عبدالفتاح الصادقي *
يعد باسكال بونيفاس أحد الخبراء الاستراتيجيين الفرنسيين البارزين، وهو مؤسس ومدير معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية. وقد أصدر العديد من الكتب والمؤلفات التي تعتبر مراجع ذات أهمية بالغة للباحثين. ويتميز في تحليلاته للعلاقات الدولية بمنهجية تجريبية ونقدية تهدف إلى تفكيك المفاهيم الخاطئة.
ويُعطي بونيفاس الأولوية للتحليل القائم على بيانات قابلة للتحقق، مع التأكيد على تعقيد الظواهر الجيوسياسية وتعدد وجهات النظر، ويرفض التفسيرات الثنائية، ويُسلط الضوء على التفاعلات بين العوامل التاريخية والسياسية والثقافية. ويرتكز نهجه على التصورات الدولية، مع رغبة تعليمية في جعل الجغرافيا السياسية في متناول الجميع دون التضحية بالدقة التحليلية .وتتجلى هذه النقطة بوضوح في كتاب “خمسون مفهومًا خاطئًا حول وضع العالم“، حيث يُفكك باسكال بونيفاس التبسيطات السائدة، وينتقد التفكير الثنائي، ويبتعد عن التصورات الجاهزة والأفكار المسبقة، ويُروج لمنظور دقيق قائم على البيانات، يُراعي تعقيد الحقائق الدولية.
ويمكن القول، دون مبالغة، إن كتاب “خمسون مفهومًا خاطئًا حول وضع العالم” يُمهِّد الطريق لمشروع فكري طموح: تفكيك التبسيطات التي تُهيمن على الفهم المعاصر للعلاقات الدولية. ينطلق المؤلف من ملاحظة مركزية تتمثل في كون الجغرافيا السياسية لم تعد حكرًا على الخبراء، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للمواطنين في عالم تستبد به العولمة، حيث يُمثِّل هذا التوسع في المعرفة الجيوسياسية تقدمًا وخطرًا كبيرًا في آنٍ واحد.
وتبرز إحدى أهم إسهامات الخبير الإستراتيجي بونيفاس في هذا الكتاب، إدانة التفكير الثنائي، وذلك اعتمادا على ما يمكن تسميته بالنقد المنظم للتبسيط الجيوسياسي، حيث ينتقد المؤلف صراحةً الأطر التحليلية التي تُعارض بين “الخير/الشر”، و”الأصدقاء/الأعداء”، و”نحن/هم”. يندرج هذا النقد ضمن تراث فكري قريب من المناهج النقدية للعلاقات الدولية، والتي تقوم على مبدأ العلاقات الدولية التي ترفض تبسيط العالم إلى ثنائيات أخلاقية أو حضارية..
ويؤكد المؤلف أن هذا التبسيط يبرز بشكل خاص خلال فترات الصراع، حيث “تكون الحقيقة أول ضحاياه، ثم التفاصيل الدقيقة”. وتُسلِّط هذه العبارة القوية الضوء على فكرة جوهرية مفادها أن الجغرافيا السياسية مجالٌ يرتبط فيه إنتاج المعرفة، ارتباطًا وثيقًا، بعلاقات القوة والسياقات السياسية.
ولاشك أن هذا النهج، يشكل على مستوى التحليل، موقفًا معرفيًا هامًا: فالمعرفة الجيوسياسية ليست محايدة. ويتجاوز هذا المدخل مجرد نقدٍ للعامة، مع التأكيد على أن الأفكار السائدة لا تقتصر على غير المتخصصين، بل تتغلغل أيضًا في الأوساط المهنية: القادة السياسيون، والدبلوماسيون، والباحثون، والصحفيون.
ويبدو أن هذه الفكرة تعتبر محورية ومثمرة للغاية، إذ تُتيح للباحثين توجيه التحليل نحو ما يسمى “علم اجتماع المعرفة الجيوسياسية”، حيث الأفكار المتداولة ليست مجرد أخطاء، إنها نتاج اجتماعي، تتعزز بآليات مثل “انحياز التأكيد”. وبذلك يُسلِّط المُؤَلِّف الضوء على ظاهرة “الانغلاق الفكري الجماعي”، حيث يُعيد الأفراد إنتاج التصورات السائدة دون التشكيك فيها.ومن الملاحظ أن هذا التحليل يشبه ضمنيًا أعمال بيير بورديو حول إعادة إنتاج أنماط التفكير في المجالات الاجتماعية.
ويذهب بونيفاس إلى التمييز بين الأفكار المتداولة والأخبار الكاذبة، ويعتبر الفارق جوهريا بينها، حيث تكمن المساهمة المهمة الأخرى لهذا الكتاب في التمييز بين:
1 – الأفكار المتداولة (أخطاء تُنشر بحسن نية)
2 – الأخبار الكاذبة (معلومات مضللة يتم ترويجها بشكل متعمد)
ويُساعد هذا التمييز، من منظور بونيفاس، على تجنب الالتباس الشائع في النقاش العام. فهو يُؤكد أن الخطأ قد يحدث دون نية الخداع، مما يجعل دحض الأفكار المتداولة أكثر صعوبة.
مع ذلك، يمكن انتقاد هذا التمييز. ففي الواقع، غالبًا ما يكون الخط الفاصل بين الخطأ الحقيقي والتلاعب الاستراتيجي غير واضح، لا سيما في السياقات الجيوسياسية، حيث تُوظَّف المعلومات لأغراض سياسية، في إطار الصراع بين المتخاصمين والتنافس بين المتنافسين. ومن الواضح أن التحليل على هذا المستوى، يستفيد من دمج أكبر لديناميات القوة والدعاية في تداول الأفكار.
ويلاحظ أن هناك نقدا دقيقا لوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث يتبنى المؤلف موقفًا متوازنًا برفضه للثنائية التبسيطية بين:
1 – وسائل الإعلام التقليدية ( التي من المفترض موثوقة)
2 – شبكات التواصل الاجتماعي (التي من المفترض أنها مصادر للتضليل)
وفي هذا السياق يؤكد المؤلف أن الأخطاء والتلاعب موجودة في جميع فضاءات المعلومات. ويعتبر هذا النهج ذا أهمية خاصة في ظل تزايد انعدام الثقة بوسائل الإعلام.
مع ذلك، يمكن للقارئ أن يشكك في هذا النهج المتوازن، فمن خلال الإصرار على وضع أنواع المصادر المختلفة على نفس المستوى، يُخاطر المؤلف بتقليل الفروقات البنيوية فيما يتعلق بالجوانب التالية:
- المسؤولية التحريرية
- آليات التحقق
- التنظيم المؤسساتي
انطلاقا من ذلك، يظهر أن ثمة توتر بين الرغبة في الدقة والتفاصيل وخطر النسبية المعلوماتية.
إن مقدمة كتاب”خمسون مفهومًا خاطئًا حول وضع العالم ” تُقدم بوضوح منهج الكاتب: البدء بحقيقة “بديهية” للكشف عن “جانبها الخفي”. هذه الطريقة فعالة تعليميًا لأنها تسمح بالتفكيك التدريجي للمسلمات. ومع ذلك، يتضح أن الكتاب لا يمثل “إطارا نظريا شاملا” للبحث ، فهو أقرب إلى تبسيط نقدي منه إلى تطوير مفاهيمي منظم. وقد يَحُدُّ هذا النقص من قدرة الكتاب على التفسير.
ومهما قيل، فإن المؤلف يتميز بنظرة متفائلة، نسبيا، لمهارات التفكير النقدي لدى الجمهور من خلال استعداده لتجاوز الأفكار المسبقة، حيث تُبرز هذه النظرة قدرة الأفراد على تنمية التفكير النقدي.
ويتبين من القراءة المتأنية لهذا الكتاب أنه يُقدّم نفسه ليس كنظرية في الجيوسياسة، بقدر ما هو “أداة نقدية لتفكيك الحقائق المُسلّم بها”، وتكمن قيمته الأساسية في قدرته على إثارة الشكوك وتشجيع قراءة أكثر تأملًا للعالم المعاصر.
وكخلاصة يُقدّم كتاب “خمسون مفهومًا خاطئًا حول وضع العالم” نقطة انطلاق متينة للتفكير النقدي في إنتاج المعرفة الجيوسياسية وتداولها. ويُسلّط الضوء على مخاطر التبسيط المفرط، ودور التحيزات المعرفية، والحاجة إلى منهج دقيق في التعامل مع القضايا الدولية. مع ذلك، لا يزال هذا المنهج يعاني من بعض النقائص، كما هو الشأن بالنسبة للتقليل من شأن علاقات القوة في إنتاج المعلومات، والميل نحو النسبية المعلوماتية، وغياب إطار نظري شامل.
*إعلامي وباحث في القانون العام والعلوم السياسية









