صوت المواطن – الحلقة الأولى: محنة أولياء ذوي الاحتياجات الخاصة مع رعاية صحية مفقودة
نقدم في حلقة اليوم قصة مؤثرة لأب يقطن في منطقة قروية نائية من بلدنا السعيد، حيث سنحاول الوقوف عند جزء من تفاصيل الحياة اليومية الصعبة التي يعيشها مع ابنه ذي الاثني عشر عامًا، والذي يعاني من إعاقة حركية منذ ولادته. والحقيقة أن قصة هذا الأب تعد مثالا فقط لعدد كبير من الآباء الذين يعيشون الوضعية نفسها التي تتسم بالقساوة..
من خلال هذه الحلقة الأولى من “صوت المواطن”، لا نحاول نقل صرخة صادقة فحسب، بل نسعى أيضا إلى نقل الواقع الذي تعيشه آلاف العائلات سواء في العالم القروي أو في المناطق الأخرى التي تواجه نفس العقبات والمحن نفسها : قطع المسافات الطويلة، ونقص الخدمات الصحية النوعية، وضعف الموارد البشرية المتخصصة، وتكدس المواطنين في مرافق الرعاية الصحية إن وجدت، وغياب وسائل النقل الملائمة عند الحاجة، واستمرار العزلة الاجتماعية والمجالية. إن هذه الشهادة، تعد في الواقع، دعوةٌ للعمل الجاد، والمسؤولية الجماعية، والمراعاة التامة والشاملة لجميع المواطنين كيف ما كانت أوضاعهم الصحية، أينما وُجدوا جغرافيا، ووكيف ما كانت أوضاعهم الجسدية والنفسية..
يقع منزل هذا الأب في قرية معزولة، على بُعد حوالي خمسة عشر كيلومترًا من المركز الصحي الوحيد في المنطقة. قد تبدو مسافة خمسة عشر كيلومترًا للكثيرين غير ذات أهمية، لكنها تُمثل بالنسبة لأب طفل من ذواي الاحتياجات الخاصة في العالم القروي، رحلة سندبادية شاقة ومتعبة، بل تصبح مستحيلة في كثير من الأحايين، خصوصا مع ضعف البنية الطرقية وقلة المواصلات، وانعدام الرعاية الصحية النوعية الموجهة لهذه الفئة المواطنين الذين يعانون من هشاشة مزمنة.
في كل صباح، يراقب الأب أهداب ابنه ويتحسس ابتسامته المنكسرة ، مُتكئًا على كرسيه المتحرك القديم، يُحدق في الطريق المُغبر أمام المنزل، ينتظر مرور عربة للنقل بالصدفة . ما يراه ليس طريقًا، بل سلسلة من العقبات والمحن التي لا تنتهي. حالة التضاريس تجعل السفر شبه مستحيل: حفر، ومنحدرات شديدة، وانعدام تام لوسائل النقل المُتاحة. للوصول إلى المركز الصحي، يضطر الأب أحيانًا إلى حمل ابنه على ظهره لفترة طويلة من الرحلة قبل أن يجد من يُقله بالسيارة أو الشاحنة أو أي وسيلة نقل أخرى. المهم أن يصل إلى المركز الصحي ويعود إلى المنزل قبل غروب الشمس.. في قريته المنسية لا توجد سيارات أجرة. وتلك التي قد تمر بالصدفة تطلب مقابلا ماديا يفوق طاقته..
الصعوبات لا تنتهي عند الطريق ووسيلة النقل . فعند وصول الأب وابنه إلى المركز الصحي، يواجهان تحديًا آخر: غياب موارد بشرية متخصصة، وعدم كفاية المعدات والخدمات المتوفرة، كما أن المبنى غير مصمم لاستيعاب ذوي الإعاقة. ليس هناك ولوجيات، ولا مداخل وممرات واسعة بما يكفي، ليس هناك كرسي متحرك ولا غرفة مهيأة لاستشارات المتخصصين. أحيانًا، يضطر الأب لرفع ابنه على الدرج، تحت أنظار طاقم الرعاية الصحية العاجز، المكون من ثلاثة ممرضين الذين يبذلون قصارى جهدهم لكنهم يفتقرون إلى موارد ولوازم الضرورية، فضلا عن عدم توفرهم على التكوين اللازم في مجال الرعية الصحية لذوي الاحتياجات الخاصة..
