حروب المناخ.. القادمة ولاجئوها !

حروب المناخ.. القادمة ولاجئوها !

جمال الموساوي

في “عناقيد الغضب” لشتاينبك تمثيل أدبي لما قد يكون “لجوءا مناخيا”، حيث يتتبع الكاتبُ مهاجرين تركوا كل شيء خلفهم بسبب الجفاف. وهو تمثيل قد نعثر عليه في أعمال سينمائية أيضا، ولكن قد تكون وراءه، مع تطور التكنولوجيا وقدرتها على التحكم في بعض الظواهر الطبيعية ومنها المناخية، دراسات وأبحاث ربما أدت إلى عكس ما توخته كأهداف لخدمة الإنسانية، فتكون لها آثار جانبية كالتي تتناولها هذه المقالة.

لقد اهتم الاقتصاديون على الدوام بكيفية تدبير الندرة، وسعت النظريات الاقتصادية المختلفة، تبعا لذلك، لبناء نماذج يتحقق فيها التوازن، ما أمكن، بين الموارد والحاجيات. ويظل هذا التوازن نسبيا لأن الموارد محدودة بالرغم من التوسع الذي يتحقق بفعل تقدم وسائل الإنتاج وتقدم التكنولوجيا بينما الحاجيات تتضاعف بشكل أسرع نتيجة النمو الديموغرافي وتطور الاستهلاك. وقد انتبه توماس مالتوس “المتشائم” لهذه المعادلة، وبنى نظريته التي يخلص فيها إلى أن ظواهر الفقر والجوع والتسول هي نتيجة للاختلال بين عدد السكان والموارد المتاحة. بيد أنه في الوقت الراهن، لا يتعلق اختلال التوازن فقط بزيادة السكان ومحدودية الموارد بل أيضا بتقلص هذه الأخيرة من جراء تدهور البيئة لأسباب طبيعية، ولأخرى لا تغيب فيها بصمة البشر،  عمقت أكثر ظاهرة التغيرات المناخية.

باستحضار نظرية مالتوس والتوقعات القاسية لمناخ المستقبل في ظل هذه التغيرات، ثمة عدة أسئلة تطرح نفسها على البشرية بشأن مصيرها. ومن ذلك، هل سيشهد العالم جيلا جديدا من الحروب؟ حروب لا تتحكم فيها الدول، ولا تعلن عن شنها من خلال جيوشها النظامية، فهي ليست من الحروب التي تكون “ممارسةً للسياسة بوسائل أخرى”، وإنما مفروضة بقوى غير سياسية، ويغذيها العجز عن منع أسبابها ومعالجة آثارها. إن عجز الدول عن تقديم الأجوبة لسكانها حول المعضلات التي تستجدُّ وتؤثر على حياتهم، يفقدها مع الوقت هيبتها، وتصبح “شرعية احتكار العنف” بلا معنى، مما يفتح الباب لانفلاتات أمنية مدمرة. والمشكلة هنا أنه مع ظاهرة التغيرات المناخية بأبعادها وتجلياتها المختلفة، لا يهم العجز دولة بعينها وإنما العالم كله، وبالتالي فإن الحروب المتوقعة هي حروب اجتماعية كونية بآثار اقتصادية وسياسية ستغير لا محالة شكل الحياة على الأرض.

لكن، ما العلاقة بين التغيرات المناخية والجيل الجديد من الحروب؟ لقد كان المناخ دائما عنصر استقرار للناس، قرب مصادر المياه والمراعي والأراضي الصالحة للزراعة، وعندما يحدث تغير مفاجئ كالجفاف أو الفيضانات، على سبيل المثال، يضطرون للبحث عن أماكن أخرى للاستقرار. هذه الحالة هي ما أعطى ظاهرة الرحل الموسميين، ولكن أيضا ظاهرة النازحين الذين يغادرون نهائيا منازلهم الأولى للاستقرار الطويل في مناطق أخرى، كما هو الشأن بالنسبة للهجرة نحو المدن والتخلي نهائيا عن حياة المزارعين.

