خارج الإطار: حين تسبق القطارات زمنها ويتأخر الإنسان

خارج الإطار: حين تسبق القطارات زمنها ويتأخر الإنسان

هشام المنزهي

في الوقت الذي تواصل فيه المكتب الوطني للسكك الحديدية عرض إنجازاته الكبرى، وترويج صورة شبكة حديدية حديثة تواكب طموحات البلاد، يعيش المسافر المغربي يومياً تجربة مختلفة تماماً داخل المحطات: انتظارات مرهقة، ونظام خدماتي لا يعكس حجم الاستثمارات التي ضُخّت في القطاع.

لم يعد مشهد الصفوف الممتدة أمام شبابيك التذاكر مجرد حالة موسمية أو ظرفية. بل تحوّل إلى واقع شبه دائم، خصوصاً في المحطات الكبرى. يقف المسافر عشرات الدقائق، وأحياناً أكثر من ساعة، فقط ليحصل على تذكرة. زمن الانتظار هنا لا يُقاس بالدقائق، بل بمشاعر الإحباط والتوتر، وبالإحساس بأن المنظومة ما زالت عاجزة عن تحويل التحديث التقني إلى تجربة إنسانية محترمة.

المفارقة أن هذا التعثر يحدث في وقت تتسارع فيه المشاريع الطموحة، مثل توسيع شبكة القطار فائق السرعة بعد تجربة البراق، والتخطيط لربط مدن جديدة ضمن محور يمتد من القنيطرة إلى مراكش. هذه المشاريع تعكس رؤية استراتيجية واضحة لتحديث البنية التحتية وتعزيز الربط الاقتصادي والسياحي. غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحاً: ما قيمة السرعة الهندسية إذا ظل الأداء البشري بطيئاً ؟

الأزمة، في جوهرها، ليست أزمة سكك أو عربات، بل أزمة حكامة وخدمة. فالتحول الرقمي في بيع التذاكر ما زال محدود الأثر، والتنظيم داخل المحطات يعاني من ضعف في التوجيه والتواصل، كما أن عدد الشبابيك المفتوحة لا يواكب كثافة الطلب في ساعات الذروة. والنتيجة أن المواطن يشعر بأن المؤسسة تركّز على صورة المشاريع الكبرى أكثر مما تهتم بجودة التجربة اليومية للمسافر.

إن استمرار هذا الوضع  يفرض نقاشاً مؤسساتياً أعمق حول نموذج تدبير القطاع. فإما أن يتم تعزيز استقلالية المؤسسة وتحويلها إلى شركة عمومية ذات حكامة مرنة ومساءلة صارمة، أو التفكير في تحرير جزئي للسوق يسمح بدخول فاعلين جدد يخلقون منافسة تدفع نحو تحسين الخدمة. فالمسافر يعنيه، بالدرجة الأولى، أن يجد خدمة سريعة، وجيدة، ومحترمة لوقته.

إن تحديث السكك الحديدية لا يُقاس فقط بالكيلومترات المعبدة ولا بسرعة القطارات، بل بسرعة الاستجابة لاحتياجات الناس. فالدولة التي تسابق الزمن في مشاريعها الكبرى، مطالبة أيضاً بأن تحترم زمن مواطنيها في التفاصيل الصغيرة. لأن الحداثة الحقيقية لا تبدأ من القضبان بل من كرامة المسافر.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات