الحاجة إلى إحداث معهد متخصص في تعليم الرياضيات لإعداد نخبة وطنية قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية التي تواجه المغرب
اخترنا استكشاف موضوع الرياضيات والمجتمع لما بينهما من روابط عميقة جمعت بينهما على مرّ القرون. فالرياضيات، التي كانت حاضرة في مختلف الحضارات، لطالما رافقت التطور البشري، سواءً كان علميًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا. في هذه الحلقة، نواصل رحلة هذا الاستكشاف مع الأستاذ عبد السلام السايح، منذ بداية شغفه المبكر بمادة الرياضيات، وصولا إلى الاشتغال بتدريسها..
س 1 :نظمت مؤسستكم أخيرا مسابقة في مادة الرياضيات، ما الأهداف التعليمية والتربوية التي توخيتم تحقيقها من هذا النشاط ؟
ج : في البداية لابد من الإشارة إلى الجوانب الشكلية، بخصوص هذه المسابقة التي تندرج ضمن الأنشطة الموازية التي دأبنا على تنظيمها في إطار المؤسسة التربوية ألفا، فهي مفتوحة في وجه مجموعات متنافسة، حيث تتكون كل مجموعة من ثلاثة إلى خمسة تلاميذ كحد أقصى، وتقدم كل مجموعة مشروعها الذي يرتكز على ثلاثة محاور أساسية، المحور الأول يتمثل في تقديم محتوى رياضي يتضمن استعراض تعريفات للمفاهم وتقديم تبرير صحيح للنتائج المحصل عليها، واعتماد أمثلة وتطبيقات، واستعمال منهجية عمل متكاملة ومتماسكة. ويهم المحور الثاني إنجاز عمل مكتوب منظم، كما هو معروف في مختلف العروض والمداخلات العلمية، من حيث المقدمة والعرض والنتائج والخاتمة، ثم هناك المحور الثالث المتعلق بالعرض الشفهي للمشروع المنجز، حيث تقديم العرض بأسلوب واضح مع مشاركة جميع أعضاء المجموعة، والإجابة على مختلف الأسئلة المطروحة، والالتزام بالزمن المحدد لتقديم هذا العرض الذي ينبغي يتراوح ما بين 10 و15 دقيقة.
ويمكن تلخيص أهم أهداف هذه المسابقة في الجوانب التالية:
– ترسيخ المعرفة بمختلف فروع الرياضيات مثل الجبر والهندسة والإحصاء؛
– تنمية التفكير النقدي والمهارات التحليلية؛
– تشجيع الفضول العلمي والاهتمام بالرياضيات؛
– تعزيز العمل الجماعي من خلال الأنشطة الجماعية.
ومن الناحية التربوية، سعت هذه المسابقة، إلى بناء ثقة التلاميذ بأنفسهم في مواجهة التحديات، والحد من القلق المرتبط بالتعامل مع مادة الرياضيات، وغرس قيمة الاستفادة من الأخطاء كأداة للتعلم. وأخيرًا، يمكن اعتبار المسابقة وسيلة للتوجيه المهني والعملي، حيث تُبرز التطبيقات العملية للرياضيات في الحياة اليومية وفي مختلف مجالات العمل، مما يحفز التلاميذ على اختيار المسارات العلمية للمساهمة في تطوير مجتمعهم.
وقد استطعنا فعلا تحقيق أهم الأهداف المسطرة في هذه المسابقة، التي مكنتا أولا من اكتشاف طاقات مهمة من التلاميذ المؤهلين لخوض غمار المسابقات في الرياضيات، وثانيا فسحت لنا هذه التظاهرة العلمية المجال للتفاعل الإيجابي مع الأطر التربوية للمؤسسة ومع أولياء وآباء التلاميذ . وأبانت النتائج النهائية لهذا النشاط على تقارب مستوى التلاميذ بخصوص إدراكهم لأهمية مادة الرياضيات..

س 2 : تدرس مادة الرياضيات منذ أكثر من ثلاثة عقود، من أين أتى شغفك بالرياضيات؟ وكيف أصبحت أستاذا لهذه المادة؟ ومن هي الشخصيات التي ألهمتك في هذا المجال؟
ج: في السنة الثانية من مرحلة التعليم الإعدادي، كنتُ أعشق الألعاب الذهنية والاستماع بحل الألغاز، وكان لدينا أستاذ ما يزال اسمه محفورًا في ذاكرتي. واعتقد جازما أن عدد كبير من تلاميذ تلك الفترة يتذكرون اسمه، بفضل أسلوبه الفريد في تدريس الرياضيات، نما لديّ شغفٌ كبيرٌ بهذه المادة.
أتذكر عندما كنت أجد نفسي مستغرقا في تكرار المحاولات من أجل إيجاد حلٍّ لمسألة معينة. ابتداء من تلك الفترة أدركتُ أن الرياضيات ليست مجرد سلسلة من الصيغ والقواعد التي يجب حفظها، بل هي مجالٌ للتفكير والاكتشاف والمتعة أيضا. لقد تحوّل فضولي، شيئًا فشيئًا، إلى شغف وولع بالأرقام والمعادلات.
وازداد شغفي بالرياضيات بشكلٍ ملحوظ خلال دراستي في مرحلة التعليم الثانوي، لا سيما عندما تعرفنا على علماء عظام أمثال نيوتن وباسكال وألبرت أينشتاين.. ومن خلال أعمالهم، أدركت أن العلوم ليست أداة مجردة، بل لغة قوية لشرح قوانين الكون.
وبدأت أنظر إلى الرياضيات كتحدٍ فكري محفز، وكطريق للنمو الشخصي. وبعد حصولي على الباكلوريا، كانت أمامي فرص التوجه إلى الخارج لإتمامي دراستي العليا أو الالتحاق بالمدرسة الحسنية للأشغال العمومية، ولكنني اخترت الالتحاق بالمدرسة العليا للأستاذة لكي أصبح أستاذا لمادة الرياضيات وهو ما أفتخر به حتى الآن بعد تقاعدي الإداري، حيث أستمر في ممارسة التدريس هذه المادة في المؤسسة التربوية “ألفا” التي كنت واحدا من مؤسسيها.
س 3 : من خلال تجربتكم الطويلة في تدريس مادة الرياضيات، كيف تقيمون حضور هذه المادة في المؤسسات التعليمية الوطنية، ارتباطا بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد؟
ج: بشكل مختصر جدا، الوضع ينذر بالخطر بالنسبة لتطور وتقدم بلادنا، والحقيقة أن الخطر الذي يواجه المغرب، لا يكمن في العوامل الاقتصادية والسياسية فحسب، بل في التراجع التدريجي لتعليم الرياضيات، بسبب النقص البنيوي في الأطر المتخصصة في مادة الرياضيات، وبشكل أوسع، في الأزمة المستمرة التي يتخبط فيها التعليم. إن هذا الوضع يُضعف تنمية المهارات العلمية، ويُحدّ من القدرة على الابتكار، ويُفاقم الاعتماد على التكنولوجيا. كما يتسبب في هجرة العقول، حيث يختار العديد من التلاميذ والطلاب المتفوقين إكمال دراستهم في الخارج بسبب نقص الدعم المناسب.
وفي هذا السياق، يبدو إنشاء معهد متخصص في الرياضيات، استجابةً استراتيجية. سيُتيح هذا المعهد اختيار ودعم الطلاب الأكثر تميزًا في بيئةٍ ترتكز على الدقة العلمية والبحث والابتكار.
س 4 : ما القيمة من إحداث معهد متخصص في تعليم الرياضيات في المغرب، مع وجود العدد من المؤسسات الجامعية التي ترس هذه المادة؟
ج: كما أشرت إلى ذلك، يُعدّ إنشاء معهد متخصص في تعليم الرياضيات في المغرب ضرورة استراتيجية ملحة من أجل التصدي لحالة الاستنزاف من الكفاءات التي تتعرض لها البلاد. ففي ظلّ هجرة العقول، التي تتجلى في مغادرة الطلاب المتفوقين والباحثين المرموقين إلى الخارج، يواجه المغرب تحديًا كبيرًا يتمثل في الحفاظ على رأس ماله البشري العلمي وإمكانية تنميته.
سيُتيح هذا المعهد بناء برنامج تعليمي رفيع المستوى، قادر على منافسة المؤسسات الدولية الرائدة. ومن شأنه توفير بيئة أكاديمية محفزة، قائمة على البحث والابتكار والانفتاح الدولي، مع الحفاظ على الكفاءات الوطنية المتوفرة والناشئة لخدمة الأولويات التنموية للمملكة. ومن خلال تعزيز برامج الرياضيات المتقدمة، سيُساهم المعهد في استبقاء المواهب واستقطاب الكفاءات المغربية من المغتربين، وإعداد نخبة وطنية قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية التي تواجه المغرب.
علاوة على ذلك، يُمكن لهذا المعهد أن يلعب دورًا محوريًا في تطوير قطاعات استراتيجية كالذكاء الاصطناعي والتمويل الكمي وهندسة البيانات. وبالتالي، سيُشكل رافعة لتعزيز السيادة العلمية والتكنولوجية للمملكة، ومحركًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.











