الباحث والإعلامي عبدالفتاح الصادقي
تواجه المملكة المغربية تحديات بيئية كبيرة، تُشكّل اختبارًا حقيقيا لمواردها الطبيعية ونموذجها الفلاحي، وتماسكها الاجتماعي. فبعد سنوات من الجفاف المتكرر، أصبحت قضية المياه محورية، انطلاقا من انخفاض احتياطيات حقينة السدود، ونضوب المياه الجوفية، والتوترات المحيطة بالري التي تُهدد الدخل الفلاحي والأمن الغذائي في عدة مناطق..
وفي مواجهة هذا الوضع الذي يبدو مقلقا، اتخذت السلطات العمومية مجموعة من التدابير القانونية والتقنية والسياسية. ففي قطاع المياه، شرعت الدولة تكثيف وتسريع استثماراتها في البنية التحتية من خلال بناء محطات تحلية جديدة، ونقل المياه بين المناطق، واعتماد مشاريع تحديث الري لتعزيز ترشيد استهلاك المياه. وسبق للحكومة أن أعلنت عن عزمها على زيادة قدرة تحلية المياه والبنية التحتية المرتبطة بها لتخفيف الضغط على السدود وتوفير المياه الضرورية لتلبية الاحتياجات الأساسية. وقد صاحب هذه الإجراءات قرارات عاجلة ومثيرة للجدل أحيانًا ، مثل فرض قيود على استخدام المياه في بعض الخدمات العامة (مثل الحمامات محطات تنظيف السيارات) أو لوائح تنظيمية تنظم المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه في المناطق القاحلة.
والنسبة للتغيرات المناخية، يتقدّم المملكة نفسها كدولة ملتزمة: إذ تتضمن استراتيجيتها الوطنية أهدافًا لخفض الانبعاثات، وخطة تكيف متعددة القطاعات، وخارطة طريق طموحة للطاقة (مع تطوير قوي لمصادر الطاقة المتجددة). ويرى الخبراء الدوليون أن مسار المغرب “يكاد يكون كافيًا” لتحقيق بعض الأهداف بحلول عام 2030، مع تأكيدهم على أن النجاح سيعتمد بشكل كبير على التمويل الدولي والتنفيذ الملموس على المستوى المحلي.
وعلى الصعيد العملي، يشهد التحول في مجال الطاقة تقدمًا ملحوظًا (من خلال محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتنويع مصادر الطاقة)، وقد أعلنت الحكومة عن أهداف للتخلص التدريجي من الفحم، وهي خارطة طريق تحدد نهاية استخدام الفحم بحلول عام 2040، والتي يظل تنفيذها رهين بدعم مالي خارجي لضمان انتقال عادل وحماية فرص العمل المتضررة. ولا شك أن هذا الاختيار يعد إنجازًا سياسيًا هامًا، لكنه يطرح تحديات تقنية واجتماعية واقتصادية: فكيف يمكن تعويض فقدان مناصب الشغل المحلية، وضمان إمدادات الكهرباء، وتمويل أنظمة التخزين والربط الكهربائي اللازمة؟
كما أن التنوع البيولوجي والحفاظ عليه يحظيان باهتمام متزايد، إذ يجري تحديث الاستراتيجيات الوطنية، وتوسيع المناطق المحمية وتحسين إدارتها، ومواءمتها مع الإطار العالمي للتنوع البيولوجي لما بعد مؤتمري كونمينغ ومونتريال. ومع ذلك، فإن الضغط الحضري، والاستغلال المفرط للأراضي ، وتغير المناخ، تُعقّد الحماية الفعالة للنظم البيئية، لا سيما في المناطق الساحلية والجبلية.
مع ذلك، تُثير ردود الفعل العامة انتقاداتٍ وأمواج من القلقً. ويظهر على صعيدين، بالنسبة للصعيد الأول، تتطلب المشاريع الاستثمارية واسعة النطاق التي تهم تحلية المياه، وشبكات الكهرباء الجديدة، والسدود الكبيرة، تمويلًا ضخما ووقتًا طويلا ، وبالنسبة للصعيد الثاني، قد تُلحق تدابير الحفاظ على المياه ضررًا بالفئات الأكثر ضعفًا (مثل صغار الفلاحين، وعمال المرافق المتضررة)، مما يُفاقم التفاوتات المجالية والاجتماعية. وانطلاقا من ذلك يدعو الخبراء و المحللون إلى اعتماد حكامة أكثر تكاملًا، تربط بين تحقيق الأمن المائي، والتحول في مجال الطاقة، والمرونة الفلاحية، والعدالة الاجتماعية، مع ضمان شفافية أكبر في تخصيص الموارد ومراقبة المشاريع.
لا أحد يجادل في الخطوات التي نهجتها المملكة في المجال البيئي، فقد انخرطت في العديد من المبادرات والبرامج التي تهدف إلى معالجة الأزمة البيئية، تمثلت في بلورة القوانين والالتزام بالاعتماد على الطاقة المتجددة، وخطط الملاءمة والتكيف، والاستثمار في البنيات التحتية، إلا أن النجاح رهين بالقدرة على ترجمة الالتزامات الوطنية إلى إجراءات محلية فعّالة، وتعبئة التمويل اللازم، وضمان عدالة اجتماعية في عملية الانتقال – وهو شرط أساسي لمنع تحول مكافحة الأزمة البيئية إلى مصدر إقصاء وتهميش لمجالات جغرافية وفئات اجتماعية أخرى ..








