الباحث والإعلامي عبدالفتاح الصادقي
يعتبر القطاع غير المهيكل أحد التحديات الكبرى التي تواجه الاقتصاد الوطني والتي طالما تحدثت عنه الحكومات المتعاقبة دون أن تمتلك الإرادة السياسية القوية لمعالجته. وسبق للعديد من المؤسسات الوطنية والدولية أن شددت على أهمية العمل على إدماج القطاع غير المهيكل في القطاع المنظم وضمان مساهمته الشفافة في الدورة الاقتصادية الوطنية في إطار تنافسي نزيه..
وقد كان من الممكن أن تشكل القوانين المالية السنوية آلية تدريجية لمعالجة مشكل القطاع المهيكل، لكن أصحاب القرار لم يستطيعوا تنزيل ذلك على أرض الواقع لاعتبارات كثيرة، ويبدو أن الحكومة الحالية لم يبق أمامها مجال للمناورة وأصبحت مضطرة لاتخاذ تدابير بهذا الخصوص، وهو ما أكدت عليها في مضامين مشروع القانون المالي لسنة 2023 ، حيث أبرزت أنها ستعمل على إدماج القطاع غير المهيكل في النظام الضريبي ومراجعة الضريبة على القيمة المضافة، ابتداء من سنة 2024، ولكن نتائج لا تزال غير واضحة كما أن المسار لا يزال طويلا ومحفوفا بالمخاطر..
تشير تقديرات المؤسسات الوطنية والدولية إلى أن نسبة تتراوح بين 60 و80 في المائة من الساكنة النشيطة المشتغلة بالمغرب تزاول أنشطة تندرج ضمن الاقتصاد غير المنظم، حسب تقرير سابق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
والواقع أن القطاع غير المنظم يشكل ظاهرة عالمية، ولا يقتصر على بلدنا، حيث احتل منذ سبعينيات القرن الماضي، مكانة بارزة في الاقتصاد الوطني ، فظهور الاقتصاد العصري المنظم في المغرب ارتبط في جزء كبير منه بالاقتصاد الموازي الذي يمثله القطاع غير المهيكل، حتى أن العديد من أرباب المنشآت الإنتاجية والخدماتية المهيكلة، كانوا يتوفرون على منشآت موازية في القطاع غير المنظم، وهو الأمر الذي يستمر مع الكثير منهم ..
ويبدو أن الأنشطة المتعلقة بالقطاع غير الهيكل شكلت عنصرا مستداما وهيكليا للاقتصاد الحضري، وأنها وفرت آلية حاسمة في امتصاص الآثار السلبية للهجرة القروية، من خلال استيعاب جزء كبير من القوة العاملة التي تبحث عن فرص الشغل التي افتقدها العالم القروي بفعل توالي سنوات الجفاف. إلى جانب ذلك شكل القطاع غير الهيكل المشتل الاحتياطي من المؤهلات والكفاءات التي يحتاجها القطاع المهيكل عبر توفير التدريب ومراكمة التجارب واكتساب المهارات..
ولا يزال هذا القطاع الذي يتخذ عدة مسميات منها الاقتصاد غير الرسمي، والاقتصادي الموازي، والاقتصاد السري والاقتصاد الأسود، والاقتصاد غير المهيكل، يمثل وزنا قويا في سوق العمل وفي بعض الأنشطة الإنتاجية في البلاد. ووفقًا لنتائج دراسة نشرها بنك المغرب سنة 2021 ، يمثل القطاع غير المنظم و غير الرسمي في المغرب حوالي 30٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
ويؤكد المركز المغربي للظرفية أن القطاع غير المنظم ظل في كثير من الأحيان مكونًا هيكليًا ومستدامًا للاقتصادات النامية، وهو يعتبر واقعا يفرض نفسه على النطاق العالمي. وهو مفهوم متعدد المعاني وقابل للتوسيع، مندمج إما في قطاع في طور الاستيعاب أو في العمالة الناقصة والبطالة، أو في الأنشطة الهامشية أو حتى في أنشطة الإنتاج الصغيرة التي تخضع للقطاع الرسمي ذي الطابع الرأسمالي. وبهذا المعنى ، فهو مرادف للفقر والهشاشة ونشاط الشارع وغياب إطار تنظيمي ونقص في المعلومات.
ويبرز المركز المغربي للظرفية أن المستوى المرتفع للقطاع غير المنظم في الإنتاج والتشغيل، يطرح تحديات رئيسية على صعيد السياسة العامة للدولة، ذلك أن العديد من الشركات والعاملين ليس لديهم القدرة على العمل في إطار منظم، وفقًا للتدابير القانونية والضريبية المعمول بها، والترتيبات التي تفرضها سوق العمل. وبالتالي، سيكون القطاع غير المنظم في المغرب، قبل كل شيء، هو الخيار الوحيد الممكن أمامهم للمشاركة في الحياة الاقتصادية، بدلاً من أن يظلوا غير نشطين بدون عمل أو مستبعدين تمامًا من أي نوع من النشاط الاقتصادي.
علاوة على ذلك، لا تزال مساهمة القطاع غير المنظم قوية على مستوى التشغيل ودخل الأسر، في المناطق القروية والحضرية على حد سواء. ويمكن القول إن الاقتصاد “السري” ومعه الأنشطة الصغيرة، أصبح مكونًا مستدامًا وهيكليا للاقتصاد الحضري. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يوفر ملاذا من آثار الهجرة الجماعية من خلال استيعاب جزء كبير من القوة العاملة في البحث عن عمل. ومن ثم فإن القطاع غير المنظم هو بمثابة حاجز اجتماعي أو ممتص للصدمات بقدر ما هو مصدر للشغل والدخل يسمح لسكان المحرومين في أحزمة الفقر بالمناطق الحضرية بالتوفر على أبسط شروط البقاء على قيد الحياة.
وإذا كان للقطاع غير المنظم بعض المميزات التي تمت الإشارة إليها في السابق، فإن أضراره البليغة لا تخفى عن الخبراء وأصحاب القرار، وفي هذا الإطار يشير كثير من الباحثين إلى الاختلالات العميقة والأضرار الكبرى التي تتسبب فيها الكيانات التي تشتغل في الظلام كما الشأن بالنسبة لأنشطة الاقتصاد غير المهيكل، لأنها لا تدفع الضرائب المستحقة لفائدة مصالح الدولة، ولا تؤدي تحملات تغطية الضمان الاجتماعي لفائدة العاملين، وبالتالي تمارس منافسة غير عادلة مع أنشطة القطاع المنظم .
وهكذا يتسبب الاقتصاد غير الرسمي في حصول عجز معين من حيث الإيرادات الضريبية، ومساهمات الضمان الاجتماعي للدولة، ويؤدي أيضًا إلى نقص في خلق قيمة مضافة للاقتصاد المغربي.. كما تظهر مساوئ القطاع غير الرسمي في انخفاض أسعار وجودة المنتجات والخدمات الناتجة عنه، مع الاعتماد على التزييف والإغراق، وعدم الامتثال للمعايير المعمول بها..
من واضح أن القطاع غير الرسمي في المغرب يعد من أكبر التحديات التي تواجه السلطة التنفيذية في البلاد، ومن المسلم به أن تحسين الظروف المعيشية للسكان يتطلب حتماً اندماجهم في الاقتصاد الرسمي. ولكن الأمر يتعلق قبل كل شيء بتحديد وفحص التدابير المحفزة، الحالية أو المستقبلية، التي يحتمل أن تشجع التحول إلى الإجراءات الرسمية، والانتقال من القطاع غير المنظم إلى القطاع المهيكل.
لا شك ان الجميع مقتنع بأن القطاع غير الرسمي لا يزال يشكل جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الوطني على الرغم من البرامج الحكومية الطموحة للارتقاء بالاقتصاد (خطة الانبثاق، وخطة رواج، وامتياز، ومساندة ، وانطلاقة وغيرها، والتي تهدف إلى السعي نحو إدماج القطاع غير الرسمي في القطاع الرسمي. ففي السنوات الأخيرة، عملت السلطات العمومية على معالجة القضايا الاقتصادية المتعلقة بالقطاع غير الرسمي. ومن بين أمور أخرى، تم الاهتمام بوضع الإطار الخاص بالمقاول الذاتي، والذي يستخدم كأداة تسمح باستيعاب مجالات أوسع من الأنشطة.
ومن الواضح أنه من أجل توفير سبل النجاح تقتضي الضرورة التوفر على إطار مؤسسي تنظيمي بسيط بعيد عن كل التعقيدات التي تقيد وتعرقل تطوير الأنشطة غير الرسمية. وفي السياق نفسه يجب تبسيط إجراءات الاندماج في الوضع الجديد، والرفع من سقف المزايا المالية الممنوحة، وتوسيع الاستفادة والدعم أمام الأشخاص الذين لا يستطيعون الإعلان عن معاملاتهم بسبب الخوف وانعدام الثقة..









