المدن الأكثر مغربية في العالم: داكار الامتداد الروحي لفاس
هشام المنزهي

تقع داكار على شواطئ المحيط الأطلسي، وهي مدينة تُحدّق في المحيط ككتاب مفتوح. تحمل الرياح عبير الملح والبخور وكؤوس الشاي المنعنع. تمتزج إيقاعات طبل الصابر مع همسات الأدعية، وفي هذا اللحن، لا يغيب المغرب عن الأنظار.
إن الروابط بين داكار والمغرب قديمة وعميقة وروحية وإنسانية. تمتد هذه الروابط عبر القرون والرمال وطرق القوافل، موحدة شعبين من خلال أخوة صامتة: أخوة الإيمان والتجارة والقلب.
طرق من رمال وذهب
قبل زمن طويل من الإمبراطوريات الاستعمارية، كان المغرب والسنغال بلدين مرتبطين بالفعل بطرق تعبر الصحراء الكبرى. هذه الدروب القديمة، التي سلكتها قوافل الملح والذهب والتوابل، حملت أيضاً الأرواح والأفكار واللغات والمعارف.
من تمبكتو إلى سانت لويس، سافر التجار المغاربة إلى أقصى بقاع غرب إفريقيا، وبنوا شبكة من الثقة والاحترام.
لم تكن حقائبهم تحمل البضائع فحسب، بل كانت تحمل أيضاً الكتب والمخطوطات إلى جانب المشاعر والآهات والصلوات والدعوات. كما سافر الإسلام المغربي، بأبعاده الروحية والمتسامحة، في هذه القوافل.
كانت داكار دائما في قلب هذه الرحلة المستمرة من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال.لقد شكلت التبادلات الاقتصادية قرابة ثقافية لا تزال قائمة حتى اليوم: طريقة التجارة، واستقبال الأجانب، والتعاون والتفاوض بلطف.
إن سوق داكار، بأكشاكه التي تعرض الأقمشة والحناء والمجوهرات، يذكرنا بشكل غريب بأكشاك مراكش أو فاس.
يبتسم التاجر هناك بنفس الصبر الذي يبتسم به شقيقه المغربي، ويختتم كأس الشاي المنعنع كل صفقة بالدفء نفسه.
التأثير الروحي: الطريقة التيجانية، جسر صوفي
لكن الرابط بين المغرب والسنغال يجد أعمق جذوره في الجانب الروحي قبل كل شيء.
حيث تتربع الطريقة التيجانية على عرش الأخوة. إنها واحدة من أكثر الطرق نفوذاً في العالم الإسلامي، التي تأسست على يد سيدي أحمد التيجاني في القرن الثامن عشر في فاس. ومن هناك، انتشرت تعاليمه عبر الصحراء الكبرى إلى السنغال حيث لاقت استجابة حماسية.
حتى اليوم، يعتبر السنغاليون التيجانيون مدينة فاس مدينة مقدسة، ومركزًا للنور الرباني.
وتعتبر رحلات الحج إلى فاس، وبالضبط إلى زاوية سيدي أحمد التيجاني، جزءًا لا يتجزأ من الحياة الروحية للعديد من المؤمنين في السنغال.
لقد اهتم شيوخ الصوفية المغاربة بإشاعة إسلام القلب، القائم على التواضع والمعرفة والتسامح، الداعي إلى التعاون والتآزر.
في داكار، يمكن الشعور بهذا التأثير في الصلوات والأغاني وفي المأكل والملبس، وحتى في طريقة الاحتفال بالأخوة.
خلال رحلات الحج الرئيسية، لا يزال المصلون السنغاليون يرددون أدعية من أصل مغربي، باللغة العربية بلكنة جنوبية خفيفة.
التجارة والذاكرة
كما يحتفظ اقتصاد داكار بآثار هذه التبادلات القديمة. أسست عائلات تجارية، قدمت من المغرب أو الصحراء أو موريتانيا، سلالات محلية. لقد أدخلوا ذوقًا للتجارة الراقية والمنتجات الحرفية والثقة اللفظية التي تُختم بالبسملة.
غالباً ما تستحضر السجاد والفوانيس والمجوهرات الفضية أو أواني الفخار التي تباع في داكار، نماذج من فاس أو تطوان، مع تكييفها مع الحساسيات في غرب إفريقيا.
وهكذا، فإن الثقافة المادية نفسها تحكي قصة هذا التلاحم والروحي والمزج الناجح: ترك المغرب الإيماءات، وأعطتها داكار الألوان.
بين البحر والصحراء: أنفاس كناوة
يجد صوت طبول الصابر في داكار أحيانًا صدى غريبًا في إيقاعات كناوة في المغرب. جلب العبيد المحررون والمسافرون السود من الصحراء الكبرى والموسيقيون المتجولون آلاتهم الإيقاعية وأغانيهم وذاكرتهم المشتركة.
ومن هذا اللقاء نشأت قرابة موسيقية دقيقة: نفس النشوة، نفس الحماس، نفس النداء إلى الإلهي من خلال الرقص.
تتعرف المغرب والسنغال على أنفسهما في هذه الطاقة الروحية والإيقاعية، التي تقع في منتصف الطريق بين الأرض والسماء. واليوم، تساهم التعاونات الفنية بين الصويرة وداكار في استمرار هذا الحوار الموسيقي.
خلال مهرجان كناوة أو مهرجان سان لويس، يؤدي الأساتذة المغاربة والرواة السنغاليون عروضهم معًا، كما لو كانوا يعيدون تمثيل الملحمة التي تعود إلى ألف عام لطريق الذهب والإيمان من خلال الموسيقى.
داكار، مدينة الأنوار والضيافة
داكار عاصمة حديثة نابضة بالحياة، منفتحة على العالم، لكنها لا تزال مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بجذورها الروحية. هناك نجد تلك البركة، تلك الطاقة الخيرة التي تتخلل المدن المغربية أيضاً.
في شوارع مدينة داكار القديمة، وفي مقاهي نغور أو أسواق ساندغا، يشعر المرء بنفس فن العيش: مزيج من الكرامة والدفء والصبر. تنبض المدينة بنفس فلسفة المغرب: فلسفة الإسلام السلمي، وثقافة الاحترام، والإنسانية المتجذرة في الإيمان.
شعبان، وبحر داخلي واحد
إن ما يربط داكار بالمغرب ليس مجرد الإيمان أو التجارة، بل هو طريقة للتفاعل مع العالم.
كلاهما لا ينظر إلى المحيط الأطلسي كحدود، بل كوعد. بين الصويرة وداكار، تهب الرياح نفسها، محملة بالملح والرمل والذكريات.
وفي هذه الرياح، لا يزال بإمكان المرء أن يسمع أصوات قوافل القوافل القديمة وهم يهمسون: “نحن نأتي من نفس الصحراء، ونسير نحو نفس النور“.
داكار، ابنة عم المغرب المطلة على المحيط الأطلسي، تحمل آثار الصحراء على جلدها وحلاوة شاي النعناع في قلبها.
إنه تذكير حيوي بأن شمال أفريقيا وغرب أفريقيا ليسا منفصلين؛ إنهما وجهان لأفريقيا الروحية نفسها، مرتبطان بالصلاة والموسيقى وذكريات السفر.









