توفي إدغار موران، أحد أبرز الشخصيات الفكرية في فرنسا، يوم الجمعة 29 ماي 2026 عن عمر ناهز 104 أعوام.
وذكرت وكالة فرانس برس، أنها علمت يوم السبت 30 ماي 2026 ، من زوجته، أن عالم الاجتماع والفيلسوف إدغار موران، أحد أبرز الشخصيات الفكرية في فرنسا، قد توفي يوم الجمعة عن عمر ناهز 104 أعوام.
وُلد مورين، واسمه الأصلي إدغار ناحوم، في 8 يوليوز 1921 في باريس، لأبوين يهوديين هاجرا من اليونان. لطالما رفض أن تُعرّفه هويته اليهودية، مُصرًا على أنه أيضًا “فرنسي، متوسطي، ومواطن عالمي”.
و أفادت الوكالة أن موران، ذو ميول يسارية، عرف بغزارة الكتابة والتأليف حيث صدرت له مجموعة واسعة ومتنوعة من الأعمال الفكرية، اشتهرت خارج فرنسا، والتي خالفت علم الاجتماع التقليدي، وقدمت نفسها كتأمل في الطبيعة البشرية استنادًا إلى بيانات علمية.
وقالت زوجته، صباح أبو سلام موران، في بيان أرسلته إلى وكالة فرانس برس: “حتى أيامه الأخيرة، ظل إدغار موران منتبهًا للعالم وللآخرين وللقضايا الإنسانية الكبرى التي غذّت فكره”.
وأضافت : “اليوم، الفراغ الذي تركه هائل”. وأضافت: “لكن شجاعته، وولاءه للناس والأفكار، والتزامه الأخلاقي، وأمله، ما زالت تُنير دربنا”. فعلى الرغم من تقدمه في السن، ظل إدغار موران شخصية بارزة ومؤثرة في النقاش الفكري. وتُسلط تأملاته حول الطبيعة المتغيرة لأنماط حياتنا، مع تسارع وتيرة العولمة، الضوء على الكثير مما يُميز عصرنا.
لقد حاز إدغار على شهادات دكتوراه فخرية من 38 جامعة أجنبية، وألّف نحو أربعين كتابًا، تُرجم العديد منها. تمثّلت أصالة هذا المفكر، الذي كان يرى نفسه “جامعًا للمعرفة”، في رفضه لتجزئة المعرفة، وتبنّيه رؤية ثقافية وعلمية متعددة التخصصات. وبصفته مؤرخًا وفيلسوفًا وعالمًا في آنٍ واحد، سعى إلى هدم الحدود بين التخصصات.
في المجلد الخامس من موسوعته الضخمة المكونة من ستة مجلدات، “المنهج”، كتب إدغار : “كلما ازداد علمنا بالإنسانية، قلّ فهمنا لها. إنّ الانفصال بين التخصصات يُجزّئها، ويُفرغها من الحياة والجوهر والتعقيد، بل إنّ بعض العلوم التي تُعتبر إنسانية تُفرغ مفهوم الإنسانية نفسه من مضمونه”.
في عام 1941، وهو في العاشرة من عمره، فقد والدته الحبيبة؛ وهو حدثٌ مفجع حاولت عائلته إخفاءه عنه لأسابيع، ووصفه بعد عقود بأنه “هيروشيما الشخصية”.
لجأ إلى دراسته، ثم إلى النشاط اليساري، وانضم إلى الحزب الشيوعي.
بعد أن دعا في البداية إلى المقاومة السلمية ضد النازيين – وهو أحد خطأين كبيرين في التقدير اعترف بهما لاحقًا، إلى جانب دعمه الأولي، بعد الحرب، للزعيم السوفيتي جوزيف ستالين – انضم إلى المقاومة تحت اسم مستعار هو إدغار موران. تخرج في التاريخ والجغرافيا والقانون، وأدار الدعاية للحكومة العسكرية الفرنسية في ألمانيا ما بعد الحرب، ثم عمل صحفيًا قبل انضمامه إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS).
بصفته مفكراً حراً، أثار غضب زملائه الشيوعيين لكتابته في صحيفة تُعتبر موالية لأمريكا. بعد طرده من الحزب، نما لدى مورين شك عميق في التلقين، عبّر عنه في كتابه “النقد الذاتي”، مؤكداً على ضرورة التشكيك المستمر في قناعات المرء.
لاقت تحليلاته لمواضيع متنوعة، من بينها معاداة السامية التي غذّت شائعات جامحة عن اختطاف زبائن يهود من متاجر الملابس في أورليان في ستينيات القرن الماضي – حتى أن مورين ألّف كتاباً عن هذه الهستيريا الجماعية – والعولمة، صدىً واسعاً لدى جمهور كبير. انضمّ مجدداً إلى الحزب الشيوعي ودخل المقاومة تحت اسم مورين المستعار. ترك انطباعاً قوياً بنشره كتاب “النقد الذاتي” عام 1959، الذي يروي فيه طرده من الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي كان أحد أبرز شخصياته، وتجاهله التام للستالينية. في ذلك الوقت، كان أيضاً أحد مؤسسي لجنة المثقفين المناهضة للحرب الجزائرية.
عُرِفَ، في الخارج، بأنه مبتكر “سينما الحقيقة” بفضل فيلمه الوثائقي “يوميات صيف” الذي أنتجه عام 1961 بالتعاون مع المخرج جان روش، والذي يرصد الحياة اليومية لشباب باريسيين عاديين.
وقد أحدثت النقاشات العفوية حول الطبقة الاجتماعية والعرق والاستعمار وغيرها من المواضيع المهمة، والتي انطلقت من سؤال بسيط: “هل أنت سعيد؟”، ثورة في عالم الأفلام الوثائقية. ووصفته مجلة نيويوركر في عام 2013 بأنه “واحد من أعظم الأفلام الوثائقية وأكثرها جرأة وأصالة على الإطلاق”.
بالنسبة للفرنسيين، كان موران قبل كل شيء مرشدًا فكريًا طور منهجًا شموليًا ومتعدد التخصصات لمعالجة القضايا الرئيسية في عصرنا.
في لقائه مع قناة TV5 Monde عام 2020، أوضح موران أن الأسئلة التالية: “ما معنى أن تكون إنسانًا؟ ما هي العولمة؟ ما هي الحياة؟ تدفعنا إلى ربط المعرفة المتناثرة حاليًا عبر مختلف مجالات البحث”.
وبعد بلوغه المئة عام، استمر إدغار في التعليق على الأحداث الجارية، مشاركًا تأملاته مع 220 ألف متابع له على منصة X، ولا سيما تعليقه على موجة الحر عام 2022، حين كتب: “باريس، الساعة السادسة مساءً، 40 درجة مئوية: عاصفة طال انتظارها!”، وتعليقه على الحرب في أوكرانيا، حين كتب: “الحرب درس في الكراهية”.
“أفق المغرب”










