ضمن اهتماماته العلمية وأبحاثه الأكاديمة، صدر للدكتور محمد حركات مؤلف جدير بالقراءة تحت عنوان «من أجل اقتصاد سياسي لكرامة الأمم»، وهو بحث رصين يفيد الباحثين والطلبة وعموم القراء على حد سواء.
و يُعَدُّ هذا الكتاب عملاً فكرياً تحليلياً يسعى إلى إعادة التفكير في أسس الاقتصاد المعاصر من منظور إنساني وأخلاقي، حيث يجعل من مفهوم الكرامة محوراً مركزياً في بناء السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها أن النماذج الاقتصادية السائدة، خصوصاً تلك المرتبطة بالليبرالية المتوحشة، لم تعد قادرة على ضمان العدالة الاجتماعية ، كما أنها عاجزة عن تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحقوق الإنسان.
في هذا السياق، يربط الكتاب بين الأزمات العالمية المتتالية، مثل جائحة كوفيد-19 والأزمات الاقتصادية والحروب، وبين هشاشة المنظومة الاقتصادية الدولية، حيث كشفت هذه الأزمات عن اختلالات عميقة، أبرزها اتساع الفوارق الاجتماعية، وتراكم الثروات في يد فئات محدودة، وتراجع دور الدولة في حماية الفئات الهشة.
ومن هنا، يطرح المؤلف مسارا مبتكرا يرتكز على ضرورة الانتقال نحو نموذج اقتصادي جديد يضع الإنسان في صلب العملية التنموية، ويعيد الاعتبار لقيم التضامن والعدالة والإنصاف.
يركّز الكتاب بشكل واضح على مفهوم “الاقتصاد السياسي للكرامة” باعتباره بديلاً للنماذج التقليدية، حيث لا يقتصر الاقتصاد على تحقيق النمو أو الربح، بل يتعداه إلى ضمان كرامة الإنسان عبر توفير شروط العيش الكريم، مثل الصحة والتعليم والشغل والحماية الاجتماعية.
ويؤكد الدكتور محمد حركات في مؤلفه أن الكرامة ليست مفهوماً أخلاقياً مجرداً، بل هي حق أساسي يجب أن ينعكس في السياسات العمومية والمؤسسات الاقتصادية.
كما ينتقد الكاتب بشدة قصور النظريات الاقتصادية التقليدية التي ركّزت على السوق كآلية شبه مطلقة لتنظيم الاقتصاد، متجاهلة آثارها السلبية على التماسك الاجتماعي. ويبرز أن هذه النظريات فشلت في التنبؤ بالأزمات أو معالجتها بفعالية، وهو ما يستدعي إعادة النظر في مناهج التحليل الاقتصادي، وتبني مقاربات متعددة الأبعاد تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية.
ومن بين القضايا الأساسية التي يناقشها الأستاذ حركات في كتابه، مسألة “الحكامة “، حيث يرى أن تحقيق اقتصاد قائم على الكرامة يتطلب مؤسسات قوية وشفافة، قادرة على محاربة الفساد وضمان توزيع عادل للثروات. ويشدد على أهمية استقلالية أجهزة الرقابة المالية وتعزيز دور المجتمع المدني في مراقبة السياسات العمومية. كما يربط بين ضعف الحكامة وتفاقم الفوارق الاجتماعية وتراجع الثقة في المؤسسات.
ويتناول الكاتب أيضاً دور الدولة في الاقتصاد، حيث يدعو إلى تجاوز التصور التقليدي الذي يقلص دورها لصالح السوق، نحو نموذج جديد يجعل الدولة فاعلاً استراتيجياً في توجيه التنمية وضمان العدالة الاجتماعية. فالدولة، حسب المؤلف، ليست مجرد منظم، بل فاعل أساسي في بناء اقتصاد يخدم الصالح العام، ويحقق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
وفي إطار التحولات الرقمية والتكنولوجية، يبرز الكتاب أهمية الاقتصاد الرقمي وثورة البيانات، مع التحذير من مخاطر احتكار المنصات التكنولوجية الكبرى، وما قد يترتب عن ذلك من تعميق للفوارق الاقتصادية. لذلك، يدعو إلى تبني سياسات تضمن تقاسم عادل للثروات الرقمية، وتوظيف التكنولوجيا لخدمة التنمية الشاملة.
كما يناقش الأستاذ حركات في كتابه البعد الجيوسياسي للاقتصاد، مبرزاً أن التحولات العالمية، بما في ذلك الصراعات الدولية، تؤثر بشكل مباشر على النماذج الاقتصادية الوطنية، مما يستدعي بناء استراتيجيات قادرة على التكيف مع هذه التحولات، مع الحفاظ على السيادة الاقتصادية.
ومن جهة أخرى، يؤكد المؤلف على أهمية الثقافة والقيم في بناء الاقتصاد، حيث لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون ترسيخ قيم النزاهة والمسؤولية والتضامن. فالاقتصاد، في نظره، ليس مجرد أرقام ومؤشرات، بل هو انعكاس لمنظومة قيمية تحدد طبيعة العلاقات داخل المجتمع.
ويخلص الكتاب إلى أن بناء اقتصاد سياسي للكرامة يتطلب تحولات عميقة تشمل:
أولا: إصلاح منظومات الحكامة وتعزيز الشفافية
ثانيا: إعادة توزيع الثروة بشكل عادل
ثالثا: الاستثمار في الإنسان باعتباره محور التنمية
رابعا: تطوير سياسات عمومية قائمة على العدالة الاجتماعية
خامسا: تعزيز التعاون الدولي في إطار يحترم خصوصيات الدول
والجدير بالذكر أن مؤلف «من أجل اقتصاد سياسي لكرامة الأمم»، يقدم رؤية نقدية واستشرافية في آن واحد، حيث لا يكتفي بتشخيص اختلالات النظام الاقتصادي العالمي، بل يقترح مسارات بديلة لبناء نموذج تنموي أكثر إنصافاً واستدامة. وهو بذلك يشكل مساهمة مهمة في النقاش المعاصر حول مستقبل الاقتصاد، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه العالم.
وبشكل مجمل يمكن القول إن الرسالة الأساسية للكتاب تتمثل في أن “الاقتصاد الحقيقي هو الذي يخدم الإنسان ويصون كرامته، وليس الذي يختزل التنمية في مؤشرات رقمية مجردة”.
إعداد: “أفق المغرب”










