دور فاعل للنساء في إسناد المجتمع في زمن الكوارث

دور فاعل للنساء في إسناد المجتمع في زمن الكوارث

إعداد: عائشة العبادي

عند وقوع الكوارث الطبيعية، لا تكشف تداعياتها حجم الخسائر فحسب، بل تميط اللثام عن كيفية استجابة المجتمعات في مواجهة الأزمات، وهنا يبرز دور النساء في معادلة الإسناد المجتمعي؛ حيث يضعن بصمتهن، كل من موقعها، ويسهمن بشكل فاعل في جهود مواجهة واحتواء آثار الكوارث.

ولئن كانت مواجهة هذه الكوارث تتطلب تكاثفا وانصهارا بين بنى المجتمع، فإنها تطرح في الآن ذاته تساؤلات حول التمثلات الاجتماعية لأدوار النساء في سياق الأزمات الطبيعية، في ضوء تصورات نمطية تحصرها ضمن إطار تقليدي، والحال أن التجارب تكشف عن حضور نسائي نوعي يتجاوز أدوار الدعم إلى المشاركة الفعالة قيادة وتنظيما وتنسيقا ومبادرة.

وخلال الفيضانات الأخيرة التي تواترت في عدد من مناطق المغرب لا سيما في شماله، برزت في الواجهة نساء انهمكن في سعي دؤوب لمؤازرة المتضررين يصلن الليل بالنهار طوال أسابيع للوقوف على عمليات تشمل إدارة التدخلات الطبية وقيادة جهود جمع وإيصال المعونات ضمن العمل الجمعوي.

مع بدء أولى نذر الفيضانات الأخيرة التي ضربت القصر الكبير بالقرب من العرائش، آثرت الطبيبة المختصة في علم الأوبئة، لبنى الهاني، البقاء للمشاركة في تدبير تداعيات الفيضانات من خلال تنقلها ميدانيا بين مراكز الإيواء، حيث واظبت على القيام بزيارات ميدانية منتظمة لمراكز الإيواء لتقديم استشارات طبية ولتتبع الحالات المصابة بأمراض مزمنة وتلقيح الأطفال ومراقبة الوضع الوبائي وتوزيع الأدوية، مع تنسيق مستمر بين السلطات المحلية والإدارة الصحية لضمان انسيابية العمل وتلبية الحاجيات المستعجلة للسكان.

وأوضحت لبنى التي لم تأل جهدا في دعم المتضررين، أن قرارها البقاء في الميدان نابع من دافعين رئيسيين؛ أولهما وازع إنساني وأخلاقي راسخ في الثقافة المغربية، حيث يتجلى التضامن المجتمعي بوضوح في أوقات الشدة، كما حدث في زلزال الحوز، أما الدافع الثاني فهو مهني، معتبرة أن الأطر الصحية اعتادت على تلبية نداء الواجب في مختلف الأزمات، كما كان الحال عليه خلال جائحة كورونا، بل إن الأمر يتجاوز أحيانا مجرد الاستجابة الرسمية ليصل إلى مبادرات فردية تطوعية.

واستعادت الطبيبة بتأثر قصص بعض من زميلاتها اللائي رافقنها في الميدان، من بينهن طبيبة عاملة في مركز علاج الإدمان كانت تصر، بعد نهاية عملها في المركز، على الالتحاق بالفريق لمساعدته في متابعة الحالات النفسية للأشخاص في مراكز الإيواء، إلى جانب ممرضة مسؤولة عن برنامج الصحة النفسية قامت بمجهود كبير وأصرت على تتبع بعض الحالات في مركز الإيواء إلى وقت متأخر من المساء، رغم التعب ومسؤولياتها الأسرية.

كما توقفت، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، عند عطاء ممرضة شابة كانت ترافق الفريق لساعات طوال، متنقلة بين مراكز الإيواء، دون أن يعلم أحد في البداية أنها حامل. كانت تتحامل على التعب بل وتخصص أيام عطلتها لإيصال الأدوية إلى المتضررين. ثم عرجت على دور مساعدة اجتماعية ساهمت في توفير ملابس وحليب للأطفال لفائدة عائلات أجليت بشكل مفاجئ، وكذا ممرضات يعملن في القرى المجاورة لكنهن آثرن التطوع مع الفريق ودعمه.

وترى لبنى أن وجود المرأة، خصوصا الطبيبة، في قلب الأزمات ليس شكليا، بل ضرورة إنسانية ومهنية، مسجلة أن المرأة تشكل مصدر طمأنينة ودعم نفسي، لاسيما للفئات الهشة، ولا يقتصر دورها على تقديم العلاج، بل يمتد إلى الإسناد النفسي والاجتماعي، مستثمرة ما تتيحه طبيعة التواصل بين النساء من ثقة وارتياح، لاسيما لدى الحوامل.

وسجلت أن المرأة المغربية لا تتوانى عن تلبية نداء الواجب خلال الكوارث والأزمات بروح بذل استثنائية، مؤكدة أن المرأة دائما ما تضيف لمستها الإنسانية التي تتجاوز حدود التكليف المهني.

أما الفاعلة الجمعوية ورئيسة جمعية “يلاه نتعاونو” نوال الفيلالي، فقد خبرت ميدان الكوارث بدءا بزلزال الحوز وصولا إلى الفيضانات الأخيرة، وراكمت تجربة إنسانية وقيادية في العمل الجمعوي الذي يعد بالنسبة لها رسالة حياة اختارت أن تكرس لها وقتها وجهدها.

خلال الفيضانات الأخيرة، خاصة بمدينة القصر الكبير، كان حضورها الميداني لافتا، حيث قادت عمليات لجمع وتوزيع المساعدات، وساهمت في التحسيس بخطورة الوضع، كما وفرت وسائل نقل مجانية لإجلاء الأسر نحو مناطق آمنة.

استحضرت نوال في تصريح مماثل واحدة من أصعب اللحظات التي عاشتها خلال الفيضانات حين كانت وسط السيول، غير مكترثة بالمخاطر، التي هانت أمام نظرات الهلع في عيون الأسر الحائرة. كان التحدي الأكبر بالنسبة لها يتمثل في إقناع الناس بخطورة الوضع وضرورة إخلاء المنازل، حفظا للأرواح التي سطرتها السلطات أولوية الأولويات.

وأكدت أن وجود النساء في الصفوف الأمامية خلال الكوارث لم يعد استثناء، بل ضرورة، لافتة إلى أنها حين تلمس أثر عملها على الناس، تدرك أن كل ذلك العناء ليس هدرا.

واعتبرت الفيلالي أن الصبر كلمة السر في العمل الميداني، مؤكدة أن التجارب القاسية تصقل الإنسان وتدفعه إلى لحظة الحسم بين الاستمرار و الاستسلام. هي عزمت على المضي قدما، إيمانا بأن التضامن فعل إنساني يتجاوز كل الصور النمطية.

بهذه الروح، أصبحت نوال الفيلالي مصدر إلهام لسيدات مغربيات، وكسرت، مع نظيرات لها، الذكورية الموهومة للعمل الاجتماعي خلال الكوارث. تقول إن الكثير من النساء تحمسن لرفع التحدي وهن يرون امرأة تصعد الجبال، تشرف على حفر بئر، تعمل ليلا، تقود فريقا من النساء والرجال بتنسيق محكم. النماذج كثيرة وملهمة.

وبينما تكشف هذه التجارب عن حضور إنساني فاعل في مجالات تدخل مختلفة خلال الكوارث، إلا أن أدوار النساء في سياقات الأزمات تنطوي في الغالب على مفهوم نمطي يكرس أدوارهن في الرعاية والدعم، ويتجاهل جدارتهن بتولي أدوار قيادية وميدانية فاعلة.

في هذا الإطار، يؤكد أستاذ علم النفس الاجتماعي، محسن بنزاكور، أن التمثلات الاجتماعية السائدة حول أدوار المرأة خلال الكوارث تؤطرها ضمن أدوار محددة تتسم بالتقليدية حيث يتم حصر دورها في مهام الرعاية كإعداد الطعام والعناية بالأطفال، موضحا أن هذا ما يجعل الفكر الجمعي يغفل عن مشاركتها بفعالية في اتخاذ القرار والتخطيط لمواجهة الكوارث.

وسلط الباحث الضوء على تصوير المرأة في المخيال المجتمعي كحلقة ضعيفة، وكائن يحتاج للحماية، وبالتالي يتم تجاهل أدوارها الحقيقية لاسيما أثناء الكوارث، لافتا في هذا السياق إلى أن الإعلام يكرس هذه النظرة النمطية بتركيزه في تغطية الكوارث على إظهار النساء غالبا كضحايا، دون إبراز أدوارهن كفاعلات أساسيات في مواجهة الكوارث.

وفي المقابل، أبرز بنزاكور أن المرأة أثبتت قدرتها على إدارة الأزمات داخل الأسرة وتعزيز التضامن في المجتمع، مسجلا أن استجابة النساء غالبا ما تميل للعمل الجماعي بعيدا عن الفكر “البطولي الفردي”، كما أنها أكثر شمولية بمراعاتها لاحتياجات جميع أفراد الأسرة وتركيزها على استمرار الحياة الطبيعية للمجتمع.

على غرار لبنى ونوال تتواتر قصص نساء أخريات يتداعين لإسناد مجتمعاتهن خلال الأزمات، ليثبتن أن أدوار النساء خلال هذه الأزمات تتجاوز المفهوم التقليدي، فهن لسن نصف المجتمع فحسب، بل هن “نصف الحل” في زمن الكوارث.

ومع   

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات