صادق مجلس المستشارين، في جلسة تشريعية عقدها يوم الثلاثاء 23 يونيو 2026، بالأغلبية، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. وحظي مشروع القانون بموافقة 22 مستشارا برلمانيا، مقابل امتناع ستة عن التصويت.
وأصدرت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس المستشارين تقريرا مفصلا حول جلسات أشغالها بخصوص هذا المشروع الذي يؤطر واحدة من أهم المهن القضائية المرتبطة بضمان الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة
ويفيد التقرير أن هذا المشروع يأتي في سياق الدينامية الإصلاحية التي يشهدها قطاع العدالة بالمغرب، وبعد مرور حوالي سبعة عشر سنة على دخول القانون رقم 28.08 حيز التنفيذ، وما أفرزه التطبيق العملي من اختلالات وإشكالات استدعت مراجعة شاملة للإطار القانوني المنظم للمهنة.
من الناحية الإجرائية، عرف المشروع نقاشا برلمانيا مكثفا داخل اللجنة، التي عقدت بشأنه ثمانية اجتماعات، استغرقت ما مجموعه 26 ساعة و30 دقيقة. كما قدمت مختلف الفرق والمجموعات النيابية عددا مهما من التعديلات بلغ 493 تعديل، تم قبول 93 تعديلا منها، ورفض 332 تعديل، فيما سحب 68 تعديلا، وهو ما يعكس حجم الرهانات والخلافات المرتبطة بمضامين النص.
وقد دافع وزير العدل عن المشروع باعتباره جزءا من إصلاح شامل لمنظومة العدالة، يهدف إلى تأهيل مهنة المحاماة، وتعزيز استقلاليتها، وتحسين حكامتها، والرفع من جودة الخدمات المقدمة للمتقاضين. كما أكد أن النص الجديد جاء ثمرة مشاورات وحوار مع الهيئات المهنية والفاعلين المعنيين.
وعلى مستوى المناقشة العامة، عبر النواب عن دعمهم المبدئي لإصلاح مهنة المحاماة، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على مكانتها باعتبارها شريكا أساسيا في تحقيق العدالة. غير أن النقاش البرلماني كشف أيضا عن جملة من الملاحظات والانتقادات، تمحورت أساسا حول عدد من القضايا الجوهرية.
فقد انصب جانب مهم من النقاش على شروط الولوج إلى المهنة ، حيث أثارت مسألة اعتماد المباراة كآلية أساسية للولوج نقاشا واسعا. فبينما اعتبرها البعض آلية لتعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص، أبدى آخرون تخوفات من إمكانية تحولها إلى أداة للإقصاء أو الحد من الولوج إلى المهنة بالنسبة لبعض الفئات.
كما أثارت قضية التكوين الأساسي والمستمر نقاشا مستفيضا، إذ شدد النواب على ضرورة توفير تكوين عالي الجودة يستجيب للتحولات التي يعرفها المجال القانوني والقضائي، ويؤهل المحامين لمواكبة التحديات المرتبطة بالرقمنة، والتحكيم، والاستثمارات الدولية، والذكاء الاصطناعي.
ومن بين القضايا التي استأثرت باهتمام كبير أيضا، مسألة **الحكامة والتدبير الداخلي للهيئات المهنية**، حيث دعت عدة تدخلات إلى تعزيز الشفافية في تدبير شؤون الهيئات، وتطوير آليات الرقابة والمساءلة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة داخل المؤسسات المهنية.
كما شكلت المقتضيات التأديبية موضوع نقاش حاد، إذ طالب عدد من النواب بضرورة تحقيق التوازن بين حماية استقلالية المحامي وضمان احترام أخلاقيات المهنة، مع توفير ضمانات المحاكمة العادلة خلال المساطر التأديبية.
وفي الجانب الاجتماعي، تم التأكيد على أهمية تحسين الوضعية الاجتماعية للمحامين، خاصة الشباب منهم، من خلال تعزيز آليات الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتقاعد، بالنظر إلى الصعوبات التي تواجه شريحة واسعة من الممارسين الجدد.
أما بخصوص أبرز التعديلات التي وافقت عليها اللجنة، فقد همت أساسا:
– تدقيق عدد من المفاهيم والمصطلحات القانونية الواردة في المشروع؛
– تعزيز مقتضيات التكوين والتأهيل المهني؛
– إدخال تعديلات على بعض شروط الولوج إلى المهنة وكيفيات تنظيم المباراة؛
– مراجعة عدد من المقتضيات المتعلقة بالتأديب والمسؤولية المهنية؛
– تحسين الصياغة القانونية لعدد من المواد بما يضمن وضوحها وقابليتها للتطبيق؛
– تعزيز بعض الضمانات المرتبطة باستقلالية المحامي وممارسة حق الدفاع.
ويكشف التقرير، في مجمله، عن وجود توافق واسع حول ضرورة تحديث الإطار القانوني لمهنة المحاماة، مقابل استمرار الخلاف بشأن بعض التفاصيل التنظيمية والاختيارات التقنية المرتبطة بولوج المهنة، والحكامة المهنية، وآليات التأديب. كما يعكس حجم التعديلات والمناقشات أن مشروع القانون لا يقتصر على مجرد تعديل تقني، بل يشكل محاولة لإعادة صياغة التوازنات داخل مهنة المحاماة بما ينسجم مع متطلبات إصلاح العدالة وتطور المجتمع المغربي.
ويمثل مشروع القانون رقم 66.23، بشكل عام، خطوة مهمة في مسار تحديث مهنة المحاماة، غير أن نجاحه سيظل رهينا بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين متطلبات التأهيل والنجاعة، وضمان استقلالية المهنة، وصيانة حقوق الدفاع، والاستجابة لتطلعات المحامين والمتقاضين على حد سواء.











