عبدالفتاح الصادقي
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2027 بستة أشهر، تثير أعمال العنف التي رافقت التحركات الاجتماعية، والمواجهات بين المسؤولين السياسيين، والقيود المفروضة على بعض المظاهرات، حالةً متزايدة من عدم اليقين بشأن مسار الحملة الانتخابية المقبلة. وخلف أزمة النظام العام التي يتحجج بها المسؤولون، تبرز تساؤل أكثر عمقاً: هل لا تزال الديمقراطية الفرنسية تمتلك الأدوات السياسية اللازمة لاحتواء التوترات التي تعصف بالمجتمع؟
يعلم الجميع أن فرنسا ستشهد استحقاقا سياسيا بالغ الأهمية؛ إذ من المقرر إجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في 18 أبريل 2027، تليها الجولة الثانية في 2 مايو. ومع ذلك، وقبل أشهر طويلة من الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية، يتخبط المناخ السياسي في وضعية مأزومة، تتسم باستقطاب حاد، واحتجاجات اجتماعية مستمرة، ومخاوف بشأن أمن التظاهرات واللقاءات السياسية.
لقد شكّلت أحداث 17 أكتوبر 2026 منعطفاً هاماً الديناميات الاجتماعية والتحولات السياسية والاقتصادية التي يشهدها المجتمع الفرنسي، فمنذ حركة السترات الصفراء الشعبية والتي انطلقت في نوفمبر 2018، لم تسجل فرنسا أحداثا بخطورة أحداث 17 أكتوبر، فقد ترافقت التحركات الاحتجاجية -التي جاءت رفضاً لغلاء المعيشة وتردي الخدمات العامة، ولا سيما في قطاع التعليم- مع مواجهاتٍ عنيفة مع قوات الأمن في باريس ومدن أخرى، بالإضافة إلى أعمال نهب وتخريب طالت مباني عامة ومتاجر ممتلكات خاصة. وبحسب الحصيلة النهائية التي أعلنت عنها السلطات، فقد بلغ عدد الموقوفين 2628 شخصاً. وقد دفعت جسامة هذه الأحداث السلطة التنفيذية إلى مراجعة تدابيرها المتعلقة بحفظ النظام.
ومع ذلك، سيكون من المبالغة اعتبار جميع المتظاهرين مسؤولين عن أعمال العنف؛ إذ تعكس هذه التحركات أيضاً مخاوف ملموسة تتعلق بالقدرة الشرائية، والخدمات العامة، والتفاوتات الاجتماعية. وتكمن الصعوبة التي تواجهها الدولة تحديداً في التمييز بين الاحتجاج المشروع وبين الأفعال التي تلحق الضرر بالأفراد والممتلكات والمؤسسات.
والملاحظ أن رد فعل الحكومة تجاه الأحداث، اتخذ بُعداً سياسياً سريعاً. ففي 22 أكتوبر ، أقر إيمانويل ماكرون بوجود قصور في استباق أحداث 17 أكتوبر ، ودعا إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً في مواجهة أعمال العنف. وعقب ذلك، فُرضت قيود على العديد من التجمعات، حيث حظرت السلطات الإدارية بعض طلبات تنظيم المظاهرات.
وتطرح هذه التدابير معضلة ديمقراطية؛ فالدولة ملزمة بضمان سلامة الأفراد ومنع العنف، لكنها في الوقت ذاته مطالبة بالحفاظ على حرية التظاهر والتعددية السياسية. ذلك إن الاعتماد على نهج أمني بحت قد يؤدي إلى تفاقم حالة انعدام الثقة، لا سيما إذا شعر المواطنون بأن قدرتهم على التعبير الجماعي مقيدة. وفي المقابل، فإن عدم كفاية التدابير الوقائية يعرض المتظاهرين وأصحاب المتاجر وقوات الأمن لمخاطر إضافية.
والخطير أن الأزمة تجلت أيضاً في شكل مواجهة بين القوى السياسية؛ إذ وجهت الحكومة والعديد من مسؤولي الأغلبية أصابع الاتهام إلى حركة “فرنسا الأبية” ، متهمين إياها بتأجيج التوترات. ومن جانبها، عبرت الحركة عن رفضها هذا الطرح، في حين انتقد حزب “التجمع الوطني”السلطة التنفيذية وطريقة إدارتها لملف حفظ النظام. ويغذي هذا التصعيد تنافساً يسعى فيه كل طرف إلى تحميل خصومه مسؤولية تدهور المناخ العام في البلاد.
ويبدو الخطر جلياً؛ فبدلاً من مناقشة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، وجد المسؤولون السياسيون أنفسهم منخرطين في دوامة من الاتهامات المتبادلة، والتصريحات الاستفزازية، واستعراضات القوة والسلطة.
غير أن التحركات التي جرت في 24 أكتوبر حملت في طياتها دلالةً تستوجب التريث في الحكم؛ فوفقاً لوزارة الداخلية، بلغ عدد المتظاهرين في البلاد 410 آلاف شخص، بينما قدّر الاتحاد العام للعمل، ذكر أن عددهم بلغ 800 ألف شخص. وقد سجلت السلطات 1314 حالة اعتقال، وإصابة 53 عنصراً من قوات الأمن، وتعرض 24 متجراً للنهب. ورغم استمرار وقوع بعض الحوادث، فقد جرت التجمعات – بشكل عام – في ظروف أفضل مما كانت عليه في الأسبوع السابق، وذلك بفضل تعزيز الاستعدادات الأمنية.
إن هذه التحركات تحاول إظهار أن الدولة لا تزال تمتلك القدرة على التحرك؛ لذا يبقى الحديث عن حدوث فقدان شامل للسيطرة سابقا لأوانه. ومع ذلك، فإن العدد الكبير للاعتقالات واستمرار المواجهات يعكسان وضعاً يتسم بعدم الاستقرار، حيث يمكن لأي حادث بسيط أن يتخذ أبعاداً سياسية على المستوى الوطني.
والحقيقة إن الخطر الأكبر الذي تواجهه فرنسا المقبلة على الانتخابات الرئاسية، يتمثل في فقدان الثقة، ذلك أن أعمال العنف الظاهرة لا تشكل سوى جزءٍ من المشكلة؛ إذ يعود ضعف الحملة الانتخابية أيضاً إلى تراكم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، والانقسامات السياسية، والشعور بأن المؤسسات لا تعكس بشكل كافٍ الهموم اليومية للمواطنين. وحين يرى المواطنون أن المؤسسات لا تلبي تطلعاتهم، يبرز فقدان الثقة فيها، فيجد الغضبُ طريقه إلى الشارع، متحولاً بذلك إلى أداةٍ للصراع بين الأطراف السياسية.
في هذا السياق، لا يمكن للأمن أن يحل محل النقاش السياسي. فاستعادة النظام العام أمرٌ لا غنى عنه، لكنها لن تكون كافية إذا ظل إحساس الناس بالظلم، وإذا ظلت أسباب الاحتجاج دون معالجة. لذا، ينبغي أن تتوفر شروط مناقشة ميزانية عام 2027، والإنفاق العام، وتمويل الخدمات العامة، والتدابير المتعلقة بالقدرة الشرائية، دون أن تكون تحت ضغط الاحتجاجات والمواجهات.
ولاشك أن المسؤولية تقع على عاتق جميع الأطراف الفاعلة: الحكومة، التي يتعين عليها ضمان الأمن مع احترام الحريات؛ والأحزاب، التي يجب عليها تجنب الخلط بين المعارضة والعنف؛ ومنظمي المظاهرات، الذين ينبغي عليهم المساهمة في منع حدوث تجاوزات.
إن المسألة الحاسمة تكمن في معرفة ما إذا كانت فرنسا ستنجح في منع تحول الانتخابات الرئاسية لعام 2027 إلى منافسة يهيمن عليها الخوف والمواجهة والبحث عن “المسؤولين” (عن الأزمات)، وذلك على حساب النقاش حول مشاريع المجتمع.** فالديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرتها على احتواء العنف، بل أيضاً بقدرتها على إبقاء قنوات الحوار، والاحتجاج السلمي، والتداول السلمي للسلطة مفتوحةً وفاعلة.
إعلامي وباحث في القانون العام والعلوم السياسية











