صدر كتاب «نهاية الداعية: الممكن والممتنع في أدوار المثقفين» للأستاذ عبد الإله بلقزيز منذ حوالي 26 سنة، وهو واحد من الأعمال الفكرية العميقة، ما يزال سؤال مضمونه يتمتع بالراهنية، حيث يكتسب موضوعه أهمية خاصة في النقاش المعاصر بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المثقفون في المجتمع. يتناول هذا الكتاب تحوّل الدور التقليدي للمثقف، الذي كان يُنظر إليه سابقًا على أنه “داعية” يحمل حقائق كونية، إلى شخصية أكثر نقدًا وتحليلًا تواجه حدود السلطة الرمزية والسياسية. وتكمن أهمية موضوع الكتاب في قدرته على تسليط الضوء على التوترات بين المعرفة والالتزام والمسؤولية العامة. ولا شك أن هذا المؤلف يساهم في إعادة تعريف إمكانيات وحدود التدخل الفكري في المجال العام، وذلك في سياق يتسم بتعقيد الأزمات الاجتماعية والسياسية..
يتناول مؤلف الأستاذ بلقزيز “إشكالية دور المثقف في المجتمع العربي المعاصر”، حيث يطرح سؤالاً محورياً يتعلق بمصير نموذج المثقف الذي ساد في القرن العشرين، وهو نموذج “المثقف الداعية” الذي يتبنى خطاباً إيديولوجياً ويضطلع بمهمة التوجيه السياسي أو الفكري للمجتمع. ويهدف الأستاذ بلقزيز بهذا العمل إلى تحليل أسباب تراجع هذا النموذج، واستكشاف الأدوار الجديدة الممكنة للمثقفين في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية المعاصرة.
وتقوم الأطروحة الأساسية لهذا الكتاب على فكرة أن المثقف الداعية لم يعد قادراً على أداء الدور الذي كان يقوم به في الماضي. فقد نشأ هذا النموذج في سياق تاريخي خاص، ارتبط بصعود الحركات الإيديولوجية الكبرى في العالم العربي، مثل القومية العربية والاشتراكية والحركات الإسلامية. وفي ذلك السياق، كان المثقف غالباً جزءاً من مشروع سياسي أوفكري يسعى إلى تعبئة المجتمع حول أهداف معينة.
غير أن التحولات التي شهدتها المجتمعات العربية، سواء على المستوى السياسي أوالاجتماعي أو الثقافي، أدت إلى تراجع هذا النموذج. فقد أدى انتشار التعليم، وتوسع وسائل الإعلام، وتعدد مصادر المعرفة إلى تقليص احتكار المثقف لإنتاج الأفكار وتوجيه الرأي العام. كما أن فشل العديد من المشاريع الإيديولوجية الكبرى أسهم في إضعاف الدور التعبوي للمثقف. من هذا المنطلق، يرى الأستاذ بلقزيز أن المثقف مطالب بالانتقال من دور “الداعية أو الموجّه الإيديولوجي” إلى دور “المثقف النقدي المنتج للمعرفة”.
والملاحظ أن الأستاذ بلقزيز يعتمد في تحليله على مقاربة تجمع بين التحليل التاريخي والسوسيولوجي لدور المثقف. فهو يربط بين تحولات وظيفة المثقف وبين التحولات التي عرفتها بنية المجتمع العربي الحديث. كما يستند إلى مرجعيات فكرية متعددة، منها كتابات مفكرين غربيين حول دور المثقفين مثل جان بول سارتر وأنطونيو غرامشي، إضافة إلى دراسات حول العلاقة بين المعرفة والسلطة.
وتتميز المقاربة التي اعتمد عليها الكاتب بمحاولة تحرير مفهوم المثقف من التوظيف الإيديولوجي الضيق. فبدلاً من النظر إلى المثقف باعتباره مجرد مناضل سياسي، يدعو بلقزيز إلى فهمه باعتباره فاعلاً معرفياً يسهم في إنتاج الفكر النقدي وتحليل الظواهر الاجتماعية.
وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يساهم في فتح نقاش حول “أزمة المثقف العربي” في المرحلة الراهنة. فالكثير من النقاشات حول المثقفين في العالم العربي ظلت أسيرة ثنائية بسيطة: المثقف الملتزم مقابل المثقف المنعزل. أما بلقزيز فيحاول تجاوز هذه الثنائية عبر طرح تصور جديد لدور المثقف يقوم على “الاستقلال الفكري والإنتاج المعرفي النقدي”.
كما أن الكتاب يسلط الضوء على العلاقة المعقدة بين المثقف والسلطة السياسية. إذ يبين أن المثقف يفقد دوره عندما يتحول إلى مجرد أداة للدعاية السياسية أو الإيديولوجية، في حين يكتسب أهميته عندما يحافظ على استقلاله النقدي.
وعلى الرغم من أهمية التحليل الذي يقدمه بلقزيز، إلا أن أطروحته ليست خالية من بعض الإشكالات التي يمكن الوقوف عند بعضها:
- أولاً، قد يبدو الحديث عن «نهاية الداعية» تعبيراً مبالغاً فيه، لأن الواقع الثقافي العربي ما زال يشهد حضوراً قوياً للمثقفين المرتبطين بمشاريع سياسية أو إيديولوجية. وبالتالي فإن نموذج المثقف الداعية لم يختفِ تماماً، بل ربما تغيرت أشكاله.
- ثانياً، يركز الكتاب بدرجة كبيرة على البعد الفكري لدور المثقف، لكنه لا يمنح الاهتمام الكافي للعوامل الاقتصادية والمؤسساتية التي تؤثر في إنتاج المعرفة في المجتمعات العربية، مثل ضعف مؤسسات البحث العلمي أو محدودية حرية التعبير.
- ثالثاً، يمكن القول إن التحول من المثقف الداعية إلى المثقف النقدي ليس مسألة إرادة فردية فقط، بل يرتبط أيضاً بوجود فضاء سياسي وثقافي يسمح بممارسة النقد الحر، وهو شرط لا يتوافر دائماً في السياق العربي.
بشكل عام يبقى هذا المؤلف جديرا بالقراءة، إذ يقدم مساهمة فكرية مهمة في النقاش حول مستقبل المثقف العربي. فالمؤلف لا يدعو إلى إلغاء دور المثقف، بل إلى إعادة تعريفه بما يتناسب مع التحولات المعاصرة. ويؤكد أن القيمة الحقيقية للمثقف تكمن في قدرته على إنتاج المعرفة النقدية المستقلة والمساهمة في فهم المجتمع وتحليل مشكلاته. وعلى الرغم من الملاحظات النقدية الموجهة إليه، يبقى الكتاب مرجعاً مهماً لفهم التحولات التي طرأت على وظيفة المثقف في العالم العربي، كما يفتح المجال لمزيد من النقاش حول العلاقة بين الفكر والسياسة في المجتمعات الحديثة.
إعداد: أفق المغرب










