سعيد بنيس
شارك الأستاذ سعيد بنيس بعرض تحت عنوان” الحقوق المرفقية: الرهانات والتحديات المجتمعية” في ندوة نظمتها مؤسسة وسيط المملكة يوم الخميس 26 فبراير 2026، حول موضوع “الحقوق المرفقية في العصر الرقمي”، حيث وقف المتدخل عند العديد من الإشكالات المرتبطة بالحقوق المرفقية حاليا ومستقبلا ، وحاول الإجابة على بعض الأسئلة التي لها علاقة بالتحديات والرهانات المجتمعية في الحالة المغربية. ونظرا لأهمية العرض ننشره كاملا .
تعتبر الحالة المغربية حالة غير مكتملة فيما يتعلق بالمرفقية الرقمية في علاقتها بالتحديات المجتمعية. سنحاول مقاربة هذه الحالة من خلال مقاربة كيفية، تروم الانطلاق، ليس من استنتاجات أو ملاحظات ميدانية كما هو معتمد في الأدبيات المنهجية المتبعة في العلوم الاجتماعية، بل من اشتشرافات عامة، تجد جدواها في طبيعة الموضوع الذي يحيل على الحقوق المرفقية في العصر الرقمي.
من الاستنتاجات إلى الاستشرافات
- هناك انتقال من مجتمع التواصل إلى مجتمع الاتصال
- هناك انتقال من مرافق عمومية واقعية إلى مرافق عمومية رقمية
- هناك انتقال من مواطن واقعي إلى مواطن رقمي ( افتراضي)
- هناك انتقال من ترسانة حقوق واقعية إلى ترسانة حقوق رقمية
أمام هذه الاستشرافات ما هي الملاحظات التي يمكن رصدها حول تمفصلات الحقوق المرفقية والرهانات المجتمعية ؟
ملاحظات عامة :
- الولوج للمرفق العمومي هو سؤال من أسئلة الحق والتمتع بالمواطنة الكاملة
- الممارسات الرقمية المرفقية تحيل على مصفوفة من القيم منها الكرامة، وعدم الشعور بالحكرة..
- المخرجات : ترسيخ المواطنة الرقمية وتثبيت الحس الرقمي
من هذه الزاوية ترتبط التحديات التي تواكب هذه الملاحظات بعدة أبعاد منها لا للحصر :
- الولوج للمرفق الرقمي في علاقته بالأمية الرقمية
- الفئات غير القادرة على مواكبة السرعة التقنية + Generation lag » تأخر جيلي – décalage générationnel
- من الثقة في الدولة إلى الثقة في الآلة ( مشكل انعدام التنسيق الرقمي بين القطاعات (مثال استخلاص الضريبة عن السكنى ..)
- الحقوق الرقمية والوعي بجدواها من طرف المواطن الرقمي: شرعية الوثائق الرقمية ( مثال البطاقة الوطنية وحمولتها الإدارية، أهمية وجدوى وظيفة QR )
- الحقوق المرفقية تطرح سؤال طبيعة العينة أي صفة المرتفق هل هو مواطن أو مرتفق أم زبون أم الثلاثة معا؟
- الوساطة الرقمية تعيد إشكالية ظهور فئة الوسيط الرقمي: ماهي سبل تنظيم المهنة في ظل مخاطر تسريب البيانات الشخصية.
- المسافة بين التمثلات والممارسات (الممارسات اليومية للمرتفق: ورقة القطار – ورقة الشباك البنكي ..). يبدو أنه من الضروري تفكيك التمثلات السالبة حول الرقمنة وإعادة تبيئتها على أساس تمثلات إيجابية و”تمكينية”
يظل السؤال الراهن هو كيف يمكن فهم علاقة الحقوق المرفقية الرقمية بالرهانات المجتمعية في الحالة المغربية؟
المنطلقات العامة
- تطورت علاقة الحقوق المرفقية في العصر الرقمي من مجرد تقديم خدمات مادية إلى ضمان حقوق رقمية أساسية.
- من الخدمة الرقمية إلى الحق الرقمي: هذا الحق أضحى حقا أساسيا من حقوق الإنسان كما في بعض الدساتير، انتقلنا من الهوموسابيانس إلى الهومو كونيكتيكوس ( الإنسان المتصل).
- يحتم العصر الرقمي الاعتراف، بل الاشتغال الحثيث على المساواة الرقمية ( الفجوة الرقمية ( أيت بوكماز)).
- ترتكز الخدمات المرفقية الرقمية على مبدأي الولوجية والتسهيل، وليس على وضعيتي الإقصاء والتهميش.
- هناك مفارقة المرفق الرقمي غير المتصل داخل مدن أريد لها أن تكون مدنا ذكية (حالة مدينة الدار البيضاء ).
في مقابل هذه المنطلقات، من البديهي التركيز على دور بعض الرهانات المجتمعية لاستشراف مستقبل الحقوق الرقمية في الحالة المغربية ومنها :
- دور محاضن التربية (الأسرة والمدرسة والحزب والنقابة والجمعية والنادي..) في التوعية بالمرفق العمومي في علاقته بالحقوق الرقمية.
- إدراج التربية على الحقوق المرفقية كمادة في المدرسة المغربية.
- تفعيل رهان السيادة والخصوصية، لا سيما مع الولوج إلى عصر البيانات، حيث سيتحول المرفق العمومي إلى بنك للبيانات.
- حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي للمرتفقين من مخاطر الاختراقات.
- مواكبة التحدي الأخلاقي عبر الأنسنة، مقابل الخوارزميات لمحاربة التمييز التقني الذي تفرضه دكتاتورية الآلة وعدم مرونة التطبيقات.
- شرط الاستمرارية والتكيف الذي يتمثل في ضمان اشتغال المرفق العمومي 24/24 وصلابة الأنظمة ، وكمثال علة ذلك الهجوم على CNSS إضافة إلى عدة تقارير تضع المغرب كأول المستهدفين بإفريقيا بالهجمات السبيريانية.

وأمام هذه الرهانات تظل التحديات المجتمعية مرتبطا أساسا بمقومات العيش المشترك ومرتكزات الرابط الاجتماعي .
في هذا السياق صارت مقومات العيش المشترك رهينة ب “عقد اجتماعي جديد” ذي طبيعة رقمية تشكل فيه “المرفقية الرقمية” أساس المواطنة المتضامنة.
وهذا العقد الجديد يقوم على عدة مسلمات منها لا للحصر:
- “الحقوق المرفقية” كعنصر من عناصر تحقيق التماسك الاجتماعي، أو كعامل لتعميق التفاوتات وتجذر الإقصاء المرفقي.
- الحق المرفقي “حق مشروط” بامتلاك الأداة والمهارة، مما قد يفضي إلى تقسيم المجتمع إلى طبقتين: طبقة “الأغنياء الرقميون” (أصحاب الانخراط غير المحدود والعابر للقارات)، وطبقة “الفقراء الرقميون” ( أصحاب النجمة 6 أو الذين يتعايشون مع صعوبة الوصول إلى أدنى الحقوق الرقمية: “الريزو”).
- الانتقال بالمرفق الرقمي من أداة تقنية إلى أداة لإعادة التوزيع العادل للفرص الاجتماعية ( حالتي الحوز والقصر لكبير ..).
- إعادة اعتبار الرابط الاجتماعي ك “رباط” رقمي مقدس لملاءمة تحديات الانعزالية وبناء الثقة الرقمية.
- إيلاء المرفق الرقمي وضعا محوريا في التداول حول العدالة المجالية في أفق تثبيت جهوية متقدمة هادئة ومتساوية.
- اليقظة الحقوقية حول أداء المرفق الرقمي التي تشكل أساس «المواطنة الرقمية” من خلال رقابة قد تتحول إلى غضب أو عصيان رقمي.
- خلق مرافق هجينة انتقالية تزاوج بين الرقمي والبشري لتجاوز مفارقة المرفق الرقمي غير المتصل.
ويمكن الاستدلال على هذه التحديات المجتمعية من خلال الإحالة على حالة مجتمعية ترتبط بقطاع الصحة الرقمية.
تعتبر الصحة الرقمية واجهة أساسية لتجليات الحقوق المرفقية، حيث تحول “الحق في العلاج” من مجرد زيارة للمستشفى إلى منظومة بيانات متصلة ( مثال الولوج الواقعي الذي يلتصق بلازمة “خصنا الدوسي” ضرورة التوفر على ملف طبي ، ” خاصك تعاود التحاليل” ضرورة إعادة إجراء التحاليل الطبية..)
من هذا المنطلق يمكن كسب رهان “ديمقراطية العلاج” بكسر الحواجز الجغرافية عبر الطب عن بُعد (Telemedicine)، الذي يسمح للمريض في المناطق النائية بالتوصل والاستفادة من استشارات تخصصية، كانت حكراً على المدن الكبرى. ( RIM – Pet Scan …)
لكن التحدي القائم هو توفر بنية تحتية قوية وملائمة، وإلا سيتحول هذا الحق إلى “تمييز رقمي”، حيث يحصل أصحاب الاتصال الجيد بالإنترنت على تشخيص أسرع وأدق، بينما تترك البقية لنظام صحي واقعي متهالك.
كما تظل سيادة البيانات خللا يتعارض مع الحرمة الجسدية الرقمية لاسيما أن التوجس المجتمعي من استغلال البيانات الصحية من قبل شركات التأمين أو أرباب العمل يمثل التحدي المجتمعي الأساسي.
لهذا يفرض الحق المرفقي على الدولة تحدي “الأمن السيبراني الصحي” لضمان عدم تحويل جسد المواطن إلى بيانات قابلة للتداول أو الاختراق. في المقابل يساهم المرفق العمومي الرقمي في تعزيز الشفافية والقضاء على “المحسوبية” من خلال توظيف المنصات الرقمية لتدبير المواعيد وتوزيع الأدوية (خاصة للأمراض المزمنة) ويضمن حقوقا رقمية عادلة للجميع.
لهذا يبدو من البديهي أن ظهور “الوساطة الرقمية” التي تقوم بها فئة من الأفراد تستغل جهل الآخرين بالتقنية للتحكم في المواعيد أو الوصول للمعلومات الصحية، مما يعيد إنتاج الفساد الإداري في لبوس رقمي.
ومن زاوية مغايرة تتطلب الصحة الرقمية الاشتغال على التثقيف الصحي الرقمي خصوصا مع مرور المجتمع من “انتظار العلاج” إلى “الوقاية الاستباقية” عبر التطبيقات والبيانات الضخمة التي ترصد الأوبئة وتوجه السلوك الصحي العام. من الضروري في المقابل مواجهة “التضليل الصحي الرقمي” (Fake News) الذي ينتشر في غياب تواصل رسمي قوي من المرفق العام الصحي، مما يهدد الأمن الصحي للمجتمع ويمس نجاعة المرفق العمومي الرقمي.
انطلاقا من حالة الصحة الرقمية يمكن استنتاج أن الحق المرفقي يفضي إلى معادلة مفادها أن “علاج المرض” يتطلب “رعاية المواطن رقمياً” ومدى شعور المرتفق الرقمي بأن كرامته الصحية مصونة خلف الشاشة كما في المستشفى.
مخرجات
- يبدو أن الرهانات والتحديات المجتمعية في علاقتها بالحقوق المرفقية لا ترتبط فقط بـ “رقمنة الخدمة”، بل بـ “ديموقراطية الولوج” إليها.
- يمكن اعتبار الحقوق المرفقية في العهد الرقمي بمثابة صمام أمان للعدالة الاجتماعية وليست وسيلة لتعميق الهوة بين أفراد المجتمع وخلق طبقية مجتمعية جديدة.
- من المستعجل بناء مرفق مغربي يحمي الخصوصية لتجنب تحوله إلى “منتج بيانات” للشركات العابرة للقارات تنتهك حقوقه الرقمية وتضرب في العمق مبدأ السيادة الرقمية.
- من الضروري تحويل هذه “الحقوق الرقمية” إلى اعتراف مجتمعي ومؤسساتي ، لتأهيل وضمان مرونة “سوق المرفق العمومي” ودمقرطة الخدمات الاجتماعية الرقمية.









