حقق العديد من الفنانين نجاحًا باهرًا في مسيرتهم الفنية، التي انطلقت بفضل أعمالٍ نالت استحسان النقاد، والجماهير على حد سواء، وخلفت تأثيرا كبير في مجالات عملهم، قبل أن تندلع الخلافات والصراعات والانشقاقات بينهم، مما أدى، في آخر المطاف، إلى توقف هذه التجارب، ونهاية هذه المسارات الفنية الرائعة.وبشكل عام إن النزاعات بين الفنانين، غالبا ما تخلف تداعيات تتجاوز بكثير الجوانب الشخصية، مُؤثرةً على مسيرتهم الموسيقية وإرثهم الفني.
في هذه السلسلة من المقالات، سنحاول استكشاف أشهر الخلافات والصراعات في عالم الفن – الموسيقى، والسينما، والأدب، وغيرها من الفنون. وسنقف عند الكيفية التي تشكلت بها الحياة الشخصية والإنتاج الإبداعي لهؤلاء الفنانين، وتحليل طبيعة الخلافات التي اندلعت بينهم، ومعرفة أسبابها، وانعكاساتها على مسيرتهم الفنية..
من خلال هذه السلسلة سنجل القراء والمتتبعين يسافرون في العوالم الخفية للفنانين واكتشاف جذور خلافاتهم التي تظهر فجأة وهو في القمة يتربعون على عرش المجد الففني..
سنحاول في الحلقة الأولى من هذه السلسلة الوقوف عند الخلاف بين بول سايمون وآرت غارفانكل، وهو ثنائي روك شعبي أمريكي، أحد أشهر الثنائيات في تاريخ الموسيقى، الذي يعد مثالًا بارزًا على الخلافات التي اندلعت بين فناني القرن العشرين.
من الشهرة إلى الخلاف..
حققت فرقة سايمون وغارفانكل، المُؤلّفة من بول سيمون (عازف غيتار وكاتب أغاني ومغني رئيسي) وآرت غارفانكل (مغني مساند صاحب صوت مميز يلامس الروح ويأسر القلوب )، نجاحًا باهرًا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لا سيما بأغانٍ مثل “الملاكم” و”صوت الصمت” و”جسر فوق الماء المضطرب” و”السيدة روبنسون”. ومع ذلك، اتسمت علاقتهما بالتوتر منذ البداية، حيث كانت شخصيتهما مُتعارضتين في عدة جوانب ورؤاهما الفنية مُتباينين في كثير من الأحيان.
ففي 26 يناير 1970، أصدرت فرقة الثنائي بول سايمون وآرت غارفانكل ألبوم “جسر فوق الماء المضطرب”، وهو ألبومٌ فخمٌ ومؤثرٌ في آنٍ واحد. وكان ولكن تحت توزيعاته الموسيقية الرقيقة وألحانه المفعمة بالحيوية، كانت تتشكل نهاية التجربة وبداية الانفصالٌ بين الطرفين. لقد مثّل هذا الألبوم الإبداع الخامس والأخير للثنائي النيويوركي ذروةَ إبداعهما الفني، وفي الوقت نفسه نقطةَ انكسارهما..
أصل الخلاف..!
يؤكد المتتبعون للمسيرة الفنية لهذا الثنائي أن أصل الخلاف بينهما يتخذ عدة أوجه منها، أولا: الاختلافات الإبداعية والفنية، حيث كان بول سايمون كاتب الأغاني الرئيسي للثنائي، مما منحه تأثيرًا إبداعيًا كبيرًا، ونوعا من السلطة المعنوية أمام الجماهير في الحفلات والمهرجانات الموسيقية، ومن ناحية أ خرى، كان غارفانكل، غالبا ما يشعر بأنه مُهمَل، ويعود ذلك بشكل كبير إلى توزيعات سايمون الصوتية البارزة في المقطوعات الغنائية. وقد خلق هذا الاختلال في العلاقة بين الطرفين توترًا متزايدًا مع تقدم مسيرتهما المهنية.
ثانيا: الإحباطات الشخصية والمهنية، ذلك أن غارفانكل، المغني الموهوب، رغب في توسيع آفاقه الموسيقية، وسعى وراء مشاريع فردية، بما في ذلك التمثيل، مما زاد من اتساع الفجوة بينه وبين سايمون. كان أحد مصادر الخلاف هو شعور غارفانكل أحيانًا بأنه شخصية ثانوية في ثنائي، حيث غالبًا ما كان سايمون يتولى دور القائد المبدع.
ثالثا: إرهاق الجولة الفنية لعام 1969، فبعد فترة من العمل المكثف، وخاصةً بعد نجاح ألبوم “جسر فوق الماء المضطرب”، انسحب غارفانكل مؤقتًا من الثنائي للتركيز على دور تمثيلي في فيلم “كاتش22 – Catch -22، وهوفيلم حربي كوميدي ساخر أمريكي صدر عام 1970، مقتبس من رواية جوزيف هيلر التي تحمل الاسم نفسه صدرت عام 1961. في إطار كوميديا سوداء تدور حول “الشخصيات المجنونة” في رواية هيلر الساخرة المناهضة للحرب، والتي تدور أحداثها في قاعدة خيالية في البحر الأبيض المتوسط خلال الحرب العالمية الثانية. لقد أدى هذا الانسحاب المؤقت إلى تفاقم التوترات بين الثنائي، إذ اعتبره سايمون قلة التزام. ونتيجةً لذلك، قرر سايمون إنهاء تعاونه مع غارفانكل، بشكل غير رسمي في البداية، قبل إضفاء الطابع الرسمي على الانفصال.
مظاهر الصراع ..
ويتحدث المتتبعون لمسيرة الثنائي أنه هناك عدة جوانب يمكن من خلالها تحديد طبيعة الصراع بين سايمون وغارفانكل، يمكن تلخيصها في ثلاثة عوامل :
أولا : التنافس الإبداعي، حيث مثّل الثنائي ديناميكية تعاونية كلاسيكية، كان أحدهما (سيمون) عبقريًا في كتابة الأغاني وفي العزف على آلة الغيتار، وهو بمثابة المغني القائد، بينما قدّم الآخر (غارفانكل) جودة صوتية فريدة، وهو بمثابة المغني المساند. و مع تنامي نجاحهما، أصبح من الصعب على غارفانكل تقبّل دوره الثانوي. غالبًا ما كان يُنظر إلى سيمون على أنه المسيطر في العملية الإبداعية، بينما لم يتمتع غارفانكل، على الرغم من موهبته الكبيرة، بنفس الحرية الفنية دائمًا.
الضغط والإرهاق: ولّد نجاحهما ضغطًا هائلًا أيضًا. فاقمت الجولات الموسيقية المتواصلة، وتوقعات الجمهور، والإرهاق الشخصي علاقتهما. سعى غارفانكل، على وجه الخصوص، إلى الهروب من هذا الضغط بالابتعاد عن الفرقة، مما زاد من توتر العلاقة بين الفنانين.
الأنانية والغرور : يؤكد الذين تتبعوا المسيرة الفنية لهذا الثنائية أن كلو احد منها كانت تتحكم فيه الأنانية ، كما أن غرور كلٍّ منهما شكل جانبًا أساسيًا من خلافهما. فبينما كان سيمون كاتب الأغاني الرئيسي، اعتبر غارفانكل نفسه جزءًا لا يتجزأ من نجاح الثنائي، لا سيما بفضل تناغمه الصوتي. وقد أدى ذلك إلى سوء فهم متبادل بشأن توزيع الأدوار الإبداعية وتقدير مواهب كلٍّ منهما.
تداعيات الخلاف على مسيرتهما الفنية
بالنسبة لبول سايمون اختار مواصلة المسيرة الفنية منفردا، والاستغناء عن غارفانكل، واستطاع فعلا أن يحقق نجاحا باهرا بعد الانفصال، حيث أصدر ألبومات بارزة مثل “غريسلاند” (1986) و”إيقاع القديسين” (1990). وقد مكّنه أسلوبه الفريد، الذي يمزج بين موسيقى الفولك والروك والموسيقى العالمية، من ترسيخ مكانته كفنان منفرد رائد. ولذلك، لم يؤثر انفصاله عن غارفانكل سلبًا على مسيرته الفنية، على الرغم من أنه كثيرًا ما أعرب عن ندمه على انفصال الثنائي.
أما بالنسبة لآرت غارفانكل بعد انفصاله عن الثنائي، فقد سعى هو الآخر إلى مواصلة مسيرة منفردة، لكن ألبوماته لم تحقق نجاحًا يُضاهي نجاح ألبومات سايمون. والرغم من أن صوته الفريد ونبرته الاستثنائية ظلتا موضع تقدير، لكنه بدا وكأنه يفتقر إلى قدرة سايمون على الابتكار. بالإضافة إلى ذلك، حقق غارفانكل بعض النجاح في مجال الأفلام، لا سيما من خلال أدواره في (Catch-22 (1970) – Carnal Knowledge (1971) – Bad Timing (1980) – Good to Go (1986) – Boxing Helena (1993) – The Rebound (2009))..
تداعيات الانفصال على التأثير على الإرث الفني المشترك
على الرغم من الانفصال، ظل الثنائي سيمون وغارفانكل من أكثر الثنائيات تأثيرًا وشهرةً في تاريخ الموسيقى. وامتدت موسيقاهما لعقود، ولا تزال تُؤثر على عدد لا يُحصى من الفنانين. لقد أضاف انفصالهما، بطريقة ما، بُعدًا مأساويًا إلى إرثهما، إذ حرم العالم من إمكانية إحياء الثنائي إبداعيًا، كما كان الحال مع فرق أو ثنائيات أخرى في تاريخ موسيقى الروك.
والحقيقة أن علاقتهما الشخصية اتسمت بالتعقيد. فبعد الانفصال، نادرًا ما كانا يعزفان معًا على المسرح لمدة طويلة. ومع ذلك، شهدت علاقتهما بعض الانتعاش. فبعد سنوات من التوتر، اجتمع سيمون وغارفانكل في عدة حفلات موسيقية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بما في ذلك جولات مثل تلك التي قاما بها في عامي ١٩٨١ و٢٠٠٣. ومع ذلك، لم تُمحِ هذه اللقاءات تمامًا مشاعر الاستياء الت ترسخت في الماضي..
وعلى الرغم من الخلافات، فقد عبّر سيمون أكثر من مرة عن امتنانه لمساهمة غارفانكل في نجاحهما المشترك. ومن جانبه، أعرب غارفانكل أحيانًا عن ندمه على انفصالهما، مع استمرار إعجابه بأعمال سيمون. لكن يبدو أن المصالحة الشخصية الحقيقية، بمعنى علاقة سلسة وودية، كانت صعبة المنال.
وبشكل عام يمكن القول إن خصام سيمون وغارفانكل، يُعدّ مثالاً كلاسيكياً على الصراعاتالفنية، حيث تتشابك العوامل الشخصية والإبداعية والمهنية. وبينما مثّل الانفصال نقطة تحول في مسيرتهما الفنية، إلا أنه سلّط الضوء أيضاً على توترات ربما كانت حتمية نظراً لاختلاف تطلعاتهما وشخصيتيهما. ومع ذلك، لا يزال إرثهما الموسيقي قائماً، ولا تزال أغانيهما تتردد أصداؤها عبر تاريخ الموسيقى.
أعدها للنشر عبدالفتاح الصادقي