اليوم، أمام الإقرار العالمي بأن التغيرات المناخية باتت واقعا ثابتا، وأنها تتجه نحو مزيد من الحدة، تبدو المخاوف جدية على مستقبل البشر. ولم تفلح التعبئة من أجل مقاومة هذه التغيرات حتى الآن، بالرغم من المبادرات المتخذة في إطار تنفيذ اتفاقية باريس لسنة  2015. تلك الاتفاقية التي ألحت على ضرورة احتواء ارتفاع حرارة الأرض في أقل من درجتين بحلول عام 2100، وعلى مساعدات مناخية  بقيمة 100 مليار دولار  سنويا للدول النامية  خلال عام 2025، وعلى خفض الانبعاثات الغازية المسؤولة عن الظاهرة، وهي التزامات لم تتحقق لعدة أسباب منها، التنافس الاقتصادي بين الدول الصناعية خاصة أن الاتفاق صادف سياقات غير داعمة منها آثار الأزمة المالية والاقتصادية التي سبقته والسعي الفردي للدول للخروج منها، ثم الظرفية العالمية السياسية السيئة بدءا من انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة دونالد ترامب من الاتفاقية والتملص من كل الالتزامات الواردة فيها، ثم عدم التقدم بشكل جدي في التحول الطاقي نحو موارد نظيفة بدل الموارد الأحفورية.

في هذا السياق، تذهب بعض التحليلات إلى اعتبار التغيرات المناخية ضمن الأسباب التي ساهمت في توالي الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي شهدها العالم منذ بداية الألفية، وتسببت في ارتفاع النازحين واللاجئين سواء داخل حدود بلدانهم أو خارجها. ويجتمع في هذا ضحايا الفيضانات والتسونامي في آسيا والجفاف في إفريقيا وضحايا أحداث ما بعد “الربيع العربي” في الشرق الأوسط، ثم ضحايا كوفيد-19 وصراع الدول حول الأدوية والغذاء، وأخيرا، إلى حدود الآن، ضحايا الحرب في أكرانيا ونتائجها الآنية (ندرة المواد الغذائية والطاقية وارتفاع أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة). هذه الأحداث ومآسيها الاجتماعية، وآثارها السياسية والاقتصادية لم تكن مجهولة تماما أو غير متوقعة، بل هي ضمن السيناريوهات التي قدمها مثلا تقرير البنتاغون سنة 2003 حول الآثار المحتملة للتغيرات المناخية على الأمن القومي الأمريكي. وقد تضمن التقرير توقعات مرعبة بشأن مستقبل الكرة الأرضية سواء في ما يتعلق بندرة المواد الغذائية، أو الجفاف أو “شلالات المطر” التي تتسبب في فيضانات غير مسبوقة، أو غمر مساحات هائلة من الأرض نتيجة ذوبان الأنهار والجبال الجليدية، وهي ظواهر ستؤدي إلى موجات نزوح بالملايين؛ وإلى صراعات بين هؤلاء وبين المقيمين في المناطق التي ستُستثنى من آثار هذه الكوارث؛ ثم، في مرحلة ثالثة، عن حروب عسكرية بين الدول تنتهي برسم خريطة جديدة للعالم.

إن التأمل في الوضع الاقتصادي العالمي اليوم والأزمات المتلاحقة، يفضي بالضرورة إلى خلاصات متشائمة. وليس من الصدفة أن يتم، في الأدبيات التي تتناول بالتحليل تطورات الأحداث، تكريس مفاهيم ومصطلحات تناسب السياق الراهن مثل “لاجئي المناخ”، أي أولئك الذين يتركون أماكن إقامتهم المعتادة بسبب تغير مفاجئ في المناخ، وذلك ربما تمهيدا للبحث عن الطرق المناسبة للتعامل معهم بالنظر للتهديد الذي يشكلونه على مناطق الاستقبال، خاصة أن وضعهم حتى الآن يبقى ملتبسا. فهؤلاء اللاجئون لا يدخلون في تعريف الأمم المتحدة للاجئ، والمحصور في علة “الخوف من الاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية”، وهو ما يعني أن لاجئي المناخ لا يحظون بأي حماية قانونية.

