جريدة “أفق المغرب”
يقدم رئيس الوزراء ووزير الخارجية الفرنسي الأسبق دومينيك دوفيلبان قراءات ومراجعات أدبية وفكرية عبر منصات التواصل الاجتماعي لبعض أمهات الكتب الفرنسية منها تلك التي قدمها للرواية الكلاسيكية “ابن العم بونس” للأديب الفرنسي الشهير أونوريه دي بلزاك، المنشورة عام 1847، حيث حاول من خلالها تشريح الواقع السياسي والاقتصادي المعاصر. وانطلاقا مما انتهى إليها السيد دوفيلبان كان من الواجب العودة إلى هذا العمل الروائي الرائع وقراءته من جديد وتحليل مضمونه بشكل يفيد القراء…
إن رواية “ابن العم بونس” تُعد عملاً جوهرياً في التصوير الواقعي والنقدي للمجتمع الباريسي في القرن التاسع عشر. ومن خلال تتبع مصير “سيلفان بونس” – وهو موسيقي متقدم في السن، متواضع الحال، وشغوف بالفنون- يسلط الروائي الضوء على تناقضات العالم البرجوازي، حيث أصبحت الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية والقيم الأخلاقية خاضعة تدريجياً للمصالح المالية. وهكذا، ومن خلف صورة شخصية تبدو للوهلة الأولى تافهة أو غير ذات شأن، يبرز تأملٌ عميق حول الجشع، والعزلة، وقيمة الأعمال الفنية، وهشاشة الأفراد في مواجهة الآليات الاجتماعية.
تكمن قوة الرواية، بشكل خاص، في ذلك التباين بين تواضع شخصية “بونس” وأهمية ما يمتلكه، وبين سخائه العاطفي ونهم المحيطين به. فبلزاك لا يكتفي بسرد قصة التلاشي التدريجي لرجلٍ طواه النسيان، بل يوجه نقداً لاذعاً لمجتمعٍ يُقيِّم الأفراد بناءً على ثرواتهم، ومدى نفعهم، وقدرتهم على خدمة مصالح خاصة.
يُقدَّم بلزاك شخصية سيلفان بونس كرجل في الستينيات من عمره، تثير هيئته البسيطة وملابسه التي عفا عليها الزمن سخرية المارة. كان بونس في السابق مؤلفاً موسيقياً مرموقاً، لكنه يعمل الآن قائداً لفرقة موسيقية في أحد مسارح باريس، ويُعزز دخله بتقديم دروس في الموسيقى. وتعكس حالته تراجع مكانة فنانٍ لم تصمد موهبته أمام تغير الأذواق والمتطلبات الجديدة في عالم الموسيقى.
ويختبئ خلف هذا المظهر المثير للسخرية شخصٌ ذو طبيعة رقيقة، يفيض بشغفٍ حقيقي بالفنون، حيث يتمتع بونس بحسٍ جمالي يدفعه إلى تقدير الروائع الفنية لذاتها، بمعزلٍ عن مدى الاعتراف الاجتماعي بها. وتضم مجموعته، التي جمعها بصبرٍ على مر السنين، لوحاتٍ فنية، وقطعاً من الخزف، ومنحوتات، وأشياء ثمينة أخرى. وهي تشكل بالنسبة له مصدراً لرضاٍ عميق، يمنحه العزاء عن خيبات الأمل المهنية والعاطفية التي طبعت مسيرة حياته.
وتتمثل إحدى أبرز سمات الرواية في تصويرها للعلاقات الاجتماعية؛ إذ يكشف بلزاك عن عالمٍ تتحول فيه الأسرة -التي ترتبط في المفهوم التقليدي بالتضامن والمودة- إلى فضاءٍ يسوده حسابُ المصالح والإقصاء.
يظن “بونس” أنه قادرٌ على التعويل على صلات القرابة التي تربطه بعائلتي “كاموسو” و”كاردو”. غير أن هذه الروابط تفقد قيمتها سريعاً بمجرد أن يصبح وجوده مزعجاً، أو حين تبدأ مطالبه بتهديد مصالح الآخرين. وحين يحاول التدخل في ترتيبات زواجٍ ما، تُحرَّف نواياه وتُفسَّر على أنها محاولةٌ للإهانة؛ فتُفضِّل الأسرةُ الحفاظَ على سمعتها بدلاً من الاعتراف بصدقِ مَن سعى لتقديم العون لها.
يكشف هذا الموقف عن الطبيعة المشروطة لأشكال التضامن في الأوساط البرجوازية؛ فما دام “بونس” مفيداً – سواء من خلال تسلية مضيفيه أو تقديم خدمات صغيرة لهم- فإنه يحتفظ بمكانةٍ في محيطهم. أما بمجرد توقفه عن تلبية انتظاراتهم، فإنه يتحول إلى فردٍ زائدٍ لا قيمة له.
وهكذا، يسلط بلزاك الضوء على نفاق وسطٍ اجتماعيٍ يكثر من المظاهر الخارجية للوقار والاحترام، بينما يتجاهل في الوقت ذاته أبسط متطلبات التقدير الإنساني. فخلف مظهر “الوقار العائلي”، يكمن منطقٌ تحركه المصالح الشخصية، والحرص على السمعة، والسعي إلى تراكم الثروة.
والواقع أن الرواية تتجاوز مجرد الصراع بين رجلٍ فاضلٍ وآخرين سيئي النوايا؛ إذ تقدم لنا نظاماً اجتماعياً يؤدي فيه الاعتماد الاقتصادي والسعي وراء المصلحة الشخصية إلى تدهور العلاقات الإنسانية.
وتُعد مجموعة “بونس” الفنية المحور الأساسي للدراما. فعلى مدى عقود، دأب هذا الموسيقي على جمع التحف الفنية، مقتنصاً الفرص السانحة ومراكماً معرفةً عميقةً بتلك الأعمال. ومع ذلك، ظل “بونس” يجهل، إلى حد كبير، القيمة المالية الحقيقية لما يمتلكه.
يخلق هذا الوضع تبايناً جوهرياً؛ فما يمثّل بالنسبة لـ “بونس” مصدراً للجمال والمتعة والمعرفة، يتحول في نظر الآخرين إلى ثروةٍ يسعون للاستحواذ عليها. وما إن تُكشف القيمة الحقيقية لهذه المجموعة، حتى تتحول العلاقات المحيطة بهذا الجامع للتحف، تدريجياً، إلى علاقات قائمة على الافتراس.
تظهر السيدة سيبو، حارسة المبنى التي تتولى شؤون الحياة اليومية للموسيقِيَّيْن، في البداية كحاميةٍ يقظةٍ ومهتمة. غير أن اكتشافها للفرص التي تتيحها هذه المجموعة الفنية يوقظ لديها طموحاتٍ شخصية. كما يتطلع كل من ريمونينك وتاجر الأعمال الفنية إيلي ماغوس إلى الاستحواذ على هذه الأعمال، في حين يستغل رجل القانون فريزييه الخصومات القائمة لخدمة مصالحه الخاصة.
وهكذا تكشف الحبكة عن عالمٍ يمكن فيه تطويع المهارات المهنية، وعلاقات الجوار، والإجراءات القانونية، لخدمة استراتيجيات الاستيلاء على ممتلكات الغير. وبذلك يتحول الفن -الذي ينبغي أن يكون شاهداً على الإبداع البشري وحافظاً للذاكرة الثقافية- إلى أداةٍ للمضاربة.
ويتمحور نقد بلزاك حول تناقض جوهري في المجتمع القائم على النزعة التجارية: ففي حين يمكن الإعجاب بالأعمال الفنية لجمالها، إلا أن قيمتها المالية ينتهي بها المطاف لتصبح هي المهيمنة على العلاقات بين البشر. وتتجلى المجموعة الفنية هنا بوصفها ثروةً ثقافية، لكنها في الوقت ذاته تمثل شرارةً لعنفٍ معنويٍّ سيؤدي إلى تدمير أولئك الذين كان ينبغي أن يكونوا ورثتها الشرعيين.
في مواجهة جشع الشخصيات التي تتطلع للاستحواذ على المجموعة الفنية، تُمثّل الصداقة القائمة بين “شموكه” و”بونس” تصوراً مغايراً للعلاقات الإنسانية؛ إذ يتقاسم الأول :أستاذ البيانو الألماني مع الثاني حياةً متواضعة، وذائقةً فنيةً متقاربة، وروابطَ عاطفيةً تتسم بإخلاصٍ عميق.
و تُشكّل الصداقة التي تجمع بين الطرفين المحور الأخلاقي الحقيقي للرواية؛ إذ يتقبّل “شموكه” معاناة رفيقه دون أن يسعى إلى استغلالها لمصلحته. ففي حين تقيّم الشخصيات الأخرى “بونس” بناءً على مدى فائدته، ينظر إليه “شموكه” كإنسانٍ لا تعتمد قيمته على ثروته أو مكانته الاجتماعية.
ويُصوّر بلزاك هذه العلاقة بوصفها نموذجاً نادراً من التضامن في مجتمعٍ باتت فيه الروابط الإنسانية تميل إلى أن تصبح مجرد وسيلة لتحقيق غاياتٍ نفعية. فالمودة بين الرجلين لا تقوم على التملك أو الهيمنة، بل ترتكز على الثقة والاهتمام والتقدير المتبادل.
ويرى أن هذه الصداقة لا تكفي لحمايتهما. فبعد وفاة “بونس”، يجد “شموكه” نفسه، شيئاً فشيئاً، مجرداً من وسائل دفاعه ومن ممتلكاته. وتجعله سذاجته، وجهله بالإجراءات القانونية، وثقته في نزاهة البشر، عرضةً بشكل خاص للتلاعب به. أما رحيله هو الآخر -في أعقاب رحيل صديقه- فيضفي على العمل بُعداً تراجيدياً يتجاوز المصير الفردي للموسيقِيَّيْن.
ويعتمد نجاح الرواية على الأدوات الأدبية التي وظفها بلزاك؛ إذ تضفي الأوصاف الدقيقة للملابس، والتصاميم الداخلية، والأغراض، والسلوكيات، طابعاً واقعياً قوياً على السرد. ولا تقتصر وظيفة هذه الأوصاف على رسم المشهد فحسب، بل تكشف أيضاً عن الظروف المادية للشخصيات، وعاداتها، وطموحاتها.
يتدخل الراوي مراراً لتفسير السلوكيات وإصدار أحكام على المجتمع. وتُسهم السخرية، والمبالغة الكاريكاتورية، والتعليقات الأخلاقية في تعزيز البعد النقدي للعمل؛ إذ تتحول الدقة في الوصف إلى أداة للتحليل الاجتماعي.
وتكمن أكثر جوانب الرواية راهنيةً في هذا التساؤل: ماذا يحلُّ بمجتمعٍ تصبح فيه قيمة الإنسان مرهونةً بما يملك، لا بما هو عليه في جوهره؟










