الرأي الحر: برامج التنمية الترابية المندمجة: بين السياق العالمي والطموحات الوطنية

الرأي الحر: برامج التنمية الترابية المندمجة: بين السياق العالمي والطموحات الوطنية

عبدالفتاح الصادقي *

تميز المجلس الوزاري الذي ترأسه جلالة الملك محمد السادس بتقديم  وزير الداخلية لعرض  حول الخطوط العريضة لحكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي تعتمد على مقاربة جديدة تستمد أولويات البرامج من الاحتياجات المعبر عنها محليا من قبل المواطنات والمواطنين، تنفيذا لتوجيهات ملك البلاد، التي سبق التأكيد عليها  في عدد من الخطب الملكية السامية.

ويأتي تبني المملكة المغربية لجيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة المتكاملة، في سياق يتسم بتغيرات عميقة على الصعيدين الوطني والدولي. وتعكس هذه البرامج التزاماً استراتيجياً بتعزيز التماسك الترابي محليا وإقليميا وجهويا، والحد من التفاوتات المجالية، ودمج التنمية ضمن إطار مندمج وشامل ومستدام.

على الصعيد الدولي، شهدت سياسات التنمية الترابية تطوراً ملحوظاً في العقود الأخيرة. فقد دفعت العولمة، والأزمات الاقتصادية المتتالية، وتحديات المناخ، والتحولات التكنولوجية الدول إلى إعادة النظر في نماذجها التنموية، على المستوى الترابي والمجالي. وتراجعت تدريجياً المقاربات القطاعية التقليدية لصالح مقاربات مندمجة ومتكاملة، تقوم على تنسيق السياسات العامة وتعبئة الجهات المعنية المحلية.

وفي هذا السياق، شجعت مؤسسات دولية، مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي، على تبني استراتيجيات ترابية متكاملة، مع التركيز على الحكامة متعددة المستويات، ومشاركة المواطنين، والابتكار الترابي المحلي. وقد تبنى المغرب، بوصفه مشاركاً فاعلاً في التعاون الدولي، هذا التوجه الديناميكي من خلال تكييف هذه المبادئ مع خصوصياته الوطنية، ومع احتياجات سياقه الوطني.

والواقع أن السياق الوطني الذي جاءت فيه هذه البرامج، يتسم بالعديد من الإصلاحات الهيكلية، التي انخرط فيها المغرب، حيث يُعدّ تبني برامج التنمية الترابية المندمجة استمرارًا لإصلاحات رئيسية، لا سيما ما يتعلق بتعزيز اللامركزية وتوطيدها. وتهدف هذه الإصلاحات إلى تقوية وتوسيع دور الهيئات المنتخبة والسلطات المحلية كجهات فاعلة رئيسية في التنمية.

ولكن مع ذلك، لا يزال المغرب يواجه تحديات هيكلية كبيرة، تهدد بتفاقم الأوضاع إذا لم يتم  معالجتها، ومن بين هذه التحديات هناك:

1 –  التفاوتات المجالية بين المناطق الحضرية والقروية،

2 – عدم المساواة في الحصول على الخدمات الأساسية، سواء في الوسط القروي أو الوسط الحضري،

3 – الإكراهات والعقبات المتعلقة بالتشغيل والاندماج الاجتماعي.

في هذا السياق، تبرز برامج التنمية الترابية المندمجة كاستجابة استراتيجية تهدف إلى تجاوز قصور السياسات القطاعية وتعزيز نهج مندمج وشامل للتنمية، يراعي مختلف مظاهر الضعف والقصور والتفاوتات الاجتماعية والمجالية..

ويمكن القول إن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تتوخى تحقيق أهداف أساسية، تلخص في:

أولًا: تهدف هذه البرامج إلى الحد من التفاوتات المجالية من خلال تحسين الوصول إلى البنية التحتية والخدمات العمومية، لا سيما في المناطق القروية والنائية.

ثانيًا: تسعى هذه البرامج إلى تحفيز التنمية الاقتصادية المحلية من خلال الاستفادة من الموارد المحلية والوطنية ودعم المبادرات التي تتمتع بالريادة.

ثالثًا: تهدف هذه البرامج إلى تعزيز الحكامة الترابية، من خلال تحسين التنسيق بين مختلف مستويات صنع القرار (السلطات الوطنية والإقليمية والمحلية) وتقوية مشاركة  الفاعلين المحليين.

رابعا: تُعدّ هذه البرامج جزءًا من نهج التنمية المستدامة، الذي يدمج الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية في التخطيط العمراني.

وإذا كانت هذه الأهداف طموحة ومطلوبة لتجاوز أعطاب الماضي والحاضر، فإنها رهينة بالقدرة على التنفيذ، التي ت ستوجب توفر عدة شروط، حيث يتوقف نجاح البرامج  المذكورة، إلى حد كبير، على قدرة المغرب على مواجهة تحديات عديدة، منها مسألة الحكامة التي تظل محورية في أي سياسة عمومية، حيث يتطلب الأمر تقوية  التنسيق بين مختلف الجهات المؤسسية الفاعلة عبر آليات فعّالة للتشاور والتدبير، ومنها أيضا حشد الموارد المالية الذي يُعدّ تحديًا رئيسيًا، إذ يتطلب تنفيذ البرامج المندمجة استثمارات كبيرة، فضلًا عن القدرة على جذب التمويل الدول، ذلك أن تعبئة غلاف مالي  يقدر بحوالي 210 ملايير درهم، ليس أمر سهلا،وعلاوة على ذلك، يُعدّ تعزيز القدرات الفنية والإدارية ل لهيئات المنتخبة والسلطات المحلية أمرًا ضروريًا لضمان التنفيذ الفعّال للمشاريع، وأخيرًا، تُعدّ مشاركة المواطنين عاملًا أساسيًا وحاسما للنجاح، إذ أن الانخراط العملي للسكان ومشاركتهم الفاعلة تُتيح تكييف المشاريع مع الاحتياجات الحقيقية، وتُعزّز شعورهم بالمسؤولية تجاهها.

وعلى الرغم من هذه التحديات، تمتلك المملكة المغربية نقاط قوة كبيرة تُؤهّلها لتنفيذ هذه البرامج بنجاح. وتُعدّ خبرة المملكة في السياسات العامة الترابية، واستقرار مؤسساتها، والتزامها بالإصلاحات، عواملَ مُواتية ومحفزة على تحقيق النتائج المرجوة، وفضلا عن ذلك، أثبتت مبادراتٌ أطلقت في السابق، مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية قدرة المملكة على تصميم وتنفيذ برامج مندمجة ومتكاملة ذات أثر اجتماعي قوي.

وكخلاصة يمكن القول إن اعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة خطوةً هامةً في تطور السياسات العامة في المغرب، إذ يعكس التزاماً بالتحديث والتكيف مع التحديات المعاصرة. مع ذلك، فإن نجاح هذه البرامج مرهونٌ بقدرة المملكة على تعزيز الحكامة التدبير، وتعبئة الموارد اللازمة، وإشراك جميع الجهات المعنية بالتنمية الترابية، حيث إن  هذه البرامج، أكثر من كونها أداةً تنموية، تُمثل رافعةً استراتيجيةً لبناء نموذج تنموي أكثر توازناً واندماجا وشمولاً واستدامة.

*إعلامي وباحث في القانون العام والعلوم السياسية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات