عالم الكتب: “جيرميبلادن” عمل إبداعي للصحفي عبد الرحمن عبد الوالي

عالم الكتب: “جيرميبلادن” عمل إبداعي للصحفي عبد الرحمن عبد الوالي

صدر للصحفي عبد الرحمن عبد الوالي سيرة روائية تحت عنوان “جيرميبلادن”.  تدور حكايتها حول قرية منجمية تروى بعيون طفل نشأ فيها، وعاد بعد مرور خمسين سنة على إغلاق مناجمها، لزيارة أماكن طفولته التي ظلت تطارده والتي تغيرت بشكل جذري، وأصبحت مكان يقاوم النسيان وأطلالاً مهجورة.

ويُصور أيضا كيف عايش الصراع الطبقي والاضطهاد الذي عانى منه سكانها. بحيث تأثرت بالاستغلال الرأسمالي والتمييز الطبقي، وتضررت من الإغلاق المفاجئ للمناجم، مما أدى إلى تشرد السكان وضياع مصدر رزقهم وتبخر أحلامهم.

ويحكي الكاتب ذكرياته عن القرية، بدءا من طفولته البريئة وتجاربه مع العمال والنصارى، مرورا بفترة الشباب والوعي بالصراع الطبقي، ووصولا إلى مرحلة النضج والهجرة القسرية. ويسترجع عبدالوالي ذكريات الماضي، حيث يروي كيف كانت القرية في أوج نشاطها، مليئة بالحيوية والنشاط، مع مناجم تعمل على استخراج المعادن الثمينة. وكانت مكاناً نابضاً بالحياة، مع سكان من مختلف الأعراق والثقافات، يعيشون معاً في وئام وتعاون.

ويقف الكاتب، في هذا العمل الإبداعي، عند أحوال العمال المنجميين، وكيف كانوا يعانون من ظروف عمل قاسية ويتقاضون أجورا متدنية، وكيف نشأت الحركة النقابية في القرية، وكيف قاد العمال إضرابات واحتجاجات للمطالبة بتحسين أوضاعهم . ثم يسرد في أسلوب السهل الممتنع، ردود فعل  مسؤولي السلطات المحلية  الشركة المشغلة، وكيف كانوا يواجهون هذه الاحتجاجات  بالقمع والعنف، مما يفاقم  من مظاهر الظلم والمعاناة.

والواقع أن “جيرميبلادن” ليست مجرد سيرة ذاتية، بل هي رواية عن الذاكرة الفردية والجماعية لفضاء جغرافي، وتوثيقاً تاريخياً واجتماعياً لتجمع سكاني ولفضاء جغرافي يتمثل في قرية منجمية،  وهي أيضا رسالة أمل ومقاومة لمن يعانون من الظلم والاستغلال.

ويقع هذا العمل الإبداعي في  عدد الصفحات 300 صفحة/ من تقديم الصحفي والكاتب لحسن العسيبي. وتزين غلافه لوحة للكاتب والفنان التشكيلي أحمد جاريد، وقد صدر عن  دار النشر السليكي أخوين، وسيتم توقيعه  يوم السبت 9 ماي 2026 ابتداء من الساعة الثالثة بعد الزوال (س 3) قاعةC رواق C30. بفضاء المعرض الدولي للكتاب بالرباط.

وكتب  الصحفي والكاتب لحسن العسيبي في تقديمه  لهذه السيرة الروائية، مبرزا أن “هذا نص لا يمكن إلا أن تقرأه بمتعة، لأنه صادق..

الصدق آت من أنه شهادة عن تجربة حياة في زمن مغربي، وضمن مكان مغربي في الخمسين سنة الماضية..

متعة القراءة الأخرى آتية من تعدد الأصوات الضاجة في هذا النص، حيث يجد فيه كل القراء بتعدد مرجعياتهم وأهدافهم ما يريحهم ويرضي فضولهم وأفق انتظاراتهم.. فهو نص يهب للقارئ العادي الباحث عن الاكتشاف ومتعة التلقي ما يحتاجه من تفاصيل أمكنة وأحداث وشخوص، على قدر ما يوفر للباحث الأكاديمي (اللساني اللغوي/ عالم الاجتماع/ الأنثربولوجي/ المؤرخ) مادة غنية من البناء المعلوماتي المفضي إلى إعادة بناء معنى مغربي كتجربة حياة بقاموسها اللسني المختلف، ببنائها الاجتماعي العمالي القروي المتمايز، بمعلومات الأحداث المؤرخة لمراحل تطور ذهنية جماعية من ضمن المجال المغربي الممتد حضاريا، ثم أخيرا قصص مقاومة لمحاولة عيش لشريحة اجتماعية من القاع..

أول ما أثارني في نص “جيرميبلادن” هو التقاطع الكبير مع نصوص أدبية عالمية موضوعها عوالم مناجم العمال، أولئك النازلون إلى العالم السفلي للأرض وللوجود وللحياة.. حيث لا تستطيع الفكاك من المقارنة مع رواية “جيرمينال” للفرنسي إميل زولا والكثير من كتابات ونصوص فيكتور هوغو (نصير البؤساء)، وكذا جزء وفير من كتابات “الأم جونز” تلك الزعيمة النقابية العمالية الأمريكية بمناجم كاليفورنيا في النصف الأول من القرن العشرين.. (من هنا الإشتقاق الذكي للعنوان “جيرميبلادن”)..

هذا نص من القاع.. من عمق المناجم نعم، لكن أيضا عمق تجربة حياة مغربية مقاومة لاستحقاق مكان تحت الشمس بكرامة..

إنها أيضا كتابةٌ تُعلي من قيمة “أدب المناجم” مغربيا التي هي أصلا نوع إبداعي قليل بل نادر..

ها هنا تكمن متعة القراءة في “جيرميبلادن” على القدر نفسه الذي تكمن جرأته واختلافه وإضافته النوعية..

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات