المغرب حقق عدة إنجازات على المستوى الاقتصادي خلال العشرين سنة الأخيرة
نجاح المملكة في توجهها نحو التنمية المستدامة رهين بإعادة هيكلة المقاولات المغربية
المقاولة المغربية مطالبة بتأهيل رأسمالها البشري وتحسين شفافية حساباتها واعتماد آليات حديثة في تدبيرها
ضرورة استثمار المقاولة المغربية في الموارد البشرية واستقطاب الكفاءات الجديدة والتوجه نحو فتح رأسمالها
يؤكد الدكتور يونس زرهوني لقريب الخبير في تدبير المقاولات أن المغرب خلال العشرين سنة الأخيرة عدة إنجازات على المستوى الاقتصادي، كما عرف اقتصاده ديناميكية وحركية سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي ، خصوصا في علاقات الخارجية مع بلدان جنوب الصحراء، ولكنه مطالب بالتغلب لى العديد من الصعوبات والاختلالات الهيكلية خاصة على مستوى نسيجه المقاولاتى ..
ويبرز أستاذ علم التدبير أن المقاولة المغربية مطالبة بتأهيل رأسمالها البشري وتحسين شفافية حساباتها واعتماد آليات حديثة في تدبيرها، مشددا على ضرورة استثمار المقاولة المغربية في الموارد البشرية واستقطاب الكفاءات الجديدة، والتوجه نحو فتح رأسمالها لأنها عوامل أساسية في تطوير إنتاجيتها ومردوديتها وتحسين تنافسيتها داخليا وخارجيا…
في ما يلي نص الحوار :
س:كيف تقيمون الحصيلة الاقتصادية للمملكة المغربية خلال العقدين الأخيرين، خاصة في علاقتها بعمقها الإفريقي ؟
ج: لقد حققت المملكة المغربية خلال العشرين سنة الأخيرة عدة إنجازات على المستوى الاقتصادي، كما عرف اقتصادها ديناميكية وحركية سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، خصوصا في علاقاتها الخارجية مع بلدان جنوب الصحراء، حيث احتلت المملكة المغربية المرتبة الثانية على صعيد مؤشر التصنيع بإفريقيا، حسب تقرير 2022 حول مؤشر التصنيع ـ بدول إفريقيا صادر أخيرا عن البنك الإفريقي للتنمية ومنظمة الأمم المتحدة من أجل التنمية، حيث أفاد هذا التقرير أن مستوى التصنيع في 37 دولة إفريقية من ضمنها المغرب عرفت نموا ملحوظا من سنة 2010 ..
ومن أسباب ريادة المغرب صناعيا على المستوى الإفريقي، الاهتمام الذي حظي به القطاع الصناعي، حيث سعت السياسات العمومية الاقتصادية منذ بداية الألفية الثالثة إلى تطوير وتحديث بعض الفروع الصناعية وعلى رأسها صناعة السيارات، حيث تبلغ صادرت المغرب من المواد المصنعة نحو الدول الإفريقية حوالي 21.1 في المائة من مجموع الصادرات الإفريقية، ولا شك أن هناك مؤشرات إيجابية ينبغي العمل على تعزيزها مع ضرورة التوجه نحو معالجة مختلف الاختلالات والإكراهات والمعيقات التي تواجهها المقاولات المغربية العاملة في هذا المجال ..
س: بلغة الأرقام كيف تمت ترجمة هذه العلاقة ؟
ج: بشكل عام، انتقلت المبادلات التجارية بين المملكة المغربية والدول الأفريقية من 36.3 مليار درهم برسم عام 2013 إلى 52.7 مليار درهم برسم عام 2023، وتشكل الصادرات المغربية نحو الدول الأفريقية ما نسبته 7.6 في المائة من مجموع صادرات المملكة.
وتعتمد صادرات المملكة من المواد المصنعة نحو إفريقيا على قطاعات متنوعة تشمل السيارات والأسمدة والمنتجات الغذائية المصنعة والنسيج، وتتجاوز نسبة الصادرات المصنعة إلى ما يفوق 82 في المائة من إجمالي الصادرات المغربية. وتشكل السيارات ثلثي صادرات المملكة نحو إفريقيا، يليها الفوسفات، والمنتجات الغذائية المصنعة، والأسمدة، التي تمثل 70 في المائة من إجمالي الصادرات المغربية نحو إفريقيا.
س: ما هي الاختلالات التي تواجهها المقاولات المغربية، وكيف السبيل لمعالجتها ؟
ج: لقد أبرزت التجربة وجود بعض الاختلالات الهيكلية التي تحد من تنافسية المقاولات المغربية التي تعتبر الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني. صحيح أن الاستثمار العمومي ساهم في تحقيق النتائج الإيجابية التي سجلها الاقتصاد الوطني، إلا أن مساهمته بخصوص المقاولة الخاصة، باستثناء بعض المقاولات الكبرى، يبقى ضعيفا في الناتج الداخلي الخام وفي توفير الثروة الاقتصادية، فمثلا نجد أن نسبة صادرات المقاولات المتوسطة والصغرى تظل في حدود1 في المائة فقط، بالموازاة مع أهدف النموذج الاقتصادي الجديد، والذي يسعى إلى الانتقال إلى مغرب مزدهر، مغرب الكفاءات، مغرب الاندماج والتضامن الاجتماعي والمجالي، مغرب التنمية المستدامة، وهو ما يستوجب تعبئة كل إمكانيات البلد، عبر وضع العنصر البشري ضمن أولويات السياسات العمومية الداعمة لتأهيل النسيج الاقتصادي المغربي..
والواقع أن نجاح المملكة في هذا التوجه، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إعادة هيكلة المقاولات المغربية والرفع من كفاءتها ومردوديتها وإنتاجيتها حتى تتحسن تنافسيتها داخليا وخارجيا. ولابد من التذكير أنه على صعيد النسيج المقاولاتي المغربي، تمثل المقاولات المتوسطة والصغرى حوالي 95 في المائة، وهي تلعب دورا اجتماعيا أساسيا من حيث توفير فرص العمل الجديدة ، ولكن دورها الاقتصادي يبقى ضعيفا، كما أنها تعاني من الهشاشة، وتواجهها تحديات عديدة..
س: ماهي طبيعة هذه التحديات ؟
ج: لابد من الإشارة في البداية إلى أن المغرب نهج سياسة صناعية في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، ارتكزت أساسا على تنويع اقتصاده، عبر تشجيع الاستثمار الخارجي المباشر، وإنجاز مشاريع كبرى لتحسين البنيات التحتية وتحديث بعض عدة فروع صناعية. وقد كان لهذا النموذج إيجابيات تهم مثلا مؤشر التصنيع على الصعيد الإفريقي، وتحديث بعض البنيات الصناعية، وولوج مستثمرين جدد، لكن اتضح انه على الرغم من ارتفاع نسبة الاستثمار السنوي لتتجاوز 30 في المائة فإن ذلك لم ينعكس على مستوى ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي الذي بقي ضعيفا، ومتأثرا بعوامل خارجية ( ارتفاع تكلفة استيراد المواد الطاقية ..) وعوامل مناخية ( الجفاف..) .
بخصوص التحديات، وبالعودة إلى نتائج استقصاء أجراه البنك الدولي سنة 2019 حول الصعوبات التي تواجهها المقاولة بالمغرب، أظهر أن على رأس معيقات المقاولات هناك مشكل الفساد والرشوة بنسبة تفوق 15 في المائة، والإجراءات الضريبية بنسبة 14 في المائة، والقطاع غير المهيكل بنسبة 9 في المائة، والنقل بنسبة 8.7 في المائة، والولوج إلى التمويل بنسبة 4.3 في المائة، حيث إن كل هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى هشاشة المقاولة المغربية، وخصوصا الصغرى منها ، الأمر الذي يتطلب اتخاذ مجموعة من الإجراءات ..
س: في مختلف اللقاءات والتظاهرات يتم التأكيد عن الصعوبات المتعلقة بالتمويل، هل من توضيحات بهذا الخصوص ؟
ج: بخصوص مشكل تمويل المقاولة مثلا، تجد هذه الأخيرة صعوبات في الولوج إلى التمويل البنكي، ذلك أن الأبناك بشكل عام، ترفض تمويل بعض المقاولات، بمبرر أنها تجد مشكلا في شفافية حساباتها. فهناك مسؤولية ملقاة على عاتق المقاولة التي من المفروض أن تعمل على تحسين طرق تسييرها وحكامتها عن طريق تأهيل رأسمالها البشري، واعتماد آليات و طرق حديثة في تدبيرها، وتحسين نزاهة وشفافية حساباتها . كما أن الأبناك مطالبة بتغيير استراتيجيتها في تعاملها مع المقاولات المتوسطة والصغرى بما يكفل تبسيط الإجراءات وتسهيل الولوج للتمويل. وبخصوص العامل الضريبي، فإن جل المقاولات، خصوص الصغرى، تعتبره عبئا لا يساعدها على الاستثمار ويرهق ميزانيتها، ومن هذا المنطلق ينبغي على السلطات العمومية المختصة تقديم مساعدات وتشجيعات ضريبية لهذه المقاولات، شريطة أن تلتزم المقاولة بدورها، بمجموعة من الشروط في مقدمتها ضرورة استثمار جزء من العائد في المقاولة ..
هناك إجراء آخر يكتسي أهمية بالغة، يتعلق بتحديث الإدارة العمومية، في اتجاه محاربة كل أشكال الفساد الإداري الذي يعيق الاستثمار . طبعا هناك مجموعة من الإجراءات اتخذت في هذا الإطار، منها مثلا رقمنة الإدارة العمومية، لكن بالرغم من ذلك ، تبقى مسألة الفساد عائقا مهما يجب محاربته لتشجيع المقاولة على الاستثمار ..
س: أشرتم إلى الدور الحاسم الذي تلعبه الموارد البشرية في النهوض بالاقتصاد الوطني، ما هو المطلوب من المقاولة في هذا المجال ؟
ج: العنصر البشرى محرك أساسي للدورة الاقتصادية، ولذلك فالمقاولة المغربية مطالبة بالاستثمار في الموارد البشرية، واستقطاب كفاءات ومؤهلات جديدة، إلى جانب التوجه نحو فتح رأسمالها أمام مستثمرين جدد، (ذلك أن غالبية المقاولات المغربية تبقى عائلية) لتحسين إطارها المؤسساتي والرفع من قدراتها المالية. فمن بين المشكلات الحقيقية التي تواجه المقاولات ضعف رأسمالها مما ينعكس سلبا على مستوى السيولة، حيث يعتبر ضعف السيولة لدى المقاولات المغربية مظهر من مظاهر ضعفها و عاملا من عوامل هشاشتها..









