رسائل الداخل في الخطاب الملكي لافتتاح السنة التشريعية 2026-2027 للبرلمان المغربي  

رسائل الداخل في الخطاب الملكي لافتتاح السنة التشريعية 2026-2027 للبرلمان المغربي  

جريدة “أفق المغرب”

وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الجمعة 09 أكتوبر 2026، خطابا ساميا إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة .وانطلاقاً من تحليل مضمون هذا الخطاب، يمكن التمييز بين مستويين متكاملين من الرسائل: الأولى خارجية تروم تثبيت مكانة المغرب كشريك دولي مستقل وموثوق، والثانية داخلية تستهدف تسريع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، وربط الثقة الوطنية بالمسؤولية والنتائج الملموسة. ويبرز هذا التمييز بوضوح في تناول الخطاب للشراكة مع إسبانيا، والتعاون في مجال الهجرة، من جهة، وللعدالة المجالية، وتشغيل الشباب، وتفعيل اللاتمركز الإداري، ومسؤولية البرلمانيين، من جهة أخرى.

ومن الواضح أن الرسائل ذات البعد الداخلي  في الخطاب الملكي السامي، تشكل خارطة طريق بالنسبة للمؤسسة التشريعية وللفريق الحكومي المقبل على حد سواء.  وهي تركز على تحويل الاعتزاز الوطني إلى مسؤولية عملية، وتسريع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية، وتمكين الشباب، وتفعيل الجهوية واللاتمركز الإداري، وتعزيز دور القطاع الخاص، وربط المسؤولية المؤسساتية بخدمة المواطنين والوفاء بالالتزامات. وتتوزع هذه الرسائل على ما يلي:

الرسالة الأولى:  تحويل الاعتزاز الوطني إلى مسؤولية جماعية

تركز هذه الرسالة على استحضار الاعتزاز بالهوية المغربية، وبالمؤسسة الملكية، وبالهوية الدينية والحضارية ذات المكونات المتعددة. غير أن هذه الإشارات لا تُطرح لمجرد الاحتفاء بالماضي أو تعداد الإنجازات، بل يجري ربطها بمبدأ أساسي: الاعتزاز بالوطن ينبغي أن يتحول إلى مسؤولية ومواطنة فعالة.

وتتمثل هذه الرسالة  في تثمين ما تحقق من مكاسب سياسية وتنموية ودبلوماسية، ولكن لا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى الاكتفاء بما أُنجز، بل يجب أن يشكل حافزاً لمواصلة الإصلاح والعمل. فالثقة في إمكانات المغرب تقترن، وفق منطق الخطاب الملكي، بواجب الإسهام في تطويره وتحسين ظروف عيش مواطنيه.

الرسالة الثانية: جعل العدالة الاجتماعية والمجالية معياراً للمرحلة المقبلة

من أبرز الرسائل الداخلية دعوة جلالة الملك إلى تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية. ويعني ذلك أن الطموح إلى جعل المغرب قوة اقتصادية صاعدة لا ينبغي أن يُقاس بحجم الاستثمارات والمشاريع الكبرى فقط، بل أيضاً بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وتقليص الفوارق بين الجهات والأقاليم.

ولهذا يمنح الخطاب أهمية للعمل الميداني، والوقوف عند المشاكل الحقيقية لكل منطقة، وإيجاد حلول واقعية لها. فالسياسات العمومية، وفق هذا التوجه، مطالبة بالانتقال من المؤشرات العامة إلى معالجة الحاجات الفعلية للسكان، مع مراعاة الاختلافات المجالية في الولوج إلى الخدمات وفرص التنمية. وتكمن أهمية هذه الرسالة في أنها تجعل العدالة المجالية جزءاً من شرعية الاختيار التنموي نفسه، لا مجرد نتيجة ثانوية للنمو الاقتصادي.

الرسالة الثالثة: تحميل المؤسسات الحكومية مسؤولية تجاوز التأخر في الإصلاح

وتتمثل الرسالة الثالثة في تحميل المؤسسات الحكومية مسؤولية تجاوز التأخر في الإصلاح، حيث يوجه الخطاب الملكي رسالة واضحة إلى الإدارة والحكومة والمؤسسات الترابية تؤكد على ضرورة تسريع تنفيذ الإصلاحات، من خلال التشديد على تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، ونقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات والأقاليم.

ويظهر أن الدعوة إلى اللامركزية باعتبارها مبدأً تنظيمياً، رهينة بإزالة العراقيل التي تحول دون ممارستها الفعلية. ويعني ذلك ضرورة توضيح الاختصاصات، وتقوية الموارد، وتنظيم العلاقة بين الدولة والجهات من خلال آليات التنسيق والتعاقد.  ويتضح أن الرسالة مزدوجة: فهي أولاً  تؤكد على أن التنمية الترابية لا يمكن تحقيقها من خلال قرارات مركزية وحدها؛ وهي ثانياً  تبرز أن نقل المسؤوليات إلى الجهات ينبغي أن يقترن بنقل الوسائل اللازمة لممارستها.

