المكتبات ذاكرة الشعوب والأمم

المكتبات ذاكرة الشعوب والأمم

أعدها عبدالفتاح الصادقي

تحتل المكتبات مكانة محورية في تاريخ المجتمعات البشرية. فهي ليست مجرد أماكن لحفظ الكتب، بل تمثل ذاكرة الحضارات، ومحفوظات المعرفة الجماعية، وأداة أساسية لنقل المعرفة بين الأجيال وبين الأمم والشعوب . ومنذ العصور القديمة وحتى العصر الرقمي، لعبت المكتبات دورًا جوهريًا في التطور العلمي والثقافي والفلسفي والسياسي للشعوب. إلا أن تاريخها يتسم بفترات ازدهار فكري بقدر ما يتسم بالكوارث والدمار ومحاولات طمس الذاكرة الإنسانية.

في الحضارات القديمة، كانت المكتبة رمزًا لقوة المعرفة. فمكتبة الإسكندرية الشهيرة، التي تأسست في القرن الثالث قبل الميلاد حسب رواية المؤرخي 

وخلال العصور الوسطى، لعبت المكتبات، في العالم الإسلامي، دورًا محوريًا في التطور العلمي والثقافي والحضاري. وكان بيت الحكمة أحد أعظم المراكز الفكرية في تلك الحقبة، حيث قام العلماء بترجمة وتوسيع وتطوير المعارف اليونانية والفارسية والهندية في مجالات الرياضيات والطب والفلك والفلسفة. ولكن في عام 1258، خلال الغزو المغولي لبغداد، دُمّرت هذه المكتبة الضخمة. وتصف الروايات التاريخية آلاف المخطوطات التي أُلقيت في نهر دجلة، حتى قيل إن مياه النهر اسودّت من حبر الكتب المدمرة. وتُمثّل هذه الحادثة واحدة من أفظع الجرائم التي ارتكبت في حق المكتبات ومن أكثر الهجمات مأساوية على التراث الفكري العالمي على مر التاريخ.

ومن بين أهم المكتبات في العالم المسيحي هناك مكتبة الفاتيكان التي تأسست رسميا عام 1475، وتعتبر مركزًا لعلوم اللاهوت، القانون، الفلسفة، الشعر، والتاريخ، ويمكن لأي شخص دخول المكتبة وإجراء الدراسات التي يريدها حسب احتياجاته، كما يمكن أن يتم ذلك بنسخ غير أصلية عن طريق البريد مقابل دفع رسوم معينة. وتضم هذه المكتبة عددا من المخطوطات الإسلامية  يقدره الباحثون   بحوالي  أربعة آلاف وأربع مائة  منها ألفين وست مائة   مخطوط عربي.

  وهي إحدى أقدم المكتبات وتحوي مجموعة من المخطوطات التاريخية المهمة، وتضم  75 ألف مخطوط من مختلف العصور. وأغلب نسخ مكتبة الفاتيكان أصلية بخط اليد لأعمال نادرة في التاريخ البشري، مكتوبة بعدة لغات أبرزها اللاتينية واليونانية والسريانية، يضاف إلى ذلك حوالي 1.1 مليون كتاب مطبوع بمختلف اللغات.

والواقع أن المكتبات لعبت دورًا حيويًا في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للشعوب. وتشهد مكتبة القرويين بالمملكة المغربية، التي تُعدّ من أقدم المكتبات العاملة حتى اليوم، على استمرارية المعرفة في العالم الإسلامي وفي العالم بأسره، إذ ساهمت في حفظ مخطوطات نادرة في علم الكلام والفقه والطب والفلسفة وغيرها.

مع ذلك، لطالما استُهدفت المكتبات خلال الحروب والصراعات الأيديولوجية. أدركت الأنظمة الشمولية مبكرًا أن السيطرة على الكتب تعني السيطرة على العقول. ففي ظل النظام النازي، استهدفت عمليات حرق الكتب التي نُظمت في ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين تدمير الأعمال التي اعتُبرت “خطيرة” أو مُخالفة للأيديولوجية الرسمية. أُحرقت آلاف الكتب علنًا لفرض نمط فكري واحد. أظهر هذا التدمير المُتعمد للمعرفة أن المكتبات تُمثل أيضًا فضاءات للحرية الفكرية قادرة على مقاومة الدعاية والاستبداد.

وفي القرن العشرين، أبرزت العديد من النزاعات المسلحة هشاشة المكتبات. فخلال حرب البوسنة، أثار تدمير المكتبة الوطنية للبوسنة والهرسك عام 1992 غضبًا دوليًا عارمًا. التهمت النيران مئات الآلاف من الكتب والوثائق التاريخية. لم يكن هذا الهجوم عسكريًا فحسب، بل استهدف أيضًا الهوية الثقافية والتاريخية لشعب بأكمله. غالبًا ما يُشير تدمير المكتبة إلى محاولة لمحو الذاكرة الجماعية وآثار الماضي.

وحتى اليوم، تواجه المكتبات تحديات جديدة. يُحدث العصر الرقمي تحولاً جذرياً في كيفية قراءة المعرفة وحفظها ونشرها. فبينما تُسهّل التقنيات الرقمية الوصول إلى المعلومات، فإنها تُثير أيضاً تساؤلات حول حفظ البيانات على المدى الطويل، وتركز المعرفة على منصات تكنولوجية ضخمة، وهشاشة الأرشيفات الرقمية أمام الهجمات الإلكترونية والتلاعب بالمعلومات.

وعلى الرغم من هذه التحديات، تظل المكتبات مؤسسات أساسية للمجتمعات الإنسانية. فهي تعزز التعليم والتفكير النقدي والبحث العلمي والحوار بين الثقافات. كما أنها تُسهم في تعميم المعرفة والحد من التفاوت في الوصول إليها، من خلال توفير فضاءات مفتوحة للجميع، بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية أو الاقتصادية أو الدينية، وتكفي الإشارة إلى  أن البابا سيلفستروس الثاني، واسمه الأصلي جربير دورياك، يُعد واحدا من قادة العالم المسيحي الذين استفادوا من خدمات مكتبة جامعة القرويين بمدينة فاس، حيث درس هذا البابا في هذه الجامعة خلال القرن العاشر الميلادي، وتعلم اللغة العربية وأتقن العلوم الإسلامية، واستفاد من مكتبتها، إذ نقل بفضلها علوم الرياضيات والأرقام العربية والفلك إلى أوروبا، واستفاد منها علماء وفلاسفة بارزون من قبيل ابن خلدون، وابن الخطيب، وابن حرازم، وابن باجة و ابن ميمون والمؤرخ المعروف الحسن بن الوزان الملقب بليون الأفريقي..

ولا شك أن المكتبات تؤدي دورًا هاما في ترسيخ التمرين الديمقراطي. فالبلاد التي تنتشر فيها المكتبات تشيع في المعرفة والبحث العلمي واختلاف الآراء، والمجتمع الذي يحمي مكتباته، إنما يحمي في الواقع حرية الفكر والتنوع الثقافي وحق المواطنين في الحصول على المعلومات. في المقابل، فإن المجتمعات التي تُدمر مكتباتها أو تُهمّش المعرفة تُعرّض نفسها للانحطاط الفكري والتطرف ومحو ذاكرتها التاريخية.

وهكذا، يكشف تاريخ المكتبات حقيقة جوهرية: إن الكفاح من أجل الحفاظ على الكتب  وعلى المكتبات هو أيضًا كفاح من أجل الحفاظ على الذاكرة الإنسانية وعلى الحضارات البشرية نفسها. فالمكتبات ليست مجرد مبانٍ مليئة بالكتب والمخطوطات؛ بل هي تمثل الضمير الحي للإنسانية، وذاكرتها، واكتشافاتها، وأحلامها، وآلامها وقدرتها على نقل المعرفة إلى الأجيال القادمة.

ارتباطا بالموضوع ونظرا للأهمية التي اضطلعت بها المكتبات في الماضي والتي لا تزال تضطلع بها في الحاضر والمستقبل، سنحاول الوقوف عند أشهر 30 مكتبة عبر العالم، دون الالتزام بالتسلسل الزمني لبروز هذه المكتبات. وستكون البداية  في هذه السلسلة من ” المكتبات ذاكرة الشعوب والأمم ” بمكتبة  الأسكندرية في جمهورية مصر العربية، سننشرها يوم السبت المقبل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات