لم يطل صمت الدبلوماسية في الجزائر كثيرا، قبل أن تكسره عبر أجهزتها الرسمية التي حاولت إقناع الرأي العام الدولي بأن حضورها جلسات الحوار حول الصحراء المغربية داخل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في مدريد لم يتجاوز حدود “المراقبة”. غير أن هذا التوصيف، الذي يبدو أقرب إلى مناورة لغوية منه إلى قراءة سياسية دقيقة، يصطدم بواقع ميداني ووثائقي يصعب القفز عليه.
إن المتابعين من باحثين وخبراء وإعلاميين، ينفجرون من الضحك بسبب مثل هذه التصريحات التي تعتمد على “دبلوماسية الإنكار”، لأنهم يدركون جيدا أن هذا النزاع لم يكن يوماً مجرد خلاف ثنائي بين المغرب وجبهة البوليساريو الانفصالية، بل حاولت الجزائر أن تجعله ملفا إقليميا معقدا، حيث ظلت حاضرة في قلبه سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً. ومن تم فإن محاولة تقديم نفسها في موقع المتفرج لا تُقنع سوى من يختار سياسة النعامة، ويدفن رأسه في رمال الصحراء المتحركة، ويفضل السردية الجزائرية الرسمية على الوقائع الملموسة.
لقد تحوّل خطاب المتحكمين في دوائر القرار بقص المرادية في إلى تكرار أطروحة قانونية مفادها أن المفاوضات تخص الرباط والبوليساريو وحدهما. غير أن هذا النهج المعتمد على “دبلوماسية الإنكار” يتجاهل أن الحركة الانفصالية ما كانت لتصمد طويلا لولا الاحتضان اللوجستيكي، والدعم العسكري، والتمويل الجزائري السخي، الذي مكّنها من الاستمرار حتى الآن. كما يتجاهل أن طرح كيان سياسي جديد في المنطقة لم يكن امتداداً طبيعياً لمسار بشري أو تاريخي أو جغرافي، بل جاء نتيجة انخراط قادة الجزائر في التوجهات التي رسمها المعسكر الاشتراكي المنهار، والسباق نحو أوهام النفوذ الإقليمي.
والملاحظ أن الإشكال الحقيقي في هذا النزاع المفتعل لم يعد فقط في اختلاف القراءات التاريخية، بل في تعطيل المسارات التنموية وإضاعة الفرص الاقتصادية، واستمرار إنفاق موارد ضخمة على صراع عبثس يستنزف المنطقة بدل أن يفتح آفاق التكامل المغاربي. فالمليارات التي صرفتها الجزائر على المواجهة السياسية والدبلوماسية مع الملكة المغربية، كان من المفروض أولا أن توجه لتلبية حاجات الشعب الجزائري في الغذاء والصحة والتعليم والسكن والعيش الكريم، وكان من الممكن ثانيا أن يشكل رافعة تنمية شاملة لشعوب المنطقة ككل.
والحقيقة أن المجتمع الدولي لم يعد يكتفي بالتصريحات هذا المسؤول الجزائري أو ذاك، بل ينظر إلى من يملك القرار الفعلي على الأرض ومن يحرك فعلا حركة انفصالية، ومن يهدد بجر المنطقة إلى حرب مدمرة. وفي هذا السياق، يبدو أن دبلوماسية الإنكار التي نهجه المتحكمون في قصر المرادية لم يعودوا قادرين على حجب حقيقة باتت واضحة أمام الجميع: النزاع المفتعل في الصحراء الغربية المغربية ترعاه الجزائر، وأن دبلوماسية الإنكار التي تkهجها منذ عقود انتهت.
هيئة تحرير أفق المغرب