يبقى المثير في هذا التحليل الاستشرافي، الكارثي إذا جاز الوصف، أن المهتمين بالموضوع يركزون على فكرة أساسية قائمة على التصور الجاهز للعالم الثالث والدول المتخلفة كمصدر للشرور الآنية والمستقبلية. فالمناطق التي لن تكون صالحة للعيش إذا ارتفعت درجة حرارة الأرض ب 4 درجات في أفق 2100، هي القارة الإفريقية كلها تقريبا وأجزاء من آسيا وأروبا وأمريكا اللاتينية، أي أن أغلب النازحين سيخرجون بالضرورة من هذه المناطق نحو مناطق الشمال الباردة خاصة كندا وشمال أوروبا وروسيا وحتى نيوزلندا حسب المهتمين بهذه القضية، ومنهم الصحافية البريطانية المتخصصة في قضايا البيئة غايا فانس صاحبة كتاب «Nomad Century».

كما يتوقع البنك الدولي، في تقرير صدر عام 2021، أن يضطر نحو 216 مليون شخص، في أفق عام 2050 فقط، إلى الهجرة داخل بلدانهم لأسباب تتعلق بالظروف المناخية، وأن بؤر النزوح ستظهر قبل ذلك بعشرين سنة. وتتوقع منظمة “أوكسفام”، في حالة عدم القيام بمبادرات كبيرة للحد من الاحتباس الحراري،  أن تكون حركة الهجرة المناخية أو اللجوء المناخي أكثر كثافة ابتداء من عام 2030 بأعداد تصل إلى 260 مليون نازح على أن تشمل بحلول 2050 ما يناهز 1.2 مليار شخص، وأن هذه الحركة لن تقتصر على النزوح الداخلي بل ستتخطى الحدود، وهوما يعيد إلى الواجهة منذ الآن، بشكل استباقي، النقاش الدائم حول القيمة المضافة للمهاجرين في بلدان الاستقبال أو تأثيرهم السلبي على سير الحياة في مختلف أبعادها في تلك البلدان.

لكن هذا النقاش يخرج عن طبيعته التي تبدو بسيطة، وتنحصر في وضع كفتيْ ميزانٍ بالإيجابيات والسلبيات، لأن المستجدات تفرض السير به في اتجاهات أخرى. إن الهجرة، في هذه الحالة، ليست اقتصادية أولا، وهي ثانيا ليست هجرة مع احتمال العودة إلى البلدان الأصلية. وأكثر من ذلك أن هذه الهجرة الجديدة مقرونة بتقلص مساحة الأرض بسبب ارتفاع مستوى البحر، وباستحالة العيش نهائيا في مساحات واسعة من العالم الحالي، وبالتبعية فهي مقرونة بنقص في المواد الغذائية بحيث تذهب التوقعات إلى أن هذه المواد ستكتفي بالكاد ثلث سكان العالم إذا تحقق السيناريو الأكثر تشاؤما (4 درجات إضافية في الحرارة). هذا الوضع يجعل من المهاجرين عبئا منذ الآن في تصور المقيمين في مناطق الاستقبال المحتملة، وسيغذي، مع الوقت، النزعات العنصرية التي ستدفع بالاختلافات الثقافية والدينية والعرقية كذرائع لرفض استقبال النازحين، خاصة إذا لم يتم توسيع تعريف اللاجئين لتشملهم الحماية المخولة للاجئين السياسيين حاليا. وهذه الذرائع الاستباقية إضافة إلى الأحكام المسبقة عن “المهاجرين الفقراء غير المتعلمين جيدا الطامعين في امتيازات أنظمة الحماية الاجتماعية للدول المتقدمة”، لن تنتظر ارتفاع حرارة الأرض بأربع درجات كي تعلن عن نفسها، بل إنها، في نظر اليمين المتطرف في أكثر من بلد غربي غنيّ، الامتدادُ الطبيعي الأكثر سوءا ل”مثالب” الهجرة في الوقت الراهن.

ويبقى أن النقاش المحتد الآن، بين الخبراء والسياسيين وفي الإعلام، حول كيفية التعامل مع لاجئي المناخ، قد يتحول إذا فشل العالم في تسريع العمل لاحتواء التغيرات المناخية وتفادي السيناريو الأسوأ، إلى حروب طاحنة ستأتي على ضحايا بأعداد غير مسبوقة وستؤدي، كما يتوقع تقرير البنتاغون، إلى إعادة تشكيل خريطة العالم باختفاء كيانات قائمة، وظهور أخرى، على أن تكون الهيمنة في النهاية للقوى الكبرى التي تتحكم في مفاصل عالم اليوم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات