المواقف المتهافتة لريكاردو تشامورو !

المواقف المتهافتة لريكاردو تشامورو !

عبدالفتاح الصادقي

نشر النائب الإسباني ريكاردو تشامورو مقالا بالأنجليزية  تحت عنوان “المغرب يلعب على كل الحبال بينما تدمر أوروبا نفسها” (Morocco plays all sides while Europe kills itself)، بتاريخ 19 غشت 2026، في أحد المواقع الإعلامية، يحاول فيه، بأسلوب ماكر ومخادع، تصوير المملكة المغربية كطرفٍ يستغل ببراعة الانقسامات ونقاط الضعف الأوروبية لتعزيز مكاسبه التجارية والجيوسياسية. غير أن القراءة المتأنية تُظهر أن هذا التحليل يتأثر، بشكل واضح،  بالتوجه السياسي لحزب “فوكس” الإسباني اليميني المتطرف الذي ينتمي إليه صاحب المقال، والذي  يَتبنَّى مواقف عدائية تجاه المملكة المغربية، حيث يعتمد خطاباً شعبوياً تحريضياً يركز على التشكيك في طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية والأوروبية، ولا يتردد في مهاجمة المصالح المغربية، واستغلال الملفات الدبلوماسية والحدودية لأغراض انتخابية..

 وبشكل عام يمكن القول إن تشاموروٍ يميل في تحليله إلى تغليب المصالح الفلاحية والاقتصادية الإسبانية على حساب تقييمٍ متوازنٍ للعلاقات والمبادلات بين الطرفين، مع احترام المصالح المغربية أيضا.

والحقيقية التي لا يمكن إغفالها هي أن دور ريكاردو تشامورو لا يقتصر على كونه معلقاً على العلاقات الأوروبية المغربية، بل هو نائب إسباني عن الكتلة البرلمانية لحزب فوكس ويشغل، على وجه الخصوص، منصب المتحدث باسم لجنة الفلاحة والصيد والغذاء في مجلس النواب الإسباني.. ويُعَدُّ هذا المعطى جوهريا في تحليل وتقييم المقال،  وبالرغم من  أنه لا يكفي وحده للجزم بأن كل ما ورد فيه من ادعاءات خاطئ أو صادر عن سوء نية، إلا أنه يفرض على أي قارئ متفحص، ضرورة الأخذ بعين الاعتبار، احتمال وجود تعارض بين التحليل الرصين والموقف السياسي  المتحيز المسبق، لا سيما أن الموضوع المطروح  للنقاش يمس، بشكل مباشر، القطاع الفلاحي الإسباني، وهو القطاع الذي يدافع صاحب المقال عنه، بشكل متعصب. وعلاوة على ذلك، يُظهر نشاطه البرلماني أنه سبق في عدة مناسبات أن اتخذ مواقف مناهضة لما يصفه بمنافسة فلاحية مغربية تضر بالمنتجين الإسبان، قد تصل إلى تكريس خطاب  التحريض والكراهية ضد المغاربة.

ومنذ البداية، يكشف عنوان المقال ذاته: “المغرب يلعب على كل الحبال بينما تدمر أوروبا نفسها” عن مقاربة مثيرة للجدل تشكك في نزاهة ومصداقية تحليل  تشامورو، ذلك أن  عبارة “يلعب على كل الحبال”، توحي بالانتهازية أو الازدواجية أو غياب الوفاء، في حين يمكن وصف السلوك نفسه، بموضوعية أكبر، بأنه سياسة تنويع الشراكات وتوسيع علاقات التعاون، الأمر الذي يعبر عنه دائما المسؤولون المغاربة.

إن الاختلاف في اختيار المفردات ليس أمراً ثانوياً؛ فالدولة ذات السيادة التي تقيم علاقات متزامنة مع أوروبا والولايات المتحدة والصين وروسيا وشركاء آخرين، يمكن تحليل وضعها وفق مفاهيم مثل التنويع الاستراتيجي، أو تعدد مسارات التحالفات في العلاقات الدولية،غير أن صاحب المقال يختار، على النقيض من ذلك، مفردات تحوّل هذه الاستراتيجية إلى سلوك مريب، يهدد مصالح إسبانيا وأروبا على حد سواء.

ومن الملاحظ أن تشامورو يركز في مقاله على الطماطم والحمضيات والمنافسة المغربية وصعوبات الفلاحين والمزارعين الأوروبيين، ويمكن أن يكون الأمر مقبولا من حيث المنطلق، غير أن الإشكال المنهجي يكمن في تصوير القدرة التنافسية للفلاحة المغربية باعتبارها تهديداً لأوروبا ولمصالح إسبانيا في المقام الأول، دون إيلاء قدر مماثل من الاهتمام بالعوامل المفسرة لهذه التنافسية، مثل الاستثمارات، والظروف المناخية، وتنظيم سلاسل الإنتاج، والبنية التحتية اللوجستية، والاندماج في الأسواق الدولية.