لا يقدم المركز أي علاج طبيعي، ولا متابعة طبية لتقويم العظام، ولا معدات مناسبة. وغالبا ما ينصح الطبيب الوحيد الذي يزور المركز الصحي مرة في الأسبوع، الأب بحمل ابنه إلى مستشفى إقليمي أفضل تجهيزًا في المدينة، على بُعد أكثر من 60 كيلومترًا من القرية . لكن هذه الرحلة، المكلفة ماليا والمرهقة جسديًا للابن والأب على حد سواء، نادرًا ما تكون ممكنة للعائلة. يردد الأب في ذهول وحسرة : “يطلبون مني الذهاب إلى المستشفى الإقليمي مرة في الشهر على الأقل ..لا أستطيع فعل ذلك.. أذهب مرتين أو ثلاث مرات فقط في السنة. كيف يمكنني فعل المزيد ؟ الأمر فوق طاقتي “
الخطير في الأمر أن حالة الابن تسوء مع مرور الوقت، حيث تتفاقم حالة ضمور وتكلس عضلاته، ويشتد ألمه، ويتفاقم خطر حدوث مضاعفات. ومع ذلك، يظلّ الأمل يحدو الأب في العثور طبيب مختص يستطيع علاج ابنه أو الأقل التخفيف من آلامه . يروي الأب جهوده اليومية، ومحاولاته المرتجلة لتدليك وتحريك مفاصل ابنه، التي تعلّمها من أخصائي العلاج الطبيعي الذي التقى به مرة واحدة فقط. حيث يقول بمرارة “أبذل قصارى جهدي، لكن هذا لا يكفي.. أشعر بألمه وبرغبته في اللعب مع أقرانه بشكل طبيعي.. إنه يستحق أفضل من هذا.”
إن الأب لا يطلب أي خدمات شخصية أو مساعدة فورية، ما يتمناه هو حق أساسي، يكفله الدستور وقوانين والتزامات الدولة: الحق في الحصول العادل على الرعاية الصحية للجميع، وعلى وجه الخصوص الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يعيشون بعيدًا عن المراكز الحضرية، انطلاقا من كون الصحة ليست امتيازًا، بل هي أساس الكرامة الإنسانية.
إن الوضع المقلق الذي يتخبط فيه الأب له تداعياته النفسية. الابن المصاب، الذي كان يومًا ما متفائلًا رغم الصعوبات، أصبح انطوائيًا بشكل متزايد. يرفض أحيانًا الخروج، مُدركًا الجهد الجبار الذي يبذله والده لنقله.. يعتقد أنه عبء على أسرته. يطلب من أبيه أن يتوقف عن إرهاق نفس من أجله.. لا ينبغي لأي طفل أن يحمل مثل هذا العبء في قلبه..
تؤكد الحالة المقلقة لهذا الأب ولأمثاله من الآباء والأمهات وأولياء الأمر، على نقطة جوهرية : الإعاقة لا تكمن فقط في الحالة الجسدية للشخص المصاب، بل أيضًا في البيئة غير الملائمة التي يعيش فيها هذا الشخص. إنها بيئة تعمق منطق الإقصاء والتهميش في حق الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتفاقم الصعوبات أمام أولياء الأمور.. إنها بيئة إقصائية، غير مُصممة لتكون شاملة ودامجة، وهو ما يدعو السلطات العمومية إلى تعميق النظر في الإكراهات والاختلالات المتعلقة بالبنية التحتية الطرقية القروية، ووسائل وظروف النقل، وتجهيزات المراكز الصحية، والتدريب المُتخصص للأطر الطبية وشبه الطبية، والأهم من ذلك كله، إنشاء خدمات متنقلة يُمكن أن تصل حتى إلى أكثر المناطق بُعدًا، مع الالتزام بمعايير منظمة الصحة العالمية التي تُركّز على تعزيز الحقوق، وضمان المساواة، وإزالة الحواجز من خلال أدوات ومبادرات متعددة مثل دليل “التصنيف الدولي للأداء والوظائف والإعاقة والصحة ” ودعم الدول الأعضاء لإدماج قضايا الإعاقة في برامجها الصحية وغيرها..
سأحاول أن أنهي حلقة اليوم بجملة بسيطة، قد يهمس بها كل أب أو أم أو ولي أمر لشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة : “أريد فقط أن أمنح ابني حياةً أفضل. أريده أن يشعر بأنه يحظى بالرعاية من قبل مؤسسات الدولة، وبأنه إنسان يستحق أن يعيش حياة كريمة..”
ملاحظة هامة: الشهادة قد تكون من إحدى القرى جهة طنجة تطوان الحسيمة او جهة العيون الساقية الحمراء أو جهة سوس ماسة أو أي جهة أخرى من المملكة..






