كحال العمال في مختلف أنحاء العالم، يحتفل العمال المغاربة بعيد العمال في سياق اجتماعي واقتصادي يتسم بقلق عميق وتحولات متسارعة تؤثر على ظروف المعيشة والعمل. لم يعد فاتح ماي مجرد مناسبة رمزية للاحتفال بالمكاسب الاجتماعية والنقابية، بل أصبح لحظة للتأمل النقدي في التحديات الاقتصادية، ومواطن الضعف الاجتماعي، وتطلعات الطبقة العاملة المتزايدة.
على مستوى الأوضاع في المغرب، تعكس مؤشرات عديدة الصعوبات التي يواجهها الأجراء والمستخدمون في القطاع الخاص، والموظفون العاملون في القطاع العام، وأصحاب الأعمال الحرة، والمستقبل الغامض الذي ينتظره الخريجون الشباب الباحثون عن عمل مستقل، إلى جانب فئات عريضة من النساء اللاتي يعانين من الهشاشة المزمنة بسبب البطالة وضعف فرص التمكين الاقتصادي، حيث لا تزال البطالة، وخاصة بين الشباب والخريجين والنساء، من أبرز التحديات الهيكلية. فعلى الرغم من البرامج الحكومية الهادفة إلى تشجيع الاستثمار وتوفير فرص الشغل ، لا تزال شريحة كبيرة من الشباب تواجه عقبات تتعلق بنقص فرص العمل، وعدم التوافق بين التدريب واحتياجات سوق العمل، وهشاشة العديد من الفرص المتاحة. وبناءً على البيانات الرسمية ، بلغ معدل البطالة في المغرب 13 في المائة في بداية سنة 2026 . كما بلغ إجمالي عدد العاطلين عن العمل في المغرب حوالي 1.62 مليون شخص. وتظل البطالة في صفوف الشباب والنساء مرتفعة، حيث تقدر التقارير أن معدل البطالة بين النساء وصل إلى حوالي 20.5 في المائة، بينما تظل الفئات العمرية الشابة الأكثر تضرراً بمعدل بطالة وصل إلى 37.2 في المائة. وعلى مستوى المدة الزمنية للبطالة، ارتفعت نسبة العاطلين لمدة سنة أو أكثر إلى 64.8 في المائة، وارتفع متوسط مدة البحث عن عمل من 31 شهراً إلى 33 شهراً. وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، توجد أعلى معدلات البطالة في جهات الجنوب بحوالي 22.8 في المائة، وفي جهة الشرق بحوالي 22.1 في المائة، وفي جهة وفاس–مكناس 15,1 في المائة ، ويوجد أكبر تمركز للعاطلين (من حيث العدد) في جهة الدار البيضاء-سطات..
في الوقت نفسه، تتعرض القدرة الشرائية للأسر لضغوط متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والرعاية الصحية والطاقة. ويؤجج هذا الوضع شعوراً بالقلق الاجتماعي، لا سيما في صفوف الطبقتين المتوسطة والعاملة، اللتين تشهدان انخفاضاً متواصلا في دخولهما وعدم كفايتها لتغطية الاحتياجات الأساسية، وهو ما يعني أن الضرورة توفير شروط الاستقرار والسلم الاجتماعي عبر اتخاذ إجراءات حكومية شجاعة، تركز بالدرجة الأولى على زيادة الأجور، وإصلاح الضريبة على الدخل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ودعم المواد الاستهلاكية الأساسية لفائدة الفئات الاجتماعية المتضررة.
كما يُمثّل وضع العاملين في القطاع غير المنظم قضيةً بالغة الأهمية. إذ يعمل جزء كبير من القوى العاملة في ظروف غير مستقرة، دون تغطية كافية للضمان الاجتماعي، أو استقرار تعاقدي، وأحيانًا دون حماية قانونية فعّالة. يُسلّط هذا الواقع الضوء على قصور آليات سوق العمل التقليدية، ويؤكد على ضرورة تسريع وتيرة الإصلاحات الرامية إلى دمج هؤلاء العمال تدريجيًا في الاقتصاد الرسمي المنظم .
وإذا كانت النقابات العمالية المغربية تضطلع بأدوار مهمة في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمهنية، إلا أنها اصبحت خلال العقدين الأخيرين تواجه تحدياتٍ عديدة، منها أزماتها التنظيمية الداخلية و تراجع إشعاعها وتآكل مصداقيتها والثقة بها، وانخفاض عدد المنخرطين بها، إلى جانب تغيرات سوق العمل، وتشتت المطالب، وصعوبة حشد بعض الفئات المهنية الناشئة. ولذلك من الضروري على هذه النقابات أن تسارع إلى تجديد هياكلها وأساليب عملها وبرامجها للاستجابة بشكلٍ أفضل للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية المعاصرة.
ومن الواضح أن السياق الدولي يُفاقم الصعوبات الوطنية. إذ تؤثر تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية، والتوترات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل التوريد، وتغير المناخ، تأثيراً مباشراً على الاقتصاد المغربي. ولا تزال القطاعات الفلاحية والصناعية والسياحية عرضةً للتقلبات الدولية، مما يُؤثر بشكلٍ مباشر على فرص العمل ومداخيل العمال.
إن هذه الإكراهات والصعوبات التي من المتوقع أن تستمر في المستقبل المنظور، تفرض على أصحاب القرار تقوية مبادرات ذات الطابع الاجتماعي، التي تم إطلاقها، كالتعميم التدريجي للحماية الاجتماعية، وتوسيع نطاق التأمين الصحي الإلزامي، إلى جانب الإصلاحات المتعلقة بالحوار الاجتماعي، حيث من شأن هذه المبادرات تعزيز التماسك الاجتماعي وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، مع التأكيد على أن فعالية هذه المبادرات تعتمد على قدرة المؤسسات على ضمان تنفيذها بشكلٍ عادل وشفاف ومستدام.
إن الاحتفال بعيد العمال يمثل لحظةً للتذكير بالأوضاع الاجتماعية المقلقة والاحتجاج من قبل العمال والأجراء والمستخدمين ، ولكنه أيضاً فرصة لأصحاب القرار من أجل إعادة النظر في السياسات العامة المتعلقة بالتشغيل والعدالة الاجتماعية وكرامة العمل. ففي عالمٍ يتسم بالأتمتة والذكاء الاصطناعي وتحولات الرأسمالية العالمية، لم يعد بالإمكان معالجة قضية العمل من منظور اقتصادي فحسب، بل يجب النظر إليها أيضاً كمسألة استقرار اجتماعي ومواطنة وتنمية بشرية.
إن العمال المغاربة يحتفلون بفاتح ماي لهذا العام، في ظل أجواء يمتزج فيها الأمل والقلق. أملٌ في ظهور إصلاحات قادرة على تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وقلقٌ في مواجهة استمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية، وتعميق هشاشة الشغل، والتقلبات الاقتصادية الغامضة. ويبقى التحدي الحقيقي هو بناء نموذج تنموي أكثر شمولاً، قادر على ضمان ليس فقط الدخل الكريم للعمال، بل أيضاً الاعتراف بحقوقهم وحماية كرامتهم.
“أفق المغرب “









