حيث يتم تخفيض حصصهم عن طريق المنافسة المباشرة من شركات النقل العملاقة (Maersk ، CMA-CGM، أصحاب السفن الإسبان… إلخ). وهم يعانون من منافسة غير عادلة أمام الخطوط الملاحية الأجنبية التي تسجل سفنها تحت أعلام الملاءمة أو العلم المكرر، حيث تتيح لهم هذه الأعلام الاستفادة من المزايا الضريبية، والتمتع بتسهيلات تمويلية واسعة عبر التأجير من خلال الملادات الضريبية والأسواق المالية الخارجية…
والحقيقة أنه في المغرب، يُعامل أصحاب السفن مثل أي شركة أخرى دون مراعاة خصوصياتهم . كما أنهم يواجهون صعوبات في العثور على مصادر تمويل دولي بسبب خضوعهم للقانون البحري المغربي لعام 1919، وشروط التمويل الصارمة التي تفرضها البنوك المغربية، حيث تفرض ضمانات على أساس الأصول بخلاف السفن، بالإضافة إلى أسعار الفائدة التي تبقى مرتفعة.
وبشكل عام يمكن القول إن أصحاب السفن المغاربة لا يتمتعون بالمرونة التي يتمتع بها منافسوهم، ولا سيما شركات النقل العملاقة، فيما يتعلق بتوظيف وإدارة البحارة، فهم يخضعون للقانون المغربي بكل قيوده وتكاليفه فيما يتعلق بطاقم الرحلة…
س: ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من نجاح الدول الآسيوية والبرازيل التي نجحت فعلا في التحكم في القطاع البحري؟
ج: إن التحكم في الناقل البحري هو العنصر الأساس لنجاح البلدان الناشئة (الآسيويون والبرازيل). وتجدر الإشارة إلى أن الدول الآسيوية ذات القطاع البحري المتقدم هي مستوردة صافية للمواد الخام. في هذه البلدان، يعد التحكم في الناقل البحري جزءًا من تجربة تصنيع طويلة نسبيًا، مرتبطة بالتقدم في المجالات الزراعية، والتدريب… والاستفادة من التدخل الشامل للدولة.
لقد تجاوزت هذه الدول التحكم في النقل البحري لتدمج القطاع البحري بجميع مكوناته في إطار رؤية شاملة (التكنولوجيا البحرية ، هندسة الموانئ …إلخ).
إن السياسات، ولا سيما الاندماج في الاقتصاد العالمي، هي التي تحدد، إلى حد ما، نجاح أو فشل استراتيجيات الولوج. ويعتبر الاندماج في الاقتصاد العالمي أمرًا عقابيا، مع وجود حواجز أمام الولوج وحرية الحركة. وفي هذا السياق، اختارت البلدان الآسيوية والبرازيل سياسات الانفتاح الانتقائية. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الولوج الناجح لهذه البلدان في الأنشطة البحرية قد تم تسهيله أيضًا من خلال ديناميكية خارجية: عولمة رأس المال، والأزمة في الدول الغربية منذ السبعينيات في القطاعات البحرية، وديناميكية داخلية: السياسات البحرية في العمق المدرجة في استراتيجيات التصنيع الذكية…
بالمقابل، شكل دخول المغرب إلى صناعات النقل البحري فشلاً جزئياً. لقد بنت بلادنا استراتيجياتها جزئيًا على أسطورة النظام الاقتصادي الدولي الجديد. في الوقت الراهن اختفت اليقينيات التي كان يستند إليها هذا النظام. ولا يمكن للمغرب أن يتحكم في أسواق صادراته التقليدية، وحصته المتواضعة بالفعل في حمولة الأسطول العالمي آخذة في الانكماش. لقد تبين أن الطلب على النظام البحري الدولي الجديد (مدونة قواعد السلوك للمؤتمرات، وتنظيم الأعلام المفتوحة، وقواعد هامبورغ، وما إلى ذلك)، مجرد سراب. والواقع أن الأزمة البحرية المغربية أزمة عميقة، أزمة انعطاف تهدد بدفع المغرب للانسحاب من الاقتصاد البحري العالمي.
س: ما العمل لموجهة هذا الوضع ؟
ج: إن الدرس الذي يجب استخلاصه من البلدان الآسيوية والبرازيل هو أن يكون لدينا قبل كل شيء دولة قوية تهتم بالحكامة الرشيدة في تدبير الشؤون العامة. وهذا يتطلب توافقا بين مالكي السفن والمشغلين البحريين والدولة. ولا يمكن تصور التحكم في الناقل البحري خارج سياسة اقتصادية بعيدة النظر ومدفوعة بالرغبة في مشروع بحري توافقي. ولا يمكن فصل الناقل البحري عن التصنيع العميق المواكب للتحولات التي يعرفها العالم بتعقيداته وتقلباته، حيث العديد من العناصر تبقى مترابطة.
ولا يمكن للمغرب أيضا، أن يتصور مستقبله إلا من خلال إتقان الصناعات المبتكرة، ومن بينها القطاع البحري الذي يشكل مجمعًا صناعيًا يجب التحكم فيه.
ولإنقاذ وبناء أسطول مغربي على أسس متينة، من الضروري اختيار إستراتيجية تجمع بين أعمال الدعم الخاص والعام والدولة.
ولتوضيح طبيعة هذه الإستراتيجية، من الضروري تحديد دور مالكي السفن من جهة ودور الدولة من جهة أخرى…
1 – دور ملاك السفن: يجب أن يكون لديهم ثقافة الأعمال البحرية، وأن يركزوا جهودهم على تطوير السفن من أجل البحث المستمر عن جودة الخدمة، وأن تكون لديهم سياسة للتحكم في سلسلة النقل لتلبية الاحتياجات المتزايدة للشاحنين. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يضعوا في اعتبارهم البحث عن الابتكار، الأمر الذي يتطلب الجرأة والخيال في الاستراتيجيات البحرية. وأخيرًا، يجب عليهم تنفيذ التدبير والإدارة بالتوافق والتراضي مع السلطات العامة، وبالتحديد مع الحكومة.
2- دور الدولة: مع الاتجاهات الجديدة في الاقتصاد العالمي، يجب أن يكون للدولة سياسة عالمية في القطاعات ذات الصلة بالفاعل الوطني في النقل البحري: عبر تشجيع الصادرات، وتطوير الموانئ الصناعية، وتقوية سياسة الموانئ بشكل عام، ووجود سياسة للقطاع البحري متعدد الوسائط بجميع مكوناته: بناء وإصلاح السفن … إلخ. ويجب التعبير عن السياسة البحرية للدولة من خلال الليبرالية المستنيرة أو الحمائية الفاضلة، كما يجب على الدولة أن تنفذ إجراءات منسقة مع مالكي السفن المغاربة لمساعدتهم على التكيف والتحكم في آليات السوق البحرية شديدة التعقيد والتقلب. ويجب على الدولة، أيضا إنشاء بحرية تجارية وطنية جديدة تهتم بالمشغلين البحريين من خلال اختيار إستراتيجية للاستخبارات الاقتصادية عبر إنشاء مرصد وطني للنقل البحري ومجموعة بحرية لتمكين المغرب من التحكم في القطاع البحري بجميع مكوناته.









