الطالب الباحث محمد البوزيدي يناقش رسالة الماجستير بجامعة لشبونة حول التحولات في المجتمع اليهودي بالمغرب بعد القرن الخامس عشر

الطالب الباحث محمد البوزيدي يناقش رسالة الماجستير بجامعة لشبونة حول التحولات في المجتمع اليهودي بالمغرب بعد القرن الخامس عشر

ناقش الطالب الباحث محمد البوزيدي، أخيرا، رسالة الماجستير بقسم التاريخ تخصص تاريخ إفريقيا، بكلية الآداب التابعة لجامعة لشبونة، حول  موضوع “اليهود في المغرب: دراسة تحليلية للتحولات في المجتمع اليهودي بالمغرب بعد القرن الخامس عشر”، وذلك تحت إشراف الدكتور خوسيه ألبرتو رودريغيش دا سيلفا تافيم. وقد تألفت لجنة المناقشة من الدكتور خوسيه مانويل داميانو سواريس رودريغيش، أستاذ بكلية الآداب بجامعة لشبونة، رئيسا، والدكتور أندري بينتو دي سوزا دياس تيكسيرا، أستاذ بكلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة نوفا لشبونة، مناقشا، والدكتور أنطونيو جورج فيريرا أفونسو، باحث بمركز التاريخ بجامعة لشبونة، عضوا، إضافة إلى المشرف الدكتور خوسيه ألبرتو رودريغيش دا سيلفا تافيم، الباحث بكلية الآداب بجامعة لشبونة.

وتتناول هذه الرسالة الموسومة «Os Judeus em Marrocos – Um estudo analítico das mudanças na sociedade judaica em Marrocos depois do século XV» التحولات البنيوية التي عرفها المجتمع اليهودي في المغرب ما بعد القرن الخامس عشر، في سياق تاريخي اتسم بآثار الطرد الإيبيري لليهود سنتي 1492 و1496، وما ترتب عنه من انتقال جماعات يهودية أندلسية-إيبيرية إلى المغرب، عرفت باسم الميغوراشيم، واحتكاكها باليهود المحليين التوشافيم. وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مؤداها أن هذا التفاعل لم يكن مجرد اندماج سكاني، بل مثل لحظة مفصلية أعادت تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية للطائفة اليهودية المغربية، وأنتجت ديناميات جديدة في الهوية الجماعية والتنظيم الداخلي وأنماط العلاقة مع السلطة.

منهجيا، تعتمد الرسالة مقاربة تاريخية-تحليلية-استقرائية، وتبني مادتها العلمية على قراءة مقارنة لمجالات مغربية متباينة سياسيا: مدن خاضعة للسلطة الإسلامية، وأخرى واقعة تحت السيطرة المسيحية، وثالثة متنازع عليها بين قوى محلية وخارجية. وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة لأنها لا تتعامل مع «يهود المغرب» بوصفهم كتلة متجانسة، بل تكشف عن تنوع الخبرات التاريخية تبعا لاختلاف المجال السياسي والاقتصادي وشبكات النفوذ والاتصال. كما تنفتح الدراسة على مستويات متعددة من التحليل تشمل البنية المجتمعية، والتنظيم المؤسسي، والحضور الاقتصادي، والمكانة السياسية، والإسهام الفكري والديني.

وتبرز الرسالة أن قدوم الميغوراشيم أحدث توترا أوليا داخل الجماعات اليهودية المغربية بسبب اختلاف الأصول والتقاليد والممارسات الفقهية وأنماط العيش، غير أن هذا التوتر تحول تدريجيا إلى عامل لإعادة تركيب الجماعة وتطوير مؤسساتها. فالصراع بين الوافد والمحلي لم ينته عند حدود التنافر، بل أسهم في إنتاج صيغ من التفاعل والتمثل المتبادل، قادت إلى إعادة بناء الهوية اليهودية المغربية على نحو أكثر تركيبا وثراءا. ومن ثم، لا تنظر الدراسة إلى الاختلاف بين التوشافيم والميغوراشيم باعتباره انقساما ثابتا، بل بوصفه محركا تاريخيا للتغير الاجتماعي والثقافي.

وتكشف الدراسة، من خلال التوزيع الجهوي للبحث، أن أوضاع الجماعات اليهودية لم تكن واحدة في مختلف المدن. ففي مدن مثل تطوان، يظهر بوضوح أثر الهجرة الأندلسية في إعادة البناء الحضري والمؤسساتي، وفي تعزيز الأدوار الاقتصادية والعلمية للطائفة اليهودية، كما يتبين أن هذه الجماعات امتلكت قدرا مهما من التنظيم الذاتي عبر مؤسسات دينية وتعليمية وقضائية، بما يعكس درجة معتبرة من التماسك الداخلي والقدرة على التكيّف مع التحولات السياسية. كما تبرز الدراسة أن المدن الخاضعة لسلطات إسلامية أتاحت، في حالات عدة، شروط اندماج واستقرار أكبر من تلك التي وسمت المدن الواقعة تحت الهيمنة المسيحية أو ضمن المناطق المتنازع عليها، حيث كانت أوضاع اليهود أكثر هشاشة وتقلباً.

وتخلص الرسالة إلى أن تاريخ اليهود في المغرب خلال القرنين الخامس عشر إلى السابع عشر لا يمكن اختزاله في سردية الاضطهاد أو الانعزال، بل ينبغي فهمه ضمن سيرورة تاريخية مركبة جمعت بين التنافس والاندماج، وبين المحافظة على الخصوصية والانخراط في البنية العامة للمجتمع المغربي. وبذلك تقدم الدراسة إسهاما علميا مهما في فهم أثر الهجرات القسرية والتفاعلات العابرة للثقافات في إعادة تشكيل الهويات الجماعية، كما تؤكد أن اليهود شكلوا عنصرا أصيلا في التاريخ الاجتماعي والحضاري للمغرب، لا مجرد أقلية هامشية على أطرافه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات