بين الحرب والفكرة: تفكيك بنية العنف الإيديولوجي.. إيران نموذجا

بين الحرب والفكرة: تفكيك بنية العنف الإيديولوجي.. إيران نموذجا

ابتهال عبدالوهاب ☆

الحروب ليست طارئا على التاريخ، بل هي ظله الثقيل الذي يسير معه منذ فجر الانسانية. لكنها، مهما تقادمت، لا تصبح طبيعية ولا تفقد قسوتها. فكل حرب، مهما اختلفت شعاراتها، تبدأ بوعد زائف بالخلاص وتنتهي بحصاد من الفقد والخراب.. الحرب أيضا امتحان اخلاقي عظيم: تكشف هشاشة الشعارات حين تصطدم بالدم، وتفضح زيف الخطابات حين تعجز عن تبرير دمعة أم أو صرخة طفل. وكلما طالت، ازداد السؤال الحارق وضوحا: هل كان يمكن للعقل أن يجد طريقا آخر غير النار؟

وفي زمن تتقدم فيه الصواريخ على الكلمات، وتعلو فيه أصوات المدافع فوق صوت الضمير، نجد أنفسنا أمام مشهد يعيد طرح السؤال الفلسفي الأقدم:

هل المشكلة في الأشخاص… أم في الأفكار التي  تنتجهم ؟

والحروب لا تبدأ بالصواريخ، بل بالأفكار.

لا تولد في الميدان، بل في الذهن؛ هناك حيث تتحول الإيديولوجيا إلى يقين مغلق، ويتحول اليقين الى تفويض الهي بالهيمنة. وحين تشتعل النيران في السماء، يكون الحريق قد اشتعل منذ زمن طويل في العقول.

ما نشهده اليوم من تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعه من هجمات إيرانية على دول الخليج، ليس حادثا عابرا في سجل التوترات الدولية؛ بل هو ذروة مسار طويل من إدارة المنطقة بعقيدة الاشتباك الدائم.

صواريخ تعبر السماء، وأنظمة دفاع تعترضها، وبيانات تتوالى… لكن السؤال الفلسفي يظل معلقا: من الذي يدفع الثمن حقا؟ الشعوب دائما، أم الإيديولوجيات؟

أنا ضد إيران كنظام سياسي لا كحضارة ولا كشعب.

ضد بنية حكم صاغت مشروعها على أساس تصدير الثورة، وتغذية الفوضى، وإدارة المجال الإقليمي بعقيدة السلاح والميليشيا لا بعقل الدولة.

المشكلة لم تكن يوما في شخص، حتى لو كان رأس النظام ذاته؛ فسقوط المرشد خامنئي، وبعض القيادات الإيرانية لا يعني سقوط الفكرة، ولا انتهاء المشروع. لأن الخلل أعمق من فرد، إنه خلل في البنية التي صنعت القمع في الداخل، وصدرت التوتر اإلى الخارج.

لقد علمنا مونتسكيو أن السلطة إذا لم تقيد أفسدت، وأن تركيزها في يد واحدة يهدد الحرية. لكن ماذا يحدث حين تضاعف السلطة بقداسة دينية؟

يحدث ما حذر منه كارل بوبر حين تحدث عن المجتمع المغلق؛ مجتمع يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ويقصي كل نقد باعتباره خيانة. في هذا المناخ، لا يعود المعارض خصما سياسيا، بل خصما للعقيدة.

الحكم الديني حين يحتكر السماء ليحكم الأرض، يحول السياسة إلى معركة خلاص أبدية.

تصبح الدولة مشروعا عقائديا لا كيانا قانونيا.

ويتحول المواطن إلى اداة تعبئة لا الى شريك في القرار.

إن جوهر الإشكال في التجربة الإيرانية ليس التدين، بل تسييس المقدس. ليس الإيمان، بل توظيفه كآلية  شرعنة للقمع والتوسع.

وهنا يتجلى ما أشارت إليه حنا أرندت حين ربطت بين الإيديولوجيا الشمولية وفكرة الحركة الدائمة؛ فالأنظمة العقائدية تحتاج دائما الى صراع خارجي لتبرير قبضتها الداخلية.

السلام يضعفها، لأنها تعيش على خطاب الطوارئ.

من هنا نفهم أن المرحلة القادمة أخطر من لحظة القصف نفسها.

فالفراغ السياسي، إن حدث، لن يملأ تلقائيا بعقل الدولة، بل قد تملؤه شبكات النفوذ، والاقتصادات الموازية، والميليشيات التي نشأت في ظل المشروع ذاته.

الفراغ لا يبقى فراغا؛ إنه يستدعي من يسكنه.

وإذا لم تتقدم دولة القانون، تقدمت دولة السلاح.

لقد كتب ابن خلدون أن العصبية إذا تحولت إلى أداة حكم دون ضابط أخلاقي أو مؤسسي، انتهت إلى الخراب. وما نراه اليوم هو عصبيات مذهبية وسياسية تتجاوز الحدود، وتعيد رسم الخريطة بالولاء لا بالمواطنة.

الدولة الحديثة تبنى على عقد اجتماعي، لا على رابطة عقائدية مسلحة.

أنا ضد هذا النموذج، لأنه يعيد إنتاج الاستبداد باسم التحرر، ويبرر التدخل باسم المقاومة، ويحول المنطقة إلى مسرح دائم للتوتر.

وضد كل خطاب يصفق للصواريخ لأنها رسالة، متناسيا أن الرسائل التي تكتب بالدم لا تقرأ إلا في كتب الماسي.

إن الجهل هنا ليس أمية معرفية، بل تعطيل للعقل النقدي.

هو أن نحتفل بالرد دون أن نسال عن الثمن،

أن نرفع الشعارات دون أن نحصي الموتي،

أن نختزل الإنسان في موقعه الجغرافي أو مذهبه.

قال ايمانويل كانط إن السلام الدائم لا يقوم إلا على جمهوريات دستورية تحترم مواطنيها.

ولم يقل: على ثورات دائمة تحشدهم.

الفرق بين الدولة العقائدية والدولة المدنية هو الفرق بين مشروع اشتباك مستمر، ومشروع حياة مستقرة.

إنني أنحاز لفكرة الدولة التي تفصل بين الإيمان والسلطة، وتحمي الأول من التسييس، والثانية من التقديس.

أنحاز لدولة لا تصدر الفوضى، ولا تستورد العداء لتغذية بقائها.

أنحاز لعقل يرى في التنمية انتصارا أكبر من أي صاروخ، وفي التعليم مشروعا أعظم من أي ميليشيا.

لأن الحروب، مهما تزينت بالشعارات، تنتهي دائما إلى السؤال ذاته:

من ربح؟

ومن خسر؟

والجواب المؤلم أن الشعوب هي التي تخسر مرتين؛ مرة حين تستخدم وقودا، ومرة حين تترك في رماد ما بعد المعركة.

أنا ضد إيران بوصفها نظاما سياسيا يدار بعقل الثورة الدائمة لا بعقل الدولة.

وضد الحكم الديني حين يتحول إلى جهاز أمني يوزع صكوك الوطنية والإيمان.

وضد التطرف حين يختزل العالم في معسكرين، والإنسان في هويةٍ واحدة، والحياة في معركة.

وفي لحظة تفيض فيها السماء بشرارات النار، أجدني استدعي صوتا آخر، صوتا لا يشبه بيانات الحرب ولا خطابات التعبئة، صوت فيروز وهي تقول:

ما عاد بدنا حروب… بلا سبب نموت

بكرا يضل مخوفنا… ليش وعلى شو تقاتلنا

ما دام السما وحدة… لكل الناس!

تلك ليست كلمات أغنية؛ إنها بيان أخلاقي في وجه الجنون.

فالسماء واحدة، لكن الذين يرفعون راياتهم باسمها كثر.

والأرض واحدة، لكن الذين يقتسمونها بالدم اكثر.

لن يسقط الخراب بسقوط رأس واحد،

ولن ينتهي المشروع بتبدل اسم،

ما لم يسقط منطق الحكم الذي يرى في الحرب وسيلة بقاء،

وفي الدين أداة سلطة،

وفي الإنسان رقما في بيان عسكري.

أما نحن، فسنظل نعلنها واضحة:

لا للحرب.. لا للحكم الديني.. لا للتطرف.. ولا للجهل

لأن السماء واحدة، فعلا.

لكن الذين يتوهمون احتكارها كثيرون.

والأرض واحدة…

لكن الذين يقسمونها بخطابات الكراهية أكثر.

لن يسقط الوهم بسقوط خامنئ ،ي

ولن ينتهي المشروع بتبدل شعار،

ما لم يستبدل منطق الاشتباك بمنطق الدولة،

ومنطق التعبئة بمنطق التنمية،

ومنطق “الموت لـ…” بمنطق الحياة للجميع.

وأنا بوعي كامل أنحاز للحياة.

ولكي يكون موقفي واضحا لا لبس فيه، فإن نقدي للنظام الإيراني لا يعني اصطفافا تلقائيا مع السياسات الأمريكية. فالعقل الحر لا يتحرك بمنطق المحاور، ولا يقيس مواقفه بقاعدة عدو عدوي صديقي. لقد كنت، في غير موضع، ناقدة لكثير من السياسات الامريكية حين انحازت للمصلحة على حساب العدالة، وحين دعمت انظمة على حساب شعوب، وحين قدمت الاستراتيجية على الكرامة الانسانية. فالقوة، أيا كان موطنها، حين تنفصل عن الاخلاق تتحول إلى عبء على العالم.

إنا لا أنحاز لدولة ضد أخرى، ولا لراية في مواجهة راية، بل نحاز للإنسان بوصفه القيمة العليا التي يجب ان تعلو على الجغرافيا والسياسة والإيديولوجيا. أنحاز لحقه في الحياة الامنة، في الكرامة، في الحرية، في ان لا يكون وقودا لمشاريع كبرى تتصارع فوق راسه. موقفي ليس اختيارا بين قوتين، بل رفضا لمنطق القوة حين يدهس الانسان، أيا كان مصدره. فالعدالة لا تتجزأ، والكرامة لا تحمل جنسية، والحياة لا ينبغي ان تكون رهينة صراع امبراطوريات أو مشاريع عقائدية.

المجد للإنسان..

☆ كاتبة وباحثة من المملكة العربية السعودية 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات