الدكتور إدريس قريش *
لقد شكلت أحداث السابع من اكتوبر منعطفا حاسما أعاد الشرق الأوسط إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعد فترة شهدت فيها المنطقة تراجعا في الاهتمام الغربي نتيجة انشغال القوى الكبرى بحرب أوكرانيا، مما حول مركز الثقل الدولي الى أوروبا الشرقية.
وأقر بان هذا التحول كان له اثر بالغ الخطورة على العلاقات الدولية، إذ أدى الى فقدان الشرق الأوسط جزءا من شرعيته التاريخية، واضعف مكانته الاستراتيجية ولم يعد يحتل نفس الأولوية في حسابات القوى العظمى. وكنت قد رصدت هذا الاختلال في كتابي ” التأصيل الدبلوماسي بين النظرية والممارسة” يوليوز 2022 .
إن هذا التحول سرعان ما كشف عن محدوديته، حيث أظهرت التطورات اللاحقة، وعلى رأسها السابع من اكتوبر أن الشرق الأوسط لا يمكن تجاوزه او تهميشه، وأن استقراره يظل شرطا أساسيا لاستقرار النظام برمته .
فالشرق الأوسط ليس مجرد مجال جغرافي تتقاطع فيه المصالح، بل هو فضاء ذو حمولة إستراتيجية وحضارية فريدة. إنه نقطة التقاء القارات، وخزان الطاقة العالمي، وممر التجارة الدولية. كما أنه مهد الرسالات السماوية وأرض البعث والتنزيل، بما يحمله ذلك من رمزية عميقة تؤطر قيم الأمن والخير والسلام في بعدها الإنساني الشامل، وأي اضطراب في توازناته سرعان ما يتجاوز حدوده ليطال الأمن والاستقرار العالميين .
ويروى، في هذا السياق ، ان القيصرة الروسية كاترين الثانية – التي حكمت روسيا من عام 1762 حتى 1796، وكانت واحدة من أكثر الشخصيات نفوذًا وإثارة للجدل في التاريخ الأوروبي – خلال إحدى رحلاتها البحرية نحو ايطاليا، تساءلت عن سر اختيار هذه المنطقة تحديدا لاحتضان الرسالات السماوية، وقد خلصت، وفق هذا التصور، إلى ان تعقيد مجتمعاتها وتشابك بنياتها يجعلها مجالا دائما للتفاعل والتوتر، وأن من ينجح في فهمها واحتواءها يمتلك مفاتيح التأثير في موازين القوى العالمية. وهي قناعة لم تظل حاضرة في الرؤية الاستراتيجية الروسية فحسب ، بل امتدت لتشمل مجمل تصورات القوى العظمى في صراعها الدولي الى يومنا هذا.
لقد حولت حرب اوكرانيا انظار العالم عن المنطقة ، تاركة فراغا استراتيجيا استغله الإيرانيون سريعا بامتداد نفوذهم وتحرك شبكاتهم لملئ الساحة.
فإيران اليوم ليست مجرد قوة إقليمية بل عقيدة تصدير الثورة الدينية المذهبية التي تشبثت بها . وهي اخطر بكثير من أي إيديولوجية عابرة . تأثيرها يمتد على الأمن الروحي والأمن القومي لكل دول المنطقة، بما فبها روسيا ، وهو ما يفسر تحفظ الأخيرة عن تقديم دعم كامل لإيران في مسعاها نحو القوة النووية رغم صراعها مع الغرب .
ونتيجة للتوغل الايراني وتعزيز نفوذ طهران في المنطقة ومن ذلك محاولتها الحد من مسارات التقارب بين بعض دول المنطقة واسرائيل، جاء السابع من اكتوبر ليعيد الاعتبار للشرق الأوسط في الحسابات الدولية ، لكنه فعل ذلك بثمن باهظ جدا من التوتر والدمار ، حيث انتقلت المنطقة في لحظة واحدة من هامش الاهتمام إلى مركز العاصفة، مرورا بمذبحة غزة ووصولا إلى الحرب مع ايران.
في هذا السياق، يظهر الدور الإيراني كأحد أبرز المحددات في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي، وهو ما يثير مخاوف متزايدة لدى دول المنطقة التي ترى في ذلك تهديدا لتوازنها وأمنها.
وقد وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة اكثر تعقيدا، إذ عليها احتواء التمدد الايراني المتزايد في ظل تعنت طهران في حساباتها الاستراتيجية. وقد أدى هذا الوضع إلى اندلاع مواجهة مباشرة في إطار حرص الولايات المتحدة على حماية أمن واستقرار حلفائها في الخليج واحتواء التمدد الايراني الذي بات يشكل تهديدا للتوازن الإقليمي.
وتعيد هذه الأحداث طرح سؤال جوهري حول طبيعة الحرب الراهنة : هل نحن أمام أزمة ظرفية يمكن احتوائها ام أننا أمام عملية إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى الإقليمية والدولية؟
إن التطور الأبرز يتمثل إذن في الانتقال من منطق التوتر غير المباشر إلى اندلاع مواجهة مفتوحة ببن الولايات المتحدة وإيران، وهو تحول نوعي يحمل في طياته مخاطر إعادة تشكيل المشهد الإقليمي برمته . فهذه المواجهة لا تقتصر على بعدها الثنائي، بل تنطوي على توسعها عبر انخراط الأطراف الموالية لإيران، وتشكل المثلث: ايران حزب الله والحوثيون لتكون تطويقا شبه مغلق لمضيق هرمز ليحمل انعكاسات عالمية .
ويظل مضيق هرمز في صلب هذه المعادلة باعتباره شريان حيويا للطاقة العالمية، حيث إن اي اضطراب في أمنه قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، وإحداث صدمات اقتصادية تمتد آثارها عبر العالم .
كما تكشف هذه التطورات عن تباينات داخل المنظومة الغربية نفسها، حيث أبدت بعض الدول، خاصة داخل حلف الناتو، تحفظها من الانخراط في هذا التصعيد، وهو ما يشكل اعلانا صريحا عن فقدان التماسك داخل مكونات حلف شمال الأطلسي، مما قد يترتب عليه تداعيات على التحالف الغربي برمته، وهو ما تسعى روسيا والصين إلى استغلاله في إطار سعيهما لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية، وتعزيز نفوذهما الاستراتيجي في إطار عالم متعدد الأقطاب.
وعلى الصعيد الإقليمي يظل المغرب وفيا لثوابته الراسخة، إذ يعتبر أمن أشقائه في الخليج جزءا لا يتجزأ من أمنه القومي، مع تمسكه بخيار التوازن والدعوة إلى الحلول السلمية القائمة على الحوار واحترام سيادة الدول، بما يعزز موقعه كفاعل متزن ومسؤول في محيطه الإقليمي والدولي.
إن الخلاصة التي تفرض نفسها اليوم هي أن الشرق الأوسط سيظل رغم كل التحولات، مركزا حاسما في معادلة الأمن الدولي . وان هذه المنطقة ليست فقط مجالا للصراع بل فضاء لإعادة تشكيل التوازنات الدولية وضرورة إستراتيجية لضمان الاستقرار العالمي.
*خبير في العلاقات الدولية والسياسية الخارجية










