رسالة مونتريال: العلاقات المغربية الكندية تحت المجهر

رسالة مونتريال: العلاقات المغربية الكندية تحت المجهر

محمد أمين الصادقي

عرفت كندا تاريخيا بدومينيون كنداالذي شكل الاسم الرسمي للدولة الكونفدرالية عند تأسيسها عام 1867، ولكنه أصبح نادر الاستخدام بعد الحرب العالمية الثانية، و تم التخلي عن هذه التسمية رسميًا واعتمد مصطلح كنداكاسم وحيد في عام 1982..

وإلى جانب ثقلها الاقتصادي، تلعب كندا دورًا هامًا في تعزيز السلام والأمن على الصعيد العالمي. فقد ساهمت في العديد من العمليات العسكرية الدولية التي نُفذت تحت رعاية الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو). وتعمل كندا بنشاط في مجال المساعدات الدولية للعديد من الدول النامية، وخاصةً تلك الموجودة في أفريقيا.

وكان هذا البلد الأمريكي الشمالي من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال المملكة المغربية عن الحماية الفرنسية سنة 1956، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي اعترفت باستقلال المغرب يوم 7 مارس 1956، أي بعد خمسة أيام عن الإعلان الفرنسي المغربي الموقع في 2 مارس 1956الذي تعلن فيها فرنسا عن الاستقلال الرسمي للمغرب، وبعدها جاء اعتراف إسبانيا يوم 7 أبريل 1956..

وترتبط المملكة المغربية وكندا بعلاقات دبلوماسية منذ سنة 1962، ويصادف عام 2026 الذكرى الرابعة والستين لهذه العلاقات الثنائية. ومكن البلدين إلى المنظمة الدولية للفرانكوفونية، واستقبال كندا لجالية مغربية مهمة، تفوق 300 ألف نسمة، من التقريب بينهما، فضلا عن كون حوالي خمسة آلاف طالب مغربي يتوجهون سنويا إلى كندا قصد الدراسة، دون إغفال الأدوار التي يضطلع بها المواطنون الكنديون المقيمون بالمملكة والذين يقدر عدد بحوالي ثلاثة آلاف نسمة..

بالإضافة إلى كونه شريكًا قديمًا لكندا في الفرانكوفونية، برز المغرب في السنوات الأخيرة كحليف مهم في جهود مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف. وقد ترأس البلدان المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب من عام 2019 إلى سبتمبر 2022. كما تُساهم كندا في جهود المغرب في مكافحة الإرهاب من خلال برنامج المساعدة في بناء القدرات في مجال مكافحة الإرهاب. ومنذ عام 2017، قدّم هذا البرنامج أكثر من 9.1 مليون دولار أمريكي من خلال برامج ثنائية وإقليمية في المغرب، ركزت بشكل رئيسي على المساعدة الفنية والتدريب. وتهدف هذه الجهود إلى دعم واستكمال استراتيجية المغرب لمواجهة التهديدات الإرهابية المتطورة، مثل التصدي لتمويل الإرهاب وظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، وتعزيز أمن الحدود والمطارات، والحد من نفوذ التنظيمات المتطرفة العنيفة.

تنامي الاستثمار المباشر وتقوية الشراكة الاقتصادية

منذ العقدين الأخيرين، تشهد العلاقات الاقتصادية بين المغرب وكندا زخماً غير مسبوق، ويتجلى لذك في مؤشرات ملحوظة تتمثل في تنامي الاستثمار المباشر وتقوية الشركات و ازدهار التبادل التجاري..

وتفيد وزارة الخارجية الكندية أن الاستثمار الكندي المباشر في المغرب ارتفع بنسبة 270 في المائة بين عامي 2022 و 2023 ، ليصل إلى 283 مليون دولار أي حوالي 1.85 مليار درهم، وهو ما يعكس سعي كندا إلى إعادة تموقعها الاستراتيجي في السوق المغربية.

وتتركز الاستثمارات الكندية في المغرب بشكل أساسي في قطاعات استراتيجية، تشمل التعدين والطاقة والتعليم، بالإضافة إلى قطاعات صناعية أخرى كالطيران والسيارات والصناعات الغذائية الزراعية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

توجه نحو تطوير وتوسيع العلاقات الثنائية في مختلف المجالات

ويندرج هذا التوجه في إطار صيرورة متواصلة تهدف إلى تطوير وتوسيع العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وترجم ذلك في الارتفاع المتزايد للمبادلات التجارية بين البلدين ، حيث كان حجم الصادرات الكندية إلى المغرب برسم عام 2004، في حدود 6 ر159 مليون دولار كندي مقابل واردات هذا البلد من المغرب، في حدود 92 مليون دولار كندي، وفي عام 2024 ، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 1.81 مليار دولار كندي أي حوالي 11.82 مليار درهم مغربي، مما جعل المغرب ثالث أكبر شريك تجاري لكندا في أفريقيا، وثاني أكبر وجهة للصادرات الكندية في القارة.

ويشكل القمح الصلب والقطاني والمنتوجات الورقية والمواد الأولية المستعملة في صناعة التجميل والأدوية، أهم ما يستورده المغرب من السوق الكندية، في حين تستورد كندا من المغرب على الخصوص، الحوامض والمنتوجات البترولية المصفاة، وبعض المنتوجات المعدنية والألبسة..

الاستفادة من مكانة المغرب كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية والصناعية

وتؤكد الوزارة الكندية أن هذا الزخم مدعوم بمكانة المغرب كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية والصناعية، بفضل اتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.

وتضيف الوزارة الكندية أن مشاريع البنية التحتية الكبرى المرتبطة بكأس العالم لكرة القدم 2030 وبرنامج مطارات 2030 ، تتيح فرصًا تجارية للشركات الكندية، لا سيما في مجالات الهندسة والإنشاءات وتقنيات النقل.

ويشمل التعاون المغربي الكندي مجالات أخرى كتلك المتعلقة بقضايا المناخ، حيث تبرز مساهمة أوتاوا بمبلغ 450 مليون دولار كندي في صندوق المناخ الأخضر، والذي خُصص جزء منه لدعم التحول المناخي في المغرب. ويتم هذا التعاون ضمن إطار متعدد الأطراف يضم مؤسسات مثل البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير وبنك التنمية الأفريقي. وفي هذا السياق، تُشير السلطات الكندية إلى الاستثمارات المغربية في الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرياح كمجالات للتقارب مع الخبرات الكندية في التقنيات النظيفة.. ويشهد تواجد الشركات الكندية في المغرب نموًا متزايدًا، لا سيما في القطاعات ذات الأولوية مثل التعدين والتقنيات النظيفة والفضاء والسيارات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتعليم والصناعات الغذائية.

التعليم ركيزة أساسية لتقوية العلاقات الثنائية

ويظل التعليم ركيزة أساسية في العلاقات الثنائية، حيث تشير المعطيات المتوفرة إلى أن عام 2024، سجل أكثر من 6100 طالب مغربي يتابعون دراستهم في كندا، وهو رقم في ارتفاع مستمر مدفوعاً بتطوير الشراكات الأكاديمية بين البلدين. كما تُؤكد كندا على إمكانات التعاون في التدريب التقني والمهني، الذي يُعتبر عاملاً رئيسياً في ملاءمة المهارات المحلية مع احتياجات سوق العمل.

وبالتوازي مع ذلك، تستهدف برامج التعاون الإنمائي الكندية في المغرب تحقيق النمو الشامل، والحد من الفقر، والمساواة بين الجنسين، والتكيف مع تغير المناخ. وتولي هذه البرامج اهتماماً خاصاً بالتمكين الاقتصادي للفئات السكانية الأكثر هشاشة، ولا سيما النساء، من خلال دعم الفلاحة المقاومة لتغير المناخ وتوفير فرص التدريب.

ترسيخ دور المغرب كشريك أفريقي رئيسي لكندا

ووفقاً للدبلوماسية الكندية، تُسهم جميع هذه الإجراءات في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المغرب، وترسيخ دوره كشريك أفريقي رئيسي لكندا. ومن المتوقع أن تتوسع آفاق التعاون، لا سيما في مجال المعادن الاستراتيجية كالفوسفات والكوبالت التي تُعدّ أساسية لسلاسل القيمة العالمية وانتقال الطاقة، فضلاً عن التقنيات الرقمية والأمن السيبراني، استجابةً لنمو قطاع التكنولوجيا في المغرب..

العمل من أجل الاستفادة من انفتاح الاقتصاد الكندي

يبدو أن الضرورة تقتضي العمل من أجل الاستفادة أكثر من الانفتاح الذي يتميز به الاقتصاد الكندي، حيث ينبغي على النسيج المقاولاتي المغربي ان يضاعف جهوده لتقوية قدراته على اختراق الأسواق الكندية مع التركيز على تنافسية المنتوجات المغربية من حيث الجودة والكلفة، وفي هذا الإطار، تجب الإشارة إلى أن الاقتصاد الكندي منفتحٌ تمامًا على العالم الخارجي، حيث يُمثل معدل الانفتاح 60 في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي، فمن الواضح أن تجارة البلاد مُستقطبة بشدة نحو الولايات المتحدة، التي تستحوذ على حوالي 80 في المائة من صادراتها وتُورّد أكثر من 50 في المائة من وارداتها. ومع ذلك، تشهد كندا حاليًا تنويعًا تدريجيًا لعلاقاتها الاقتصادية الخارجية، لا سيما مع الاتحاد الأوروبي (اتفاقية التجارة الحرة في مراحل متقدمة من المفاوضات) والدول الآسيوية، وخاصة الصين، تماشيًا مع التحول التدريجي لمركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو آسيا..

وقد سبق لرئيس المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية محمد مولين توفيق في لقاء حول العلاقات المغربية الكندية نظم بالرباط في شهر مارس عام 2013 أن أكد أن أهمية كندا في الخيارات الاستراتيجية للمغرب تنبع من عدة اعتبارات، اقتصادية وجيوسياسية، حيث يشترك البلدان في تاريخ عريق يمتد لأكثر من ستين عامًا من التعاون الثنائي، مدفوعًا بتقارب المصالح في عدة مجالات. وشهدت العلاقات التجارية بين المغرب وكندا تطورًا مشجعًا في السنوات الأخيرة. لكن تبقى الكفة مرجحة لفائدة كندا، حيث تبقى نسبة تغطية الواردات بالصادرات المغربية منخفضة..

ويلاحظ الخبراء الاقتصاديون أن حجم الاستثمار المباشر الكندي، لا يتناسب مع الإمكانيات الكبيرة التي يتوفر عليها المغرب، حيث لا يمثل هذا الاستثمار سوى 0.1 في المائة من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تتلقاه المملكة المغربية.

برامج الوكالة الكندية للتنمية الدولية في المغرب

ويشمل نطاق التعاون الثنائي المساعدة الإنمائية من خلال البرامج التي تنفذها الوكالة الكندية للتنمية الدولية (CIDA) في المغرب، لا سيما في مجالات التعليم الأساسي، والتدريب المهني، وقضايا النوع الاجتماعي، وبناء قدرات فاعلي المجتمع المدني. وتبدو آفاق العلاقات الثنائية واعدة، في ظل اتفاقية التجارة الحرة الشاملة التي يستمر التفاوض عليها بين البلدين. ومن المؤكد أن هذه الاتفاقية ستوفر آفاقًا إيجابية من حيث توليد تدفقات تجارية إضافية وتعزيز الاستثمار. ومع ذلك، يتطلب تحقيقها اتباع نهج تدريجي فيما يتعلق بوتيرة إلغاء التعريفات الجمركية لاستيعاب صدمة الانفتاح على الاقتصاد المغربي، مع مراعاة التدابير المصاحبة لتعزيز إمكانية وصول السلع المغربية القابلة للتصدير إلى السوق الكندية.

تحديات ورهانات تقوية التعاون بين المغرب وكندا

لاشك أن التقوية العلاقات الثنائية بين المغرب وكندا تستوجب الوقوف عند أهم التحديات الحالية والرهانات المستقبلية، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاستراتيجي، ويمكن التركيز على أربعة جوانب أساسية:

أولا: لابد من تحديد نقاط القوة التي يُمكن الاستفادة منها، وأوجه القصور التي يجب معالجتها لتعزيز التعاون الثنائي بين المغرب وكندا..

ثانيا: ضرورة أن تستند اتفاقية التجارة الحرة التي يجري التفاوض عليها حاليًا بين المغرب وكندا، إلى الأبعاد الاستراتيجية، التي تفضي إلى تعزيز علاقاتٍ أكثر توازنًا وفائدةً للطرفين.

ثالثا: إلى جانب الفرص الاقتصادية، يجب تحديد المجالات التي يمكن للمغرب أن يستلهم فيها من التجربة الكندية لتسريع مساره التنموي سواء على مستوى التنمية البشرية، أو الاستراتيجية الصناعية، أو المشاريع الكبرى للتجهيزات والبنيات التحتية وغيرها..

رابعا: لتوسيع نطاق مصالحهما الاستراتيجية، ينبغي للمغرب وكندا الاستثمار بشكل مشترك في فضاءات ومجالات تعاون أخرى، لا سيما في القارة الأفريقية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات