الرأي الحر: أزمة الصحافة في عصر سطوة شبكات  التواصل الاجتماعي

الرأي الحر: أزمة الصحافة في عصر سطوة شبكات  التواصل الاجتماعي

عبدالفتاح الصادقي *

من البارز أن التطور السريع للتقنيات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، أحدث تحولاً جذرياً في المشهد الإعلامي وفي طريقة اشتغال الإعلاميين المهنيين. فبينما ساهم هذا التحول في إتاحة المعلومات للجميع، فقد أدى، في المقابل، إلى تراجع مخيف في دور الصحفيين المهنيين ووسائل الإعلام المنظمة. وفي هذا السياق يطغى الخطاب العاطفي، الذي غالباً ما يفتقر إلى الدقة والمصداقية، ويفرض سيطرته على المجتمع، في الفضاءات العامة والخاصة على حد سواء، مما يُنذر بعواقب وخيمة على تشكيل الرأي العام وسير عمل النظام الديمقراطي ومؤسساته المنتخبة.

والحقيقية أن وسائل الإعلام المهنية، لطالما اضطلعت بدور وسيط حاسم في نقل الأخبار وبسط الحقائق أمام الجمهور، والمساهمة في صناعة القرار، حيث كانت تضمن التحقق من المعلومات، والالتزام بالمعايير الأخلاقية، ووضع الأحداث في سياقها الصحيح. وكانت الصحافة تقوم على مبادئ أساسية كالصدق والموضوعية والمسؤولية الاجتماعية واحترام أخلاقيات المهنة، إلا أن صعود المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي  قد أخلّ بهذا النموذج، إذ فسح المجال أمام أي شخص، بغض النظر على مستواه التعليمي وعن تكوينه المهني،  من أجل إنتاج المعلومات ونشرها ومناقشتها، دون أن يمتلك المهارات ويخضع للالتزامات الأخلاقية الخاصة بالمهنيين.

إن هذا التحول الذي لا يخضع لأي تنظيم، أدى  إلى تفاقم الهشاشة التي يعانيها المشهد الإعلامي الوطني، وتسبب في انتشار بيئة إعلامية جديدة تهيمن عليها مظاهر التبسيط والتسطيح والانتشار السريع والسعي وراء الظهور، مهما كلف الأمر ذلك. في هذه البيئة، يظهر أن المحتوى العاطفي والمُثير للضجة والفضائحية، يميل إلى الانتشار أسرع من الخبر الموثوق والتحليل الدقيق، ذلك أن خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي تُضَخِّم هذه الظاهرة من خلال إعطاء الأولوية للمحتوى الذي يدغدغ عواطف الناس، ويُثير ردود فعل فورية، على حساب جودة المعلومات وموثوقيتها.

ونتيجةً لذلك، أصبح الخطاب العام يتسم، بشكل متزايد، بالشعبوية والذاتية والتضليل، حيث  تنتشر “المعلومات” الكاذبة، والأخبار الزائفة، على نطاق واسع، كالنار في الهشيم،  مما يُطمس الحدود بين الحقيقة والزيف، وبين الصدق والكذب. ويُقوّض هذا الوضع ثقة المواطنين في وسائل الإعلام التقليدية والمؤسسات العامة، ويُؤجّج مناخًا من الشك والريبة، تخلط فيه الأوراق، حيث لم يعد هناك تمييز بين الصحفي المهني وصاحب صفحة في الفايسبوك وقناة في اليوتوب ..

ومن أخطر عواقب هذا التطور تحوّل آليات تشكيل الرأي العام. فبينما كان الخطاب العام يعتمد سابقًا على تعدد المصادر الموثوقة والنقاشات المنظمة، أصبح الآن يتأثر بتدفقات معلوماتية مُجزأة، وغير مضبوطة، ومتحيزة، وغير صحيحة، في كثير من الأحيان.

ولا شك أن  لهذا التحول الرهيب،  تداعيات مباشرة على الديمقراطية، وهي تداعيات لا يمكن إلا أن تكون سلبية. فمن خلال إضعاف دور الإعلام كضامن للشفافية والمساءلة، يحدّ ذلك من قدرة المواطنين على اتخاذ قرارات مستنيرة ومتوازنة، حيث تتأثر العمليات الانتخابية بحملات التضليل، بينما يتم  تسميم النقاش العمومي بهيمنة الخطاب التبسيطي والعاطفي.

مع ذلك لابد من التنبيه إلى أمر بالغ الأهمية، إذ من التبسيط المفرط، النظر إلى هذا التطور من منظور سلبي فقط، فالتقنيات الرقمية تُتيح أيضًا فرصًا لتنشيط الصحافة وتعزيز مشاركة المواطنين. وتظهر أشكال جديدة تُعزز التفاعل وتنوع الأصوات، في حالة الاستغلال الجيد لهذه التقنيات. ولذلك، يكمن التحدي الحقيقي في كيفية التعامل مع هذه التقنيات إيجاد توازن بين الانفتاح والرقابة، والتنظيم واحترام القانون والمؤسسات.

ولمواجهة هذه التحديات، من الضروري تعزيز الوعي الإعلامي لتمكين المواطنين من تطوير نهج نقدي تجاه المعلومات والأخبار التي يتم تداولها. كما يجب على الجهات الفاعلة في قطاع الاتصالات ومختلف المنصات الرقمية أن تتحمل مسؤولية أكبر في مكافحة التضليل، وعلى المؤسسات الإعلامية المهنية التكيف مع التطور التكنولوجي من خلال الإبداع والابتكار، مع التأكيد على قيمها الأساسية المرتكزة على أخلاقيات المهنة.

 في نهاية المطاف، لا تعني أزمة الصحافة في عصر شبكات التواصل الاجتماعي زوال دور الإعلام المهني التقليدي، بل تحوله وفق الضرورات التي يفرضها التطور التكنولوجي. وفي هذا السياق، ستكون قدرة المجتمعات على الحفاظ على فضاء عام  قائم على معلومات موثوقة ومتعددة المصادر، عاملاً حاسماً في مستقبل الديمقراطية.

 *إعلامي وباحث في القانون العام والعلوم السياسية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات