هل هي بداية انهيار النظام الملالي في إيران؟

هل هي بداية انهيار النظام الملالي في إيران؟

عبدالفتاح الصادقي☆

  يبدو أن الهجوم العسكري الذي أقدم عليه النظام الملالي في إيران ضد عدة دول عربية تتحكم فيه دوافع استراتيجية، وأبعاد قانونية دولية، وردود فعل إقليمية، وتأثيرات داخلية على النظام الإيراني. ولكن النتيجة النهائية يمكن تلخيصها في كون هذا الهجوم عدوان صارخ على دول ذات سيادة، وانتهاك سافر للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة. وهو بمثابة عمل انتحاري، يؤشر على بداية انهيار النظام الملالي في إيران..

إن هذا العدوان لم يكن الأول من نوعه، فقد دأب النظام الملالي في إيران على تكريس سياسته العدوانية من خلال تمويل وتسليح منظمات تقوم بأعمال عدوانية، ووصل به الأمر إلى خلق “دولة داخل دولة”. وفي هذا الإطار لابد من التذكير بأن إيران منذ “ثورة الخميني”  خططت لتصدير ثورتها بمنطق بسط النفوذ الإقليمي، وسعت، على مدى عقود، إلى ترسيخ دورها كقوة في الشرق الأوسط. وارتكزت هذه الاستراتيجية على تحالفات الدول، بالإضافة إلى شبكات من الجهات الفاعلة غير الحكومية كما هو الأمر بالنسبة لحزب الله اللبناني والحوثيين باليمن وجبهة البوليساريو الانفصالية في تندوف. ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير الهجوم الإيراني الأخير على أنه رسالة ردع موجهة إلى الحكومات التي يُنظر إليها على أنها معادية أو متحالفة مع قوى منافسة.

ولا ينبغي إغفال العامل الداخلي، ذلك أن النظام الملالي في إيران، يواجه منذ مدة طويلة صعوبات اقتصادية هيكلة واضطرابات اجتماعية، دفعته إلى تبني موقف خارجي أكثر عدوانية في محاولة لتعزيز التماسك الوطني وصرف الانتباه عن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وتُظهر التجارب أن السياسة الخارجية استخدمت في الكثير من  الأحيان كأداة لترسيخ الأمن والاستقرار الداخلي، وهو التوجه الذي تختاره، في الغالب، الأنظمة العسكرية و الاستبدادية  مثل النظام الملالي في إيران .

إن النظام الإيراني في هجماته العدوانية ضد كل من المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر والأردن،والبحرين، وسوريا، لا يمكن أن  يمكن أن ينفي أن هجماته تشكل  انتهاكا للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة. فمن الناحية القانونية، يُثير الهجوم العسكري على دول ذات سيادة، مسألة امتثال المعتدي للقانون الدولي. وفي هذا السياق يستند ميثاق الأمم المتحدة،  إلى مبدأ أساسي: حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، حيث تحظر الفقرة الرابعة من المادة الثانية، صراحةً التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. ويوجد استثناءان رئيسيان في هذا المجال: الاستثناء الأول يهم الدفاع عن النفس، كما هو منصوص عليه في المادة 51، في حالة وقوع هجوم مسلح. والاستثناء الثاني يهم وجود تفويض صريح من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

 ومن الواضح أن النظام الملالي الإيراني لا يمكن أن يدعي بأنه يحتمي بواحد من هذين الاستثناءين .

 فالعدوان الإيراني،  إذن ، لم يكن دفاعًا مشروعًا واضحًا، كما أنه لم يكن مصرحًا به بموجب تفويض من مجلس الأمن، ومن هذا المنطلق فإنه يُعد انتهاكًا للقانون الدولي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن النظر إلى هذا الهجوم باعتباره يتعارض مع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، الذي يشكل ركنًا أساسيًا من أركان النظام الدولي المعاصر، كما أن القصف العشوائي  لبنية التحتية المدنية أو تعريض السكان غير المقاتلين للخطر يعد أيضا انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.

وفي هذا السياق، من المفترض أن يُعرّض هذا العمل العدواني إيران لإدانة دبلوماسية، وعقوبات اقتصادية إضافية، وتدهور مكانتها في المحافل الدولية.

وإذا كان الرد العسكري من قبل الدول التي تعرضت للاعتداء، انطلاقا من حق الدفاع عن النفس المُعترف به في ميثاق الأمم المتحدة، يبقى مستبعدا، باعتبار أن معظم الحكومات تسعى إلى تجنب التصعيد الكامل، لا سيما في منطقة تعاني أصلاً من عدم الاستقرار، فإن الدول المُستهدفة يمكنها اللجوء إلى مجلس الأمن، وحشد المنظمات الإقليمية، وتعزيز تحالفاتها الاستراتيجية. و قد ظهرت بوادر الرد السياسي والدبلوماسي منذ الساعات الأولى للاعتداء، وهو ما برز بشكل واضح في مواقف الإدانة  ضد إيران التي عبرت علنها  العديد من الدول العربية، بشكل يجسد تعزيز التضامن الإقليمي بين الدول العربية، ويعمق عزلة إيران  في محيطها العربي.

من الواضح أن النظام الملالي الإيراني حاول من خلال هذا العدوان التخفيف من الأزمة الداخلية التي يتخبط فيها، خصوصا مع الحصيلة الثقيلة التي خلفتها الاحتجاجات الشعبية التي انفجرت في أواخر شهر دجنبر 2025 والتي تبقى مرشحة للاستمرار في ظل انسداد الآفاق، واشتداد الخناق على النظام السياسي القائم. إن المظاهرات الحاشدة التي اندلعت في 28 دجنبر 2025 في طهران احتجاجًا على الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد، و تحولت في بداية عام 2026 إلى احتجاجات كبيرة في مدن إيرانية متعددة ضد النظام،  خلفت اعتقال أكثر من  ستة عشر ألف  متظاهر، وإصابة  حوالي 330 ألف شخص، ومقتل حوالي 30  ألف شخص، وهو أمر لا يمكن نسيانه بسهولة من قبل أسر وعائلات الضحايا، بالإضافة إلى أن أسباب و مبررات التظاهر لم تنتف،  فالأزمة الاجتماعية والاقتصادية تشتد يوما بعد يوم وهو يعني أن الاحتجاجات ستعود حتما.

صحيح أن الهجوم العسكري قد يشكل متنفسا للنظام الملالي الإيراني، ويُسهم في تعزيز التماسك الداخلي، على المدى القصير، إلا أن عواقبه على المدى المتوسط ​​والطويل قد تكون وخيمة..

أولًا، من المحتمل جدا تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران وهو ما يشكل خطرا جسيمًا بالنسبة للاقتصاد الإيراني الذي  يُعاني أصلًا من قيود هيكلية كبيرة. وأي تصعيد إضافي قد يُفاقم العزلة المالية، ويُعيق الاستثمار، ويُزيد من حدة الصعوبات الاجتماعية، وهو ما يضر، بالدرجة الأولى، المواطنين البسطاء الذين سيضطرون إلى الاحتجاج.

فعلى الصعيد الداخلي، من المتوقع أن  تتفاقم التداعيات الاقتصادية والاجتماعية بإيران، مما يؤدي حتما إلى تزايد السخط الشعبي واستمرار الاحتجاجات، وبالتالي انهيارالنظام  الملالي، ذلك أن  دروس  التاريخ  تؤكد أن التكاليف الباهظة للمواجهات العسكرية الخارجية غالبًا ما تُؤثر سلبًا على شرعية الأنظمة السياسية القائمة وتؤدي بها إلى الانهيار.

ثانيًا، إن هذا الهجوم سيساهم في تعزيز التحالفات الإقليمية المُعارضة لإيران. وبدلًا من زيادة نفوذها، قد يُسرّع من وتيرة التحالفات الاستراتيجية ضدها، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى نوع من التآكل الداخلي للنظام .

ويظهر،على الصعيد الدولي،أن صورة إيران ستزداد تضررا، وتتعمق عزلتها السياسية والاقتصادية، مما يُعقّد أي محاولة مستقبلية لتطبيع علاقاتها  مع الخارج، حيث لن يتحقق الانفراج إلا بزوال عوامل واسباب التوتر، وفي مقدمتها النظام الملالي.

بشكل عام يمكن القول إنّ الهجوم الإيراني الأخير على عدة دول عربية يُشكّل انتهاكًا خطيرًا لميثاق الأمم المتحدة، مهما كانت دوافعه،  ومن المتوقع أن تكون عواقبه وخيمة، فبالإضافة إلى تصاعد التوترات الإقليمية، وردود فعل دبلوماسية وعسكرية من الدول التي تعرضت للهجوم، وتشديد العقوبات، و إضعاف النظام الإيراني  اقتصاديًا وسياسيًا، فمن المؤكد أن هذا الهجوم يشكل مخاطر جسيمة على الجميع، في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة أصلا.

☆إعلامي باحث في القانون العام والعلوم السياسية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات