حين تتحول كرة القدم إلى مرآة للحسد

حين تتحول كرة القدم إلى مرآة للحسد

حين تتحول كرة القدم إلى مرآة للحسد

لم يعد خافيًا على أحد أن نجاحات المغرب في نيل شرف تنظيم مونديال 2030 لم تكن حدثًا رياضيًا معزولًا، بل ثمرة مسار طويل من الرؤية والاتساق والعمل الهادئ. غير أن بعض القراءات، وخاصة تلك التي خرج بها الإعلامي “المثير للجدل” حفيظ دراجي، بدت وكأنها محاولة لإقحام كرة القدم في متاهات نفسية وسياسية لا علاقة لها بروح المنافسة ولا بأخلاقيات التحليل.
التدوينة التي راجت، والمتضمنة تمنّي نهائي جزائري-فرنسي على أرض المغرب، لم تكن زلة لسان بقدر ما كانت انزلاقًا إلى ما يمكن تسميته بـ“السريالية الخبيثة”: سردية تُحمِّل حدثًا عالميًا أثقل مما يحتمل، وتُسقِط عليه عقدًا تاريخية لم تُحلّ بعد. هنا، لا نكون أمام رأي رياضي، بل أمام رغبة في تلطيخ فرحة مغربية خالصة بمعطيات غير رسمية، علمًا أن مكان النهائي لم يُعلن بعد من طرف الفيفا.

زاوية مختلفة: لماذا يظهر الحسد حين ينجح المغرب؟

الحسد، في العلوم الاجتماعية، ليس مجرد انفعال. إنه استجابة نفسية تتغذى من المقارنة غير المتكافئة. حين ينجح طرفٌ في تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والتاريخ إلى جسر، والرياضة إلى لغة جامعة، يصبح نجاحه مرآة قاسية لغيره. المغرب اليوم لا يحتفل فقط بملف مشترك مع إسبانيا والبرتغال. إنه يحتفل بنموذج شراكة متكافئة جنوب-شمال، وبقدرة على الإقناع الهادئ بدل الضجيج.
القوة الناعمة حين تقود الدبلوماسية الملكية المشهد
ما يميّز التجربة المغربية هو أن كرة القدم لم تُفصل عن السياسة العامة للدولة، بل اندمجت ضمن رؤية دبلوماسية تقودها مؤسسة الملك. الدبلوماسية الملكية التي يقودها الملك محمد السادس لم تراهن على الخطاب العالي، بل على الثقة، والاستثمار، والالتزام بالمعايير الدولية، وبناء الشراكات العابرة للمتوسط. هكذا تُصنع القوة الناعمة: عندما يصبح التنظيم وعدًا موثوقًا، والفرح مشتركًا، والحدث منصة للتلاقي لا للتصفية الرمزية.
من عقدة الهوية إلى أفق اللعبة
الإصرار على جرّ مونديال 2030 إلى ثنائية “الجزائر-فرنسا” يكشف ضيق أفق التحليل أكثر مما يكشف حقيقة الحدث. فالمونديال، بوصفه أكبر تظاهرة رياضية، يُقاس بالقدرة على الجمع، لا بالقدرة على الاستفزاز. المغرب، باعتراف العالم، قوة تنظيمية صاعدة وكروية واعدة. أما الإصرار على قراءة إنجازه بمنطق الغيرة، فلا يزيد المشهد إلا مفارقة تُضحك الجمهور وتفقد الخطاب مصداقيته.

الخلاصة

مونديال 2030 ليس ميدان تصفية حسابات ولا مختبر إسقاطات نفسية. إنه امتحان للقدرة على تحويل الرياضة إلى لغة سلام وتعاون. ومن هذه الزاوية، يربح المغرب الرهان قبل صافرة البداية: لأنه اختار العمل بدل الضجيج، والشراكة بدل الاستقطاب، والقوة الناعمة بدل السجال العقيم. أما “الدوار الكروي”، فسيظل عارضًا عابرًا عند من لم يهضم بعد أن العالم تغيّر، وأن الفرح حين يكون مستحقًا لا يُلوَّث.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات