قراءة في الجزء الخامس لكتاب : “ذاكرة هوية ووطن. . “مذكرات من الداخلة “

قراءة في الجزء الخامس لكتاب : “ذاكرة هوية ووطن. . “مذكرات من الداخلة “

شارك الإعلامي والباحث عبد الفتاح الصادقي في فعاليات  تقديم الجزء الخامس لكتاب : “ذاكرة هوية ووطن. . “مذكرات من الداخلة ” ؛ لمؤلفه الأستاذ/ الكاتب الحسن لحويدك الذي احتضنته المكتبة الوطنية للمملكة المغربية ، بقاعة الندوات في إطار البرمجة الثقافية للمكتبة الوطنية لهذه السنة ، يوم الأربعاء 19 نونبر 2025 ، في مايلي نص الكلمة:

يشرفني أن أتناول الكلمة في هذا اللقاء الذي يصادف احتفالات الشعب المغربي عبر مختلف ربوع المملكة، بحدث عظيم يتمثل في المسيرة الخضراء المظفرة، وهو لقاء يحتفي بمؤلف فريد من نوعه:  «ذاكرة هوية ووطن… مذكّرات من الداخلة»، الذي لا شك أنه يشكل إضافة نوعية في المكتبة الوطنية، ليس فقط من حيث موضوعه المرتبط بسؤال الذاكرة والهوية والانتماء، ولكن أيضاً من حيث الشخصية التي تقف خلفه، والتي تضفي على العمل عمقه الإنساني وصدقه الوطني. فالكتاب ليس مجرد سرد لوقائع تاريخية، ولا هو مجرد تجميع لذكريات متفرقة؛ إنه شهادة حية يقدّمها رجل حمل على عاتقه مسؤولية نقل ما عاشه ورآه وواكبه في لحظات دقيقة من تاريخ  جهة الداخلة وادي الذهب  ومن مسار القضية الوطنية ككل.

انطلاقا مما سبق ذكره، سأحاول في هذه الكلمة الوقوف عند جانبين مترابطين:

الجانب الأول يهم شخصية الكاتب المعروف لدى سكان الداخلة بكون يتميز بالعصامية والمثابرة والاجتهاد والانخراط في خدمة قضايا و طنه وأمته..

والجانب الثاني يهم مضمون الكتاب الذي يمكن القول إنه ينتمي إلى صنف السهل الممتنع في الكتابة، وتسجيله لتفاصيل الأحداث والوقائع المتعلقة بالتطورات التي تشهدها قضية الوحدة الترابية للمملكة من خلال جهة الداخلة وادي الذهب.

أولاً: شخصية الكاتب… العصامية والمثابرة والانتماء للوطن .

إن الحديث عن هذا الكتاب يستدعي أولاً التوقف عند صاحبه، فشخصيته جزء لا يتجزأ من قيمة العمل. إنّ الكاتب الأستاذ الحسن لحويدك، نموذج واضح للعصامية والتواضع والطيبوبة . فقد بنى مساره لبنة تلو أخرى، معتمداً على عزيمته وإرادته الذاتية، وليس على اختيار السبل المختصرة والسهلة. هذه العصامية والتواضع والطيبوبة، ليست مجرد صفة عابرة، بل هي منهج حياة، تظهر في مساره العملي، في طريقة اشتغاله، وفي علاقته اليومية مع الناس،  وفي قدرته على تحويل التجربة الفردية إلى قيمة مشتركة.

ويمتاز الكاتب أيضاً بروح المثابرة التي جعلته يمضي بثبات رغم الصعوبات. فهو من أولئك الذين يؤمنون بأن خدمة الوطن ليست شعاراً، بل التزام يومي يتجلى في الوفاء، وفي أداء الواجب، وفي احترام قيم الدولة والمؤسسات. وقد عرف عنه، بين من اشتغلوا معه أو عرفوه عن قرب، إخلاصه لقضايا أمته، وحرصه الدائم على المساهمة في تثبيت قيم المواطنة، وفي الدفاع عن الثوابت الوطنية وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية.

إنّ هذا المزج بين العصامية والالتزام الوطني هو ما يمنح الكتاب صدقه. فحين يكتب، فإنه لا يعمل من موقع المتفرج أو الباحث من بعيد، بل من موقع الشاهد المنتمي، الذي عاش الأحداث وعايش تفاصيلها، والذي يدرك عمق الارتباط بين الإنسان وأرضه وبين الذاكرة والهُوية وبين الوطن وأبنائه.

 ثانياً: مضمون الكتاب… السهل الممتنع وذاكرة الأحداث .

يمكن القول إن هذا الكتاب ينتمي إلى صنف «السهل الممتنع» في الكتابة . فقد تم إعداده  بلغة سهلة سلسة وجميلة، لكن في الوقت نفسه محمّل بالدلالات، غني بالوقائع، وقادر على نقل القارئ إلى قلب الأحداث دون تعقيد أو إغراق في البديعيات والمنمقات. إنّ تجميع ما نشر وبساطة الأسلوب المعتمد هنا ليست ضعفاً، بل هي عنصر قوة في هذا النوع من الكتابة، لأنها تمكّن القارئ العادي والمتخصص معاً من فهم العمق التاريخي والسياسي لما يرغب فيه الكاتب.

وأهم ما يميّز مضمون الكتاب هو دقته في تسجيل تفاصيل الأحداث والوقائع المرتبطة بالتطورات التي شهدتها وتشهدها قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية، انطلاقاً من جهة الداخلة وادي الذهب. فالكتاب يقدم من خلال تجميع ما تم نشره، شهادات حية عن محطات مفصلية، وعن تحولات عاشتها الجهة، سواء على المستوى الأمني أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي. وهو يعرض هذه الوقائع بعين من عاشها، وبروح من يدرك أن حفظ الذاكرة ليس ترفاً معرفياً، بل هو واجب وطني.

رصد التطور اللافت الذي عرفته جهة الداخلة وادي الذهب

كما يتيح الكتاب للقارئ الاطلاع على التطور السريع واللافت الذي عرفته جهة الداخلة وادي الذهب خلال العقود الأخيرة، وكيف أصبحت نموذجاً للاستقرار والتنمية، وواجهة أمامية لتجسيد سياسة المغرب الثابتة في الدفاع عن وحدته الترابية وتعزيز حضوره في أقاليمه الجنوبية. وتبرز في ثنايا الكتاب بمختلف أجزائه إشارات دقيقة حول تفاعل السكان، وتطور المؤسسات، والمسار الطويل الذي قطعته الدولة لتعزيز التنمية والارتقاء بالإنسان في هذه الربوع العزيزة من الوطن.

إن الأستاذ الحسن لحويدك يقدّم  هذه الحقائق بموضوعية وشجاعة، دون ادعاء بطولة ودون مبالغة في الشكل أو المضمون. بل يكتفي بأن يكون شاهداً ومسجلاً وأميناً على الذاكرة، وهو ما يجعل الكتاب قيمة توثيقية ومعرفية، بقدر ما هو شهادة إنسانية ووطنية.

وكخلاصة يمكن القول إنّ «ذاكرة هوية ووطن… مذكّرات من الداخلة» ليس فقط كتاباً في السّير أو المذكرات، بل هو جسر يصل بين الفرد والوطن، بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة الخاصة والذاكرة الجماعية. إنه دعوة للتأمل، ولإدراك أن الهوية تُبنى عبر تراكم التجارب، وأن الوطن يحيا بمثل هؤلاء الرجال الذين لا يسعون إلى الشهرة ولكنهم يشتغلون بإخلاص. وبذلك، فإن هذا الكتاب يقدّم إضافة حقيقية لمن أراد أن يفهم تاريخ جهة الداخلة وادي الذهب، ومسار القضية الوطنية، وقيمة الإنسان المنتمي لوطنه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات