عبدالفتاح الصادقي☆
يمثل رحيل علي خامنئي، الذي أُعلن عنه في الفاتح من مارس 2026، عقب عملية عسكرية واسعة النطاق نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، نهاية حقبة وبداية فصل غامض في تاريخ البلاد والشرق الأوسط ككل. لقد ظل خامنئي المرشد الأعلى لإيران منذ عام 1989، حيث رسّخ نظامًا ثيوقراطيًا استبداديًا قائمًا على التحالف بين رجال الدين والقوات المسلحة. ولاشك أن رحيله الآن، يثير تساؤلات كثيرة حول مستقبل إيران، هل هناك إمكانية حدوث تجديد سياسي في تدبير نظام الحكم، أم أن النموذج القائم سيتمر في حلة جديدة.
لقد حكم خامنئي إيران بقبضة من حديد لحوالي أربعة عقود، معتمدا على تنظيم “الدولة الإسلامية” القائمة على بنية سلطوية، التي تتمحور حول رجال الدين الشيعة والحرس الثوري الإسلامي، وهو أقوى هيئة عسكرية وسياسية في البلاد. وشهدت إيران في عهده تصاعد القمع الداخلي، لا سيما خلال الاحتجاجات الواسعة النطاق عام 2009، واحتجاجات عام 2022 التي أعقبت وفاة مهسا أميني، حيث تظاهر آلاف الأشخاص ضد النظام بسبب وفاة هذه الفتاة بعد اعتقالها من قبل “شرطة الأخلاق”، ثم التظاهرات التي اندلعت في الأيام الأخيرة من شهر دجنبر 2025 بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة.
وعلى الساحة الدولية، انتهج خامنئي سياسة خارجية معادية، في كثير من الأحيان للغرب، ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تردد في اللقاءات والتظاهرات الرسمية شعارات “أمريكا الشيطان الأكبر” و”الموت لأمريكا”، بينما كان يدعم شبكات مثل حزب الله في لبنان وميليشيات مختلفة في اليمن وسوريا والعراق. وجعلت هذه السياسة إيران مصدراً حقيقيا للتوترات الإقليمية.
والحقيقة أن قتل علي خامنئي لم يأت في سياق طبيعي، بل في إطار صراع مفتوح. فقد استهدفت سلسلة من الضربات الجوية، التي نسقتها القوات الأمريكية والإسرائيلية، أهدافاً في إيران، من بينها منشآت مرتبطة بقيادة البلاد، وهي عملية أسفرت عن مقتل العديد من القادة العسكريين البارزين بالإضافة المرشد الأعلى. وكان رد فعل القيادة الإيرانية، القيام بهجمات صاروخية على عدة بلدان عربية مجاورة ، حيث استباحت أمن وسلامة ووحدة أراضيها بدعوى أنها تستضيف قواعد أمريكية.
ويؤكد الإعلان الإيراني الرسمي عن وفاة خامنئي، وما تلاه من الإعلان عن أربعين يومًا من الحداد، فداحة الحدث وتأثيره على النظام السياسي القائم، وعلى التحولات التي يمكن أن تشهدها البلاد في المستقبل المنظور .
وإذا كان الدستور الإيراني ينص على أن خلافة المرشد الأعلى موكلة إلى هيئة تُسمى “مجلس خبراء القيادة”، وهو هيئة منتخبة تتألف من 88 رجل دين مُكلفة باختيار المرشد الجديد، إلا أن غموض الإجراءات وهيمنة هياكل السلطة كالحرس الثوري الإيراني يُصعّبان التنبؤ حول هل سيكون هناك مرشدا جديدا. لقد ذكر خامنئي، قبل وفاته، عدة أسماء لخلفاء محتملين، لكنه لم يُعلن عن أي اسم رسميًا، مما يُؤدي إلى فترة من عدم اليقين السياسي الكبير، حيث يبقى الانتقال محفوفا بالكثير من الشكوك والمخاطر..
ولكن مع ذلك يمكن الإشارة إلى عدة مسارات محتملة بخصوص مستقبل إيران، تتلخص في أربعة :
الأول: ترسيخ السلطة حول الحرس الثوري الإيراني أو رجل دين موالٍ، مما يضمن استمرارية النظام؛
الثاني: حصول صراعات داخلية طويلة، بسبب التنافس على السلطة بين الفصائل الدينية والعسكرية والسياسية؛
الثالث: حدوث ضغط شعبي من أجل تغيير حقيقي، مع احتمال مواجهته بالقمع.
رابعا: حصول تحول تدريجي داخل المجتمع الإيراني، تتقلص فيه السلطة الدينية لفائدة مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، و بروز الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني..
والحقيقة أن فقدان شخصية محورية في النظام السياسي الإيراني، مثل المرشد العام، قد يُعزز التوقعات بالتحول داخل المجتمع الإيراني. ولكن هذا التحول يبقى غامضا، فقد عبّر العديد من الإيرانيين، على مواقع التواصل الاجتماعي، عن مزيج من الأمل والشك، فإذا كان بعض الإيرانيين وخاصة في الخارج عبروا عن فرحتهم بمقتل خامنئي، فإن بعضهم الآخر يعتقد أن وفاة المرشد العام لا تعني، بالضرورة، نهاية النظام السياسي المتغلغل ومعه جهاز القمع، بينما يُشير آخرون إلى أنه حتى بدونه، لا تزال هياكل السلطة، ولا سيما الحرس الثوري، راسخة بعمق في شرايين الدولة.
وفي حين يحلم إيرانيون بـ”إيران جديدة، أكثر حرية وديمقراطية”، فإن هذا التطور لا يمكن أن يعتمد على وفاة فرد واحد مهما كبر شأنه وعظمت مكانته داخل النظام السياسي، بل على مدى قدرة التنظيمات السياسية المعارضة والفصائل الإصلاحية، والمجتمع المدني، ومختلف المؤسسات على فرض وجودها في مواجهة القوى المحافظة، التي هيمنت على المجتمع لأكثر من خمسة عقود. وبعيدًا عن كونه أمرًا تلقائيًا، تتطلب هذه النقطة المحورية تغييرات جذرية في العلاقة بين الدولة والدين والشعب داخل المجتمع الإيراني.
والواقع أن تأثير مقتل خامنئي لا يقتصر على إيران فحسب، بل إنه يُغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط بشكل كامل. فالتحالفات الإقليمية، والتوترات مع إسرائيل، والعلاقات مع قوى كبرى كالولايات المتحدة والصين، فضلاً عن قضايا الطاقة، من المتوقع أن تُعاد صياغتها بفعل هذه اللحظة التاريخية الفارقة.
لا شك أن نهاية علي خامنئي تُشكل نقطة تحول في تاريخ إيران، لكنها لا تُبشر بالضرورة ببداية إيران ديمقراطية جديدة. بل إنها تُدشن مرحلة انتقالية حساسة، مليئة بالشكوك المؤسساتية والاختيارات السياسية والاقتصادية، والتوترات الاجتماعية والتحديات الإقليمية. وسيتوقف المستقبل على قدرة مختلف الفاعلين الإيرانيين والدوليين على تجاوز هذه المرحلة دون الانزلاق إلى الفوضى أو العودة إلى النظام القديم بصورة مختلفة.
☆إعلامي باحث في القانون العام والعلوم السياسية