وهكذا، يتعمد تشامورو استبعاد كل من المستهلك الأوروبي، والمستوردين، والشركات الأوروبية العاملة في المملكة المغربية، وفرص العمل الناشئة عن التبادل التجاري، من سياق التحليل؛ مما يختزل ظاهرة الاعتماد المتبادل الاقتصادي المعقدة في مواجهة مبسطة بين المنتجين الأوروبيين (الفلاحين) والمملكة المغربية، وهو ما يجعل التحليل سطحيا  ومتحيزا، يرتكز على العواطف ويغفل المعطيات الميدانية.

والواقع أن إحدى مظاهر التحيز لدى تشامورو، تتمثل في تصوير المملكة على أنها المستفيد، بشكل أحادي الجانب، من العلاقة مع أوروبا؛ في حين أن الاعتماد التجاري المتبادل يسير في كلا الاتجاهين. فالمغرب يستفيد من إمكانية الوصول إلى السوق الأوروبية، لكن أوروبا تستفيد أيضاً من القرب الجغرافي للمملكة، ومن سلاسل القيمة الصناعية فيها، وبنيتها التحتية اللوجستية، ودورها المتنامي كبوابة نحو أفريقيا. ولذلك، كان من الممكن أن يكتسب المقال شيئاً من الرصانة لو طرح سؤالاً متكافئاً: ما هي المزايا التي يجنيها الاتحاد الأوروبي نفسه من شراكته مع المغرب؟

ويذهب تشامورو بعيدا في تحليله التبسيطي، حيث يسلط الضوء على علاقات المغرب مع كل من موسكو وبكين، وذلك بهدف ترسيخ فكرة أن المملكة “تلعب على كل الحبال”.وهي سردية انتقادية تحاول ترسيخ العداء ضد المملكة المغربية. غير أن وجود علاقات تجارية أو دبلوماسية مع قوى ودول متعددة لا يعني بالضرورة اصطفافاً جيوسياسياً مع هذا الطرف أو ذاك؛ إذ يُعد تنويع الشركاء ممارسةً شائعةً لدى الدول التي تسعى إلى الحد من نقاط ضعفها وتحسين قدرتها التنافسية. وإسبانيا نفسها ترتبط بعلاقات تجارية ودبلوماسية مع أكثر من 180 دولة وجهة عبر العالم منها الصين والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فلماذا لا يعتبرها تشامورو “تلعب على كل الحبال” وهي تهدد مصالح المملكة المغربية؟ انطلاقا مما سبق يظهر أن النائب الإسباني  يتعمد الخلط بين التعاون الاقتصادي، والشراكات والعلاقات الدبلوماسية، والاصطفاف الاستراتيجي.

والواقع أن المشكلة الرئيسية في مقال تشامورو لا تكمن، بالضرورة، في وجود أخطاء مادية  في التقدير والتحليل، بل في طريقته الانتقائية الانتهازية المعتمدة في تأطيره للأمور وتحليله للمعطيات. إنه ينظر إلى نجاحات المغرب على أنها نتاج لنقاط الضعف الأوروبية، بينما ينظر إلى الصعوبات الأوروبية، في المقابل، على أنها نتيجة لسلوك مغربي يُفترض أنه انتهازي.

إن هذا الطرح المتهافت يُفضي إلى وجود علاقة سببية مثيرة للجدل: فإذا ما واجهت أوروبا صعوبات، فإن السبب لا يعود في المقام الأول إلى خياراتها الهيكلية الذاتية، بل إلى استغلال المغرب لهذا الوضع لصالحه. غير أن التحليل الجيوسياسي الأكثر رصانة ينبغي أن يتناول، في آن واحد، الاستراتيجيات المغربية والتحولات الداخلية التي تشهدها أوروبا.

وكخلاصة يمكن القول إن الثغرة الرئيسية في مقال ريكاردو تشامورو، تكمن  في  الخلط بين التحليل الجيوسياسي والدفاع عن مصالح سياسية وقطاعية. لقد كان من الممكن أن يكتسب هذا المقال مصداقية أكبر لو أنه ميّز، بوضوح، بين الوقائع، والمصالح الإسبانية، والمصالح الأوروبية، والمصالح المغربية. ويكشف هذا المقال، في الواقع، عن هواجس وتخوفات غير مبررة، لدى شريحة كبيرة من المشهد السياسي الإسباني إزاء الصعود الاقتصادي والجيوسياسي للمملكة المغربية. وهذا

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات