أجرت الحوار مبعوثة الوكالة: كوثر قبوش) ومع
استعرض مدير مهرجان مكناس للدراما التلفزية، محمود بلحسن، في حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء، حصيلة التظاهرة الفنية ودورها في النهوض بالدراما الوطنية على مدى أربع عشرة دورة. وقد ركز بلحسن في حديثه على المحورية التي يكتسيها السيناريو، مشددا في الوقت ذاته على أهمية إبراز تعددية الثقافة المغربية وتنوع روافد هويتها.
1 – ما حصيلة المهرجان اليوم وكيف يتموقع ضمن خارطة المهرجانات الوطنية؟
تمكن المهرجان، على مدى أربع عشرة دورة، من مراكمة تجربة غنية ليس من السهل تحقيقها، شأنها في ذلك شأن استمراريته التي تجسدت بفضل العمل الدؤوب لفريق الإدارة. ويشكل هذا المهرجان المحطة الوطنية الوحيدة تجمع المهنيين وصناع الدراما لتبادل الرؤى وتطوير مشاريع فنية جديدة.
وقد نجح المهرجان في اكتساب ثقة المهنيين والفنانين، إلى جانب القنوات التلفزية باعتبارها المنتج الفعلي للدراما؛ وهي ثقة نابعة من كون فريق العمل ينتمي إلى ذات العائلة الفنية ويسعى جاهدا لإنجاح هذا الحدث.
وبصفتي ممثلا وخريجا للمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، رفقة زملائي سعيد أيت باجا وفاطمة بوجو اللذين ينتميان بدورهما للميدان، فإن الطاقم المشرف على المهرجان يظل ابنا لهذا الحقل الفني وليس غريبا عنه.
2- بين الدورة الأولى واليوم؛ ما الذي تغير في خارطة الدراما المغربية ؟
هناك تطور كبير، فمنذ الدورة الأولى وصولا إلى الدورة الـ 15، خطونا خطوات واسعة في مجال الدراما التلفزية، وهذا أمر يشهد به الجمهور، والفنانون، والمتتبعون، والإعلاميون، وكذلك المسؤولون في التلفزيون. فبالعودة بالذاكرة إلى الدورة الأولى، لم نكن نجد أعمالا كافية للمشاركة في المسابقة، حيث كنا نقتصر على ستة أو سبعة أعمال فقط، بينما وصلنا اليوم إلى أزيد من 20 عملا، وهذا ليس بالأمر الهين، سواء من حيث كم الإنتاج أو كيفه.
من جهة أخرى، أضحت الدراما الوطنية اليوم قادرة على المنافسة، وباتت تتابع في دول عديدة، سواء في دول الجوار أو في منطقة الخليج؛ ويتجسد هذا الأثر في توافد جمهور الدراما الخليجي على التظاهرة وحديثهم بالدارجة المغربية بطلاقة، كونهم يشاهدون أعمالنا ويعرفون الممثلين المغاربة حق المعرفة. وبناء عليه، فإن الدراما التلفزيونية المغربية قد قطعت أشواطا هامة، وما يزال أمامها مستقبل واعد. والجميل في الأمر هو انفتاح المسؤولين في التلفزيون، بصفتهم شركاءنا في المهرجان، على هذه النقاشات الجادة والمجدية والإيجابية الرامية إلى تطوير الدراما. والأكيد أن انخراط المهنيين والمشتغلين في هذا الميدان يعزز تحقيق الفائدة المرجوة.
3- كيف يساهم المهرجان في الارتقاء بجودة الدراما الوطنية؟
يساهم المهرجان في تطوير الدراما التلفزية من خلال خلق روح المنافسة بين صناع الدراما، حيث تشكل لجان تحكيم ويتم تنظيم مسابقة رسمية يسعى الجميع من خلالها للظفر بجائزة وتتويج داخل المهرجان. وتكمن أهمية هذه الجوائز في حرص المهرجان على حسن انتقاء اللجان، التي تضم نخبة من المهنيين، والمتتبعين، والإعلاميين، والفنانين، والممثلين، والمخرجين، وكتاب السيناريو، وهي تشكيلة متنوعة تمنح الجوائز مصداقية كبيرة.
هذا في ما يخص المسابقة الرسمية، أما من جانب آخر، فيشمل المهرجان تنظيم ندوات فكرية، إذ نشهد كل سنة ندوة متخصصة، تماما كما حدث في الدورة الماضية التي عرفت تنظيم ندوة كبرى و”ماستر كلاس” حول الإنتاج الدرامي الوطني وسبل تجويده. أما هذه السنة فتعرف تنظيم ماستر كلاس وورشة كتابة السيناريو، من تأطير السيناريست عبد الإله الحمدوشي.
4- إلى أي حد يضع المهرجان نصب عينيه معالجة “إشكالية السيناريو” في الدراما الوطنية؟
في الواقع، تظل كتابة السيناريو معضلة كبرى، فالسيناريو هو النواة والمنطلق لأي عمل درامي، ومنه تبدأ العملية الإنتاجية برمتها. إن كتابة السيناريو هي تقنية في المقام الأول، وبجانب هذه التقنية يأتي عنصر القصة، أي ماذا نحكي؟ وما هي المواضيع التي يتم اختيارها لإنتاج عمل فني درامي متميز؟ وبناء عليه، فقد وضعنا الأصبع على هذا التحدي منذ دورات سابقة، وبدأنا نركز على ورشات السيناريو والإقامات الفنية الخاصة به. ونحن ماضون في هذا النهج خلال الدورة الحالية عبر تنظيم ورشة عمل و”ماستر كلاس” حول كتابة السيناريو، بهدف تحفيز الشباب والمهتمين لدخول هذا المجال، رغبة منا في إثراء المواضيع وتطوير طرق تناولها بأساليب مختلفة.
إن التركيز على السيناريو سيظل أولوية قصوى ولن نتوقف عن ذلك، بل سنستمر حتى نكرس تقليدا دائما داخل المهرجان، متمثلا في “الإقامة الفنية” التي تكتب فيها أعمال وتجد طريقها للعرض على شاشة التلفزيون، وهذا هو حلمنا الذي نسعى لتحقيقه.
5- ما تجليات تكريس التعددية الثقافية واللغوية في اختيارات المهرجان ؟
يحرص المهرجان في دورته الحالية على تجسيد التعددية الثقافية واللغوية التي تميز الهوية المغربية الغنية، فالمغرب بلد يزخر بتنوعه الثقافي، وقد قطعت الدراما الأمازيغية في هذا السياق خطوات كبيرة وملموسة. فبعد أن كنا في السابق نجد صعوبة في العثور على عمل أمازيغي واحد، أصبحنا اليوم أمام وفرة في الإنتاجات كما وكيفا، مما يتيح لنا انتقاء الأجود منها للمنافسة في المسابقة الرسمية، كما هو الحال مع فيلم “تيدوكلا تقديمين” للمخرج عبد الرزاق الزيتوني، ومسلسل “كريمة ديستيس” ومسلسلات وأفلام أخرى. ويبرز هذا الحرص ليس فقط في حضور اللغة الأمازيغية، بل في تمثيل تنوع روافدها من الريف، والأطلس، وسوس. وفي ذات السياق، يولي المهرجان أهمية بالغة أيضا للرافد الحساني، نظرا لما تحمله الثقافة الحسانية من زخم شعري وفني هائل لم يكتشف بالكامل بعد. وهنا يأتي دور الدراما كجسر معرفي يقربنا من هذه الثقافة الغنية. ومن خلال تجاربي الشخصية في تأطير ورشات مسرحية وإشرافي على تدريب الشباب في مناطق الداخلة والعيون وكلميم، لمست عن قرب شغفا استثنائيا بالشعر الحساني والجلسات الأدبية الراقية. إن حضور الدراما التلفزيونية الحسانية في المهرجان يكرس دور التلفزيون في التقريب بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، وهو ما يعزز التلاحم الوطني.










