عبدالفتاح الصادقي
يشير مفهوم “مغالطة التكاليف الغارقة” إلى النفقات السابقة بمختلف أشكالها المادية والمعنوية التي قامت بها جهمة سواء كانت دولة أو مؤسسة أوشخصا، والتي لا ينبغي، منطقياً، التشبث بها من أجل تحديد القرارات والاختيارات المستقبلية. وهو مفهوم ينطبق تماما على قادة الجزائر الذين يختارون نهجا واضحاً نحو إطالة أمد السياسات المكلفة لمجرد أن الاستثمارات الضخمة السابقة أو اعتبارات الشرف الوطني “النيف الجزائري” تجعل الانسحاب منها أمراً غير ممكن سياسياً. وخاصة ما يتعلق بسياسة الجزائر تجاه قضية الصحراء المغربية، والخيارات الدبلوماسية مع العديد من الدول كفرنسا و الإمارات العربية المتحدة، وكذا تدبير الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الداخلية.
ويعتبر إقدام قادة الجزائر على تأسيس ما يسمى “اتحادية كرة القدم” للجمهورية الوهمية واحدا من آخر فصول المسلسل الدراماتيكي لمفهوم ” مغالطة التكاليف الغارقة “، والأدهى والغريب أن ذلك يتم بشكل معاكس تماما لمنطق التاريخ وللقرار الأممي 2797 الذي يؤكد على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، كأساس حصري للتسوية النهائية للنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، كما أن سلوك الجزائر متناقض، بشكل واضح، مع أهداف المحادثات الجارية حول تنفيذ هذا القرار بمشاركة الأطراف الأربعة ، منها الجزائر نفسها، بما يعني أن الحديث عن اتحادية كرة القدم لدولة وهمية لم يعد جدوى، لأن الحديث عن الدولة الوهمية أصبح من أوهام الماضي ..
إن قادة الجزائر غارقون، منذ أكثر من خمسة عقود، في سياسات خاطئة، ينفقون الأموال الطائلة من أجل مشروع يدركون جيدا أنه فاشل، ويعرفون أن الاستمرار فيه أمر غير معقول، وعلى الرغم من ذلك يواصلون المسير نحو المنحدر، وحال ولسان حالهم يقول: «لقد خسرنا أكثر من 500 مليار دولار، واضعنا خمسين سنة من “الكفاح” من أجل “شعار تقرير المصير”، ووظفنا ذكاءا خارقا من أجل إقناع الشعب الجزائري بوهم العدو الخارجي، وسيكون من الخطأ التخلِّي عن كل ذلك الآن.» إنه “النيف الجزائري”، إنها “مغالطة التكلفة الغارقة”..
الكلفة الباهظة لسياسة دعم الانفصال
على مدى عقود، قدمت الجزائر دعمًا سياسيًا ودبلوماسيا وماديًا وعسكريا لجبهة البوليساريو الانفصالية، ودافعت عن تصور انتقائي وانتهازي وعنيف لمبدأ تقرير المصير بخصوص الصحراء المغربية. وكان هذا الموقف مدفوعًا في البداية باعتبارات أيديولوجية وسياسية دولية وإقليمية، حيث الرغبة في التموقع ضمن اختيارات المعسكر الاشتراكي المنهار، ومناهضة الامبريالية، والتضامن المناهض للاستعمار، و السعي إلى ترسيخ مكانة الجزائر ضمن العالم النامي، وهو تصور انتقائي وانتهازي لأن النظام السياسي الجزائري ربطه بملف الصحراء الغربية المغربية، دون غيره من الملفات سواء كانت داخلية أو خارجية، وتأكدت هذه الانتقاقية في تصريحات المسؤولين منذ الرئيس الأسبق هواري بومدين وصولا إلى التأويل الذي قام به البرلمان الجزائري لمضمون المادة 32 من الدستور، وهو تصور ارتكز على إنفاق أموال طائلة في إطار استثمار استراتيجي ورمزي كبير، تمثل في تمويل معسكرات التدريب حركة البوليساريو الانفصالية، والتسليح والدعم الدبلوماسي، وتمويل الحملات الإعلامية لتوتير العلاقات الثنائية مع المملكة المغربية والدعم الدبلوماسي الكبير حيث احتل الدفاع عن ” الاستفتاء تقرير المصير” أولوية في السياسة الخارجية الجزائرية، تسبق أولويات الشعب الجزائري .
التكاليف الإضافية
ويظهر أن الوضع الراهن فرض تكاليف اقتصادية ودبلوماسية إضافية على الجزائر، تمثلت في اشتداد عزلتها الإقليمية، وفقدانها للفرص التجارية، وانغماسها في عسكرة الحدود، دون تحقيق أي نتائج أو مكتسبات لفائدة الشعب الجزائري.
ويُعزى استمرار هذا الخيار إلى الصعوبة السياسية في اعتراف قادة الجزائر بـالاختيارات الخاطئة و”العودة إلى الخلف” أو على الأقل تغيير وجهة القطار الذي بات واضحا أنه يتوجه نحو المجهول، بعد عقود من الالتزام، وهو ما يطلق عليه تحديدًا مغالطة التكاليف الغارقة أي منطق “النيف” بالمفهوم الجزائري الذي انتقل استعماله من الأوساط الشعبية إلى أصحاب القرار .
الإنفاق الخاسر على الدبلوماسية
والواقع أن مفهوم “مغالطة التكاليف الغارقة” لا يقتصر على الحروب المباشرة أو تلك التي تخاض بالوكالة، بل يفسر أيضًا حالات الانهيار الدبلوماسي أو التوجه نحو تأزيم العلاقات مع الدول الأخرى والإمعان في رفض أي تحسن أو انفراج في هذه العلاقات. فقد أدى إغلاق الحدود مع المغرب وتكرار الاتهامات المجانية إلى ترسيخ مواقف كان من الممكن أن تتطور نحو تعاون اقتصادي إقليمي. إلا أن المؤشرات الحديثة تدل على أن قادة الجزائر يحاولون البحث عن مخارج لإعادة التوازن في علاقاتهم مع القوى الاخرى، بما يُساهم في خفض التوتر القائم بين منطق “النيفالجزائري” أي عدم الاستسلام، والحاجة العملية إلى خفض التكاليف المتزايدة.
“مغالطة التكاليف الغارقة” على الصعيد الداخلي
لطالما برِّر قادة الجزائر، تراكم الإنفاق بالنسبة لنظام الإعانات، والحفاظ على نموذج اقتصادي ريعي يعتمد على النفط، والإنفاق العام الذي لم يشهد إصلاحات تُذكر، باسم ضمان الحماية الاجتماعية والاستقرار الداخلي. والحقيقة أنه عندما تتضاءل عائدات النفط، وتتقلص الاحتياطيات، ويغرق الاقتصاد في الأزمة، يصبح الاستمرار في التشبث ب”مغالطة التكاليف الغارقة” شكلا من أشكال الانتحار السياسي، ويصبح تبني سياسات غير فعّالة، مكلفًا جدا، حاليا ومستقبلا، ليس فقط من الناحية المالية، بل من الناجية الاجتماعية، وأيضًا من ناحية الشرعية السياسية. ذلك أن “الجزائر الحديثة” مهددة بخطر حدوث أزمة اقتصادية غير مسبوقة وانفجار اجتماعي يأتي على الأخضر واليابس، إذا لم يسرع المتحكمون في دواليب السلطة إلى إجراء إصلاحات هيكلية، والاعتراف بأن “الاستثمارات” السابقة لم تُحقق النتائج المرجوة.
عواقب “مغالطة التكاليف الغارقة”
لا شك أن التشبث بسياسة “مغالطة التكاليف الغارقة” يتسبب في عواقب وخيمة، حيث يؤدي إلى تأزيم متزايد للوضع الاقتصادي ، واشتداد العزلة الدبلوماسية و ضياع فرص التعاون الإقليمي والدولي، وتفاقم التوترات الداخلية بالجزائر. وعلى المدى البعيد، يكمن الخطر في انعدام الوضوح بخصوص الاختيارات الاستراتيجية ذلك أنه كلما زاد الاستثمار انطلاقا من “مغالطة التكاليف الغارقة” للحفاظ على ماء الوجه، ضعفت الموارد المتاحة للابتكار أو تغيير المسار للتوجه نحو المستقبل .
الحاجة إلى إعادة النظر
لا مجال أمام اصحاب القرار في الجزائر سوى العمل من أجل إعادة التقييم القابل للتدقيق وتشكيل لجان مستقلة تضم خبراء وطنيين ودوليين، لتحديد طبيعة التكاليف والفوائد الحقيقية للسياسات الرئيسية التي تم نهجها حتى الآن والتي همت بالدرجة الأولى ملفات الصحراء، والدعم الريعي، والإنفاق العام ، وخاصة في بعده العسكري، حيث يمكن أن تكون النتائج بمثابة خارطة طريق عامة لضمان الانسحاب التدريجي والمنظم من سياسة “مغالطة التكاليف الغارقة.”
وعلى هذا الأساس ينبغي على قادة الجزائر أن يقتنعوا بأن الاستمرار في هذه السياسة يُعدّ بمثابة رمي النفس في التهلكة، ورهن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي والدبلوماسي للبلاد بشعارات عفا عنها الزمن، وأن الضرورة تقتضي التخلي عن هذه السياسة، لأن ذلك يعد فعلا شجاعا وليس موقفا مُذِلاًّ ..
إعلامي وباحث في القانون العام والعلوم السياسية









