أجرت جريدة “سبوتنيك عربي” حوارا مع الزميل عبدالفتاح الصادقي، مدير نشر “أفق المغرب” “ofokma.com” ركز على الأسئلة التالية :وفق فاينينشال تايمز فإن الاتحاد الأوروبي يتخوف من تأسيس الصين قاعدة صناعية في المغرب بطنجة يثير تدفق استثمارات بمليارات الدولارات مخاوف من احتمال إغراق المنتجات المدعومة للسوق الأوروبية. ما المكاسب التي تجنيها الصين، في إطار خيار أفريقيا نفسها وسيادتها، وقواعد اللعبة التي يفرضها الجنوب العالمي؟ في الوقت الذي تتهم بروكسل بكين بـ “إغراق” السوق عبر المغرب، لا يينى في طنجة مجرد رصيف مؤقت، بل جسر يرى منه الصينيون ضفتين، السوق الأوروبية الفاخرة، والسوق الأفريقية الآخذة في النمو السريع…. كيف تقيم هذا الأمر وانعكاساته على المغرب وأوروبا والصين؟ هل تقتصر الصناعات في مدينة محمد الخامس بطنجة على صناعة السيارات الصينية أم هناك صناعات أخرى؟ ما الذي تحققه الصين من صناعة السيارات في المغرب تجاه افريقيا وأوروبا؟ هل تعمل المغرب على تصدير الصناعات إلى أوروبا؟ كيف ترى التخوفات الأوروبية من عدم التفرقة بين المنتجات المصنعة في المغرب والاخرى الواردة من الصين خاصة بشأن الجمارك التي تفرضها أوروبا على الصين؟
وكانت أجوبة الزميل عبدالفتاح الصادقي على الشكل التالي
بالنسبة للمحور الأول المتعلق بطبيعة التخوف الذي يبديه الاتحاد الأوروبي من تأسيس الصين لقاعدة صناعية في المغرب بمدينة طنجة؟
يمكن القول إن التخوف الذي أبداه بعض المسؤولين الأوروبيين بشأن الاستثمارات الصناعية الصينية في المغرب، ولا سيما في منطقة طنجة، يعكس تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي العالمي. ويكمن وراء النقاش الدائر حول “المنتجات المدعومة” تنافس استراتيجي بين ثلاثة أطراف تشمل الصين، والاتحاد الأوروبي، والمغرب، وذلك في سياق يتسم بتزايد تأكيد دول الجنوب العالمي على سيادتها الاقتصادية.
وهكذا يركز المنطق الصيني على تجاوز الحواجز وتنويع الأسواق. وفي هذا الإطار تقدم المملكة المغربية لبكين العديد من المزايا الاستراتيجية:
أولاً: تستفيد المملكة من اتفاقيات تجارية تفضيلية مع الاتحاد الأوروبي، الشريك الاقتصادي الرئيسي لها. ويتيح الإنتاج في المغرب للشركات الصينية التواجد بالقرب من السوق الأوروبية، مع تقليل بعض التكاليف اللوجستيكية، والحد من تعرضها للتوترات التجارية الصينية الأوروبية.
ثانيًا: تُعدّ طنجة منصةً استثنائية. فبموقعها عند ملتقى طرق أوروبا وأفريقيا والمحيط الأطلسي، تُتيح للمصنّعين الصينيين الوصول المتزامن إلى أسواقٍ متعددة. ولذلك، لا تنظر الصين إلى طنجة كمجرد بوابةٍ إلى أوروبا، بل كمركزٍ إقليمي قادرٍ على خدمة القارة الأفريقية التي يُتوقع أن يتجاوز عدد سكانها 2.5 مليار نسمة بحلول منتصف القرن.
ثالثًا: تسعى بكين إلى تعزيز تدويل سلاسل القيمة لديها. ففي مواجهة سياسات “تقليل المخاطر” وإعادة التوطين الجزئي التي تُطبّقها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، تعمل الشركات الصينية على تطوير استراتيجية إنتاج متعددة المراكز لتقليل اعتمادها على منطقةٍ واحدة.
بالنسبة للمملكة المغربية، بدأت خلال العقدين الأخيرين تنتقل من مركز عبور إلى قوة صناعية إقليمية. ويمثل هذا التحول فرصة تاريخية للمملكة، التي نجحت نسبيا في هذا المسعى، وهي النتيجة التي أكدها “مؤشر التصنيع في إفريقيا 2025″، الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية، حيث تصدرت المملكة الدول الإفريقية في مجال التصنيع متقدمة على جنوب إفريقيا التي احتفظت بالصدارة منذ سنة 2010.
وقد سعت المملكة لسنوات عديدة، إلى تجاوز نموذجها القائم على تصدير المواد الخام أو الأنشطة ذات القيمة المضافة المنخفضة. والهدف الآن هو أن تصبح منصة صناعية متكاملة.
ويمكن أن يُسهم تدفق الاستثمارات الصينية إلى قطاعات السيارات والكهرباء والإلكترونيات والبطاريات في تعزيز نقل التكنولوجيا؛ وتوفير فرص عمل تتطلب مهارات عالية؛ وتطوير شبكة محلية للمقاولات الفرعية مرتبطة بمقاولات دولية كبرى؛ والاندماج في سلاسل القيمة العالمية؛ فضلا عن تعزيز مكانة طنجة المتوسط كمركز لوجستيكي رائد في أفريقيا وفي منطقة البحر الأبيض المتوسط.
في هذا السياق، لا يقتصر دور المغرب على كونه قناة لتحقيق المصالح الصينية، بل هو فاعل سيادي يسعى إلى تنويع شراكاته الدولية، سواءً كانت أوروبية أو أمريكية أو صينية أو أفريقية أوعربية.
ومن منظور أوروبي، تبقى المخاوف مفهومة. ذلك أن الاتحاد الأوروبي يستثمر بكثافة في التحول الطاقي وتطوير القطاعات الصناعية الاستراتيجية، لا سيما السيارات الكهربائية والبطاريات والتقنيات الخضراء. مع ذلك، غالبًا ما تتمتع الشركات الصينية بمزايا تنافسية كبيرة نظرًا لحجمها وخبرتها التقنية والسياسات الصناعية التي تنتهجها بكين. ولذلك، تخشى بروكسل من أن تشكل المنتجات المصنعة في المغرب من قبل شركات صينية منافسة قوية للمنتجين الأوروبيين.
والملاحظ أن الموقف الأوروبي يكشف عن تناقض واضح . فعلى مدى عقود، دافعت أوروبا عن العولمة وحرية حركة رؤوس الأموال وانفتاح الأسواق. واليوم، عندما تستخدم دول الجنوب العالمي هذه الآليات نفسها لجذب الاستثمارات وتطوير صناعاتها، ينظر بعض الفاعلين الأوروبيين إلى هذا التطور على أنه تهديد.
بخصوص المحور الثاني، المتعلق بالمكاسب التي تجنيها الصين، في إطار خيار أفريقيا وسيادتها، وقواعد اللعبة التي بات يفرضها الجنوب العالمي؟
لم تعد أفريقيا مجرد مصدر للموارد الطبيعية، بل أصبحت تدريجيًا فاعلًا اقتصاديًا قادرًا على تحديد أولوياته بنفسه. وعلى المستوى الصناعي برزت العديد من الدول الإفريقية في الشمال والغرب والجنوب مثل المغرب ومصر وتونس وكينيا وجنوب إفريقيا ورواندا وإثيوبيا وغيرها..
ولا شك أن المملكة المغربية تشكل خير مثال على هذا التطور. فالسلطات المغربية لم تعد تكتفي بانتظار الاستثمارات الأجنبية، بل باتت تنتقي شركاء يُرجّح أن يُسهموا في تحقيق الأهداف الوطنية للتنمية الصناعية، وتوفير فرص العمل، والتقدم التكنولوجي.
في هذا الإطار، لا تقتصر العلاقة بين الصين والمغرب على الجانب الثنائي فحسب، بل هي جزء من ديناميكية أوسع لإعادة التموضع في الجنوب العالمي، حيث تسعى الدول إلى التفاوض مع مراكز قوى متعددة في آن واحد، حيث يظهر أننا بصدد جغرافية سياسية صناعية جديدة، تتجاوز المخاطر بكثير مسألة المنتجات الصينية أو المخاوف الأوروبية.
وفي هذا السياق تبدو طنجة اليوم بمثابة مختبر للعولمة الجديدة: عولمة أقل هيمنةً من مركز واحد، وأكثر تعددًا للأقطاب، حيث تلعب الدول الوسيطة دورًا متزايد الأهمية.
بالنسبة للصين، تُعد طنجة بوابةً إلى أوروبا ونقطة ارتكاز إلى أفريقيا.
أما بالنسبة للمملكة المغربية، فهي تمثل فرصةً لتسريع وتيرة تصنيعها وتعزيز دورها كملتقى طرق أوروبي أفريقي.
وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، يُمثل هذا الوضع تحديًا استراتيجيًا، حيث يتم التركيز على حماية قطاعات حساسة معينة، مع الحفاظ على شراكة أساسية مع المملكة والحفاظ على جاذبيتها الاقتصادية.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال ما إذا كانت الصين تريد “إغراق” أوروبا عبر المغرب، بل كيف تعيد القوى الصناعية الجديدة والدول الصاعدة تعريف قواعد الاقتصاد العالمي، الذي أصبح أكثر تنافسية وتجزئة وتعدد أقطاب، من أي وقت مضى.
بالنسبة للمحور الثالث يهم أهم الجوانب الجيواقتصادية الراهنة، انطلاقا من المكانة التي تحتلها المدينة الصناعية محمد السادس طنجة- تك و تحوّل المغرب إلى مركز صناعي عالمي، وتداعيات هذا التطور على العلاقات بين أوروبا والصين وأفريقيا.
لابد من الإشارة، منذ البداية، إلى أن الأنشطة الصناعية في المدينة الصناعية محمد السادس طنجة- تك، لا تقتصر على صناعة السيارات الصينية فقط، بل هناك صناعات أخرى، تشمل مجالات مختلفة، ولا تقتصر هذه المدينة على الوجود الصيني، بل هناك فاعلون آخرون.
وتضم المنطقة الصناعية بطنجة قطاعات متعددة، وتسعى إلى استضافة قطاعات أخرى، منها: صناعة السيارات والمركبات الكهربائية؛ والبطاريات ومكونات المركبات الكهربائية؛ والإلكترونيات والمعدات الكهربائية؛ والطاقة المتجددة؛ والمواد الصناعية؛ والخدمات اللوجستية والصناعية؛ والمكونات الميكانيكية والمعدنية؛ بالإضافة إلى الصناعات المتعلقة بالتكنولوجيا الخضراء. وإذا كان قطاع السيارات يُعدُّ أبرز هذه القطاعات، إلا أنه جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إنشاء منظومة صناعية متكاملة.
بخصوص السؤال المتعلق بالمزايا التي تجنيها الصين من إنتاج السيارات في المغرب؟
يمثل المغرب بالنسبة للصين موقعًا استراتيجيًا استثنائيًا، فعلى الصعيد الأوروبي، يُسهم القرب الجغرافي من أوروبا في خفض تكاليف النقل بشكل ملحوظ. ويمكن للسيارة المُصنّعة في طنجة أن تصل إلى الأسواق الأوروبية في غضون أيام قليلة، بينما يستغرق النقل البحري من آسيا عدة أسابيع.كما يُتيح المغرب للمصنّعين الصينيين تقريب إنتاجهم من المستهلكين الأوروبيين مع الحدّ من بعض المخاطر المرتبطة بالتوترات التجارية الدولية.
وعلى الصعيد الأفريقي، يُعدّ المغرب أيضًا بوابةً إلى أفريقيا.فبفضل شبكاتها البنكية واللوجستيكية والتجارية المنتشرة في العديد من الدول الأفريقية، تُوفّر المملكة المغربية للشركات الصينية منصةً مثاليةً لتوزيع منتجاتها؛ و تطوير سلاسل التوريد الإقليمية؛ واختراق أسواق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
من هذا المنظور، لا تتجه طنجة نحو الشمال فحسب، بل نحو الجنوب أيضاً. وربما كانت الفرص الاقتصادية في الجنوب أكثر منها في الشمال، باعتبار عاملين أساسيين الأول ديموغرافي يتمثل غي ارتفاع عدد سكان القارة الإفريقية مقارنة مع القارة العجوز، والعامل الثاني استهلاكي وهو مرتبط بالعامل الأول، حيث ارتفاع حاجات السكان من مختلف المواد المصنعة مقارنة مع سكان أوروبا الذين يعيشون “حالة إشباع ” أو اكتفاء ذاتي من معظم المواد المصنعة..
بالنسبة للسؤال الذي يهم سعي المملكة المغربية إلى تصدير منتجاتها المصنعة إلى أوروبا؟
ستكون الإجابة هي نعم بكل تأكيد. فعلى مدى أكثر من عشرين عامًا، استندت الاستراتيجية الصناعية المغربية إلى الاندماج في سلاسل القيمة الأوروبية والعالمية.
وتتعدد الأهداف التي رسمتها هذه الاستراتيجية الوطنية ، ويمكن إجمالها في ما يلي:
– زيادة الصادرات ذات القيمة المضافة العالية؛
– تقليل الاعتماد على المواد الخام؛
– توفير فرص عمل صناعية تتطلب مهارات عالية؛
– جذب الاستثمارات الدولية؛
– تطوير قاعدة تكنولوجية وطنية.
وفي الوقت الراهن، تُعدّ السيارات ومكوناتها، والأسلاك الكهربائية، ومنتجات الطيران، والمعدات الصناعية من أهم صادرات المغرب إلى أوروبا، ولذلك، يطمح إلى أن يُعترف به كمنتج صناعي متكامل، لا مجرد دولة عبور.
بخصوص السؤال المتعلق بالتخوفات الأوروبية من عدم التفرقة بين المنتجات المصنعة في المغرب والاخرى الواردة من الصين، خاصة بشأن الجمارك التي تفرضها أوروبا على الصين؟
الواقع أن المخاوف الأوروبية تنبع من سؤال جوهري: كيف يمكن التمييز بين منتج مغربي ومنتج صيني الأصل، ولكنه مُجمّع في المغرب؟
بالنسبة لبروكسل، ترتبط المشكلة بقواعد المنشأ.
إذا استفاد منتج ما من المزايا التجارية الممنوحة للمغرب، بينما يأتي جزء كبير من قيمته من الصين، يعتقد بعض المسؤولين الأوروبيين أن هذا قد يُشكل نوعًا من التحايل على التدابير التجارية التي تستهدف المنتجات الصينية.
لتجاوز هذه المخاوف، يمكن التأكيد على ثلاثة حقائق أساسية:
الحقيقة الأولى: تستند اتفاقيات التجارة الدولية تحديدًا إلى قواعد منشأ مفصلة. إذ لا يُصبح المنتج “مغربيًا” تلقائيًا لمجرد تجميعه في المغرب، بل يجب أن يستوفي معايير معالجة صناعية محددة.
الحقيقة الثانية: لقد استفادت أوروبا لعقود طويلة من سلاسل القيمة العالمية المعقدة. وتتضمن العديد من المنتجات الأوروبية مكونات من آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية.
الحقيقة الثالثة: لا يرغب المغرب في أن يُنظر إليه كمجرد ورشة لإعادة التصدير. فهدفه هو زيادة المحتوى المحلي تدريجيًا، وتطوير التعاقدات الفرعية الوطنية، وتعزيز القدرات التكنولوجية المغربية.
بالنسبة لمسألة حساسة ترتبط بالسيادة الاقتصادية، تكشف النقاشات عن تحوّلٍ جوهري. لطالما كانت دول الجنوب العالمي مزوّدةً للمواد الخام في المقام الأول، أما اليوم، فتطمح دولٌ كالمغرب إلى أن تصبح منتجةً صناعية، وأن تستقطب التكنولوجيا، وأن تشارك في سلاسل القيمة العالمية.
وفي هذا السياق، يؤكد المغرب على حقه السيادي في اختيار شركائه الاقتصاديين، سواءً كانوا أوروبيين أو أمريكيين أو صينيين أو أفارقة أو من دول الخليج.
وإذا كانت أوروبا تسعى إلى الحفاظ على قدرتها التنافسية الصناعية، فإن الصين تسعى بدورها إلى تأمين أسواقها التجارية، في حين يسعى المغرب إلى تسريع وتيرة تصنيعه.
وإذا كانت هذه الأهداف الثلاثة تبدو متعارضة، فإنها ليست بالضرورة متناقضة.
ويكمن التحدي في السنوات القادمة في إيجاد توازن بين الانفتاح الاقتصادي، واحترام قواعد التجارة الدولية، والاعتراف بحق الدول الناشئة في وضع استراتيجياتها الخاصة للتنمية الصناعية.