الرسالة الرابعة: وضع الشباب في صلب السياسات العمومية

ويمنح الخطاب الملكي الشباب مكانة مركزية، من خلال الدعوة إلى تصور متكامل يشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص. وهذه الرسالة مهمة لأنها تربط مستقبل الشباب ليس فقط بالحصول على الشهادات، بل أيضاً بإمكانية تحويل الكفاءات إلى فرص فعلية للاندماج المهني والترقي الاجتماعي. كما أن التشديد على استعادة ثقة الشباب في المؤسسات الوطنية يعكس إدراكاً بأن التنمية لا تتحقق بالبرامج الاقتصادية وحدها، بل تتطلب أيضاً شعوراً بأن المؤسسات تستجيب لانتظارات المواطنين وأن الجهد الشخصي يمكن أن يؤدي إلى تحسين شروط الحياة.

وهكذا، يربط الخطاب بين الاستثمار في رأس المال البشري، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز الاستقرار والثقة في المستقبل.

 الرسالة الخامسة: إعادة تحديد دور القطاع الخاص في التنمية

وتتمثل هذه الرسالة في دعوة القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى مستوى الفاعل الاستراتيجي، وأن يكون أكثر ابتكاراً ومبادرة وقدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير. وتتجاوز هذه الدعوة مطالبة المقاولات بالمساهمة في النمو الاقتصادي؛ فهي تعني أن القطاع الخاص مدعو إلى تحمل دور أكبر في التحول الإنتاجي للمغرب، ولا سيما في سياق التحولات الجيو-اقتصادية والتكنولوجية.

غير أن الرسالة تطرح، في الوقت نفسه، تحدياً عملياً: كيف يمكن تحويل هذه الدعوة إلى فرص شغل مستقرة، واستثمارات منتجة، وتوزيع أوسع لثمار النمو؟ ويبدو أن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطاً بمدى قدرة السياسات العمومية على توفير بيئة ملائمة للاستثمار، وتحسين التكوين، وتجاوز العراقيل الإدارية، وضمان أن تكون التنمية الاقتصادية ذات أثر اجتماعي ملموس.

 الرسالة السادسة: تذكير البرلمانيين بأن الانتداب مسؤولية وليس امتيازاً

يختتم جلالة الملك خطابه برسالة مباشرة إلى أعضاء البرلمان، إذ يصف الانتداب البرلماني بأنه التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط المنتخبين بالمواطنين، ويطالبهم بأن يكونوا في مستوى المسؤولية أمام الله والمواطنين والتاريخ.

وهذه الخاتمة تضع التمثيل الديمقراطي في إطار يتجاوز الفوز بالانتخابات والحصول على المقاعد. فالانتخاب يمنح التفويض، لكنه ينشئ أيضاً واجبات تتعلق بتمثيل المواطنين، والتفاعل مع انشغالاتهم، والعمل التشريعي والرقابي، والمساهمة في تقييم السياسات العمومية.

وبذلك، يمكن قراءة هذه الرسالة باعتبارها دعوة إلى الانتقال من شرعية انتخابية مرتبطة بصندوق الاقتراع إلى شرعية عملية تتعزز بمدى الوفاء بالالتزامات وتحقيق النتائج.

ويظهر من خلال القراءة المتفحصة لنص الخطاب الملكي أن هناك خيطا ناظما يربط بين  الرسائل الخارجية والداخلية، وهو السعي إلى تعزيز قدرة المغرب على اتخاذ القرار وتحقيق أهدافه. فعلى المستوى الخارجي، يؤكد الخطاب أن التعاون ينبغي أن يقوم على السيادة والالتزام المتبادل؛ وعلى المستوى الداخلي، يشدد على أن التنمية تتطلب مؤسسات أكثر فعالية، وإدارة أقرب إلى المواطن، واستثماراً منتجاً، وعدالة مجالية، وفرصاً أوسع للشباب.

وتفرض هذه القراءة التمييز بين الإعلان عن التوجهات وتحقيقها على أرض الواقع. فتفعيل اللاتمركز يحتاج إلى نقل فعلي للاختصاصات والموارد، وإعطاء الأولوية للشباب يحتاج إلى فرص تعليم وتأهيل وشغل قابلة للقياس، كما أن تعزيز العدالة المجالية يستلزم تقليص الفوارق في الخدمات والاستثمارات بين المناطق. وبالمثل، فإن الشراكة الدولية المتوازنة تحتاج إلى آليات عملية تضمن احترام الالتزامات وتحقيق المصالح المشتركة.

وبشكل عام يمكن القول، إن الرسالة الخارجية الأبرز هي أن المغرب يريد التعاون من موقع السيادة والشراكة المتكافئة، لا من موقع الخضوع للضغط. أما الرسالة الداخلية الأبرز فهي أن المرحلة التشريعية والحكومية الجديدة مطالبة بتحويل الطموح الوطني إلى نتائج ملموسة، عبر تسريع الإصلاحات، وتحسين الحكامة، وتقوية العدالة الاجتماعية والمجالية، والاستجابة الفعلية لتطلعات المواطنين. وبذلك، يربط الخطاب بين مكانة المغرب في الخارج وقدرته على إنجاح مشروعه التنموي في الداخل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات