المدن الأكثر مغربية في العالم: تونس وفن التعايش
تبدو تونس، للوهلة الأولى، وكأنها شقيقة هادئة للمغرب. فهي لا تملك روعة مراكش أو عظمة فاس، لكنها تتمتع برقة الزمن المتوقف وحماسة الزمن الممتد، وبجمال مدينة تعيش بين التاريخ والحداثة.
جدرانها البيضاء وأبوابها الزرقاء وأسواقها المعطرة بالياسمين والجلد تستحضر، في كل زاوية من زوايا الشوارع، أجواء المدينة القديمة المغربية. لكن تونس هي أيضاً روح: روح التعايش والتسامح واللقاء.
ولعل هذا ما يجعلها واحدة من أكثر المدن المغربية في العالم، ليس بالدم، بل بالروح.
مدينة قديمة تعكس المغرب
تُعدّ مدينة تونس القديمة، المدرجة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، جوهرة حضرية حقيقية. فهي مبنية من نفس النسيج المتماسك والحيوي والعضوي الذي تتميز به المدن القديمة في المغرب: شبكة من الأزقة والممرات المسقوفة والفنادق والمساجد.
الألوان هادئة: الأبيض والأزرق والأصفر الفاتح، وهي درجات تذكرنا بشفشاون وأصيلة. في ظل الأسقف المقببة، يسمع المرء صدى الخطوات نفسه، ونداءات الباعة نفسها، وأجراس الحرفيين نفسها. يشعر المسافرون المغاربة على الفور وكأنهم في وطنهم هناك.
إنهم يتعرفون على الهندسة المعمارية، والروائح، والطريقة التي تتلاعب بها الشمس بالبلاط المزجج.
أما الحرفيون التونسيون، من جانبهم، فيتحدثون غالباً عن الأساتذة من فاس وتطوان الذين ما زالوا يستلهمون منهم حتى اليوم.
إن الرابط قديم، يكاد يكون عضوياً: فمنذ القرن التاسع، عززت التبادلات بين البلدين فنًا مشتركًا للجمال والتفاصيل والرقي.
الزليج والأزوليخو: حوار الأنماط
وجدت الزليج المغربية صدىً راقياً في تونس. طور التونسيون أسلوبهم الخاص في صناعة الخزف، وهو أسلوب أكثر ألواناً باستيلية وأكثر إشراقاً، لكن الهندسة ظلت كما هي: النجوم، والزخارف العربية، والأنماط المتشابكة التي تذكرنا بسعي حرفيي المغرب إلى اللانهاية. الزليج التونسي، مثل نظيره المغربي، هو بمثابة صلاة ملونة.
يقوم بتزيين المساجد والمنازل والحمامات، هذه الأماكن اليومية التي تتحول، تحت يد الفنان، إلى مساحات للتأمل.
في بعض ورش العمل في المدينة القديمة، لا يزال الخزافون المهرة يشرحون كيف أثرت التقنيات المغربية على خزف نابل وسيدي بو سعيد. إنه نسب صامت، ينتقل عبر الإيماءات والنار. أبجدية مشتركة من المينا والصبر.
العطور كلغة
في تونس، يُعتبر العطر فناً. تمتلئ الأسواق بالقوارير، والزيوت العطرية، وزيوت الورد، والعنبر، والمسك. إنه عالم مألوف لأي مغربي، فهو يُذكّر بمتاجر مراكش أو فاس.
لكن في تونس، للعطور وظيفة فلسفية تقريباً: فهي ترمز إلى العبور، والأثر، والحوار بين الكائنات.
يتحدث صانعو العطور التونسيون عن تركيباتهم باعتبارها إرثاً روحياً. وهنا أيضاً، يبرز بوضوح الارتباط بفن العطور المغربية، هذا المزيج الرقيق من التجارة والشعر والتصوف.
التعايش والانفتاح
تونس مدينة التقت فيها الحضارات دون أن تدمر بعضها البعض: القرطاجيون، والعرب، والعثمانيون، والأندلسيون، والفرنسيون.
ومن هذا التدرج الطبقي نشأت ثقافة التعايش التي يمكن العثور عليها أيضاً في المغرب في المدن القديمة والزوايا.
في مدينة تونس القديمة، لا يزال المرء يجد المعابد اليهودية والكنائس والمساجد على بعد خطوات قليلة من بعضها البعض، وهو إرث نادر من الانسجام في العالم العربي.
هذا التوازن يذكرنا بالتوازن في المغرب، حيث لا يتم التسامح مع التنوع فحسب، بل يتم اعتباره ميزة.
الحرفية كذاكرة حية
الجلود والنحاس والنسيج والمجوهرات والتطريز: كل هذه الفنون التقليدية هي لغات مشتركة بين تونس والمغرب.
يتحدث الحرفيون التونسيون عن جلود فاس، ويُعجب المغاربة بسجاد القيروان. لا وجود للمنافسة، بل إعجاب متبادل، وإدراك للانتماء إلى سلالة جمالية واحدة.
في الأسواق، لا يزال الشباب يتعلمون إيماءات كبار السن، كما لو أن الزمن هنا اختار ألا يهرب بسرعة كبيرة.
تونس، جسر على البحر الأبيض المتوسط
تُعدّ العاصمة التونسية بوابةً بين الشرق والغرب، مثل طنجة أو الرباط. وقد نجحت في الحفاظ على هويتها مع انخراطها في حوار مع أوروبا.
كثيراً ما يقدم الفنانون المغاربة عروضهم هناك، ويستشهد المفكرون التونسيون بشعراء فاس، ويستمر المثقفون من كلا الضفتين في الحلم بمتوسط البحر الأبيض المتوسط المتصالح.
يبدو ميناء لا غوليت، المواجه للبحر، وكأنه ينتظر ريحاً من الصويرة. ريحاً من الأخوة.
تونس هي ابنة عم المغرب: أكثر تحفظاً، وأكثر تأملاً، ولكنها تنبض بنفس النور الداخلي.
إن فنها في التعايش، وذوقها في التفاصيل، وأسلوب حياتها اللطيف يجعلها أختًا للمملكة الشريفية، أختًا تذكرنا بأن المغرب ليس خريطة سياسية بل هو نفس مشترك.
هشام المنزهي









