لا شك أن كرة القدم العالمية تمر بأزمة صامتة. إنها ليست أزمة تراجع الشعبية، ولا أزمة ضعف الموارد مالية، بل أزمة وضوح الرؤية.
الحقيقة أن كرة القدم حاليًا، لا تعاني من أزمة في النتائج بقدر ما تعاني من أزمة في النموذج. وراء الحديث عن “تراجع المعايير” يكمن توتر هيكلي بين منظمات جامدة وبيئة عالمية متزايدة التنافسية. في كثير من السياقات، يمنع جمود الهياكل التقليدية – الذي يتسم بضعف الحكامة، وانعدام الشفافية، والإدارة غير المبتكرة – التكيف مع المتطلبات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية الجديدة للعبة.
وفي الوقت نفسه، تُعدّ هذه الأزمة ذات بُعد وظيفي أيضًا: فالاعتماد المفرط على الأفراد أو النجوم أو المدربين المنقذين يُضعف قيمة المشاريع الرياضية. وتجاوزا لمسببات هذا الأزمة، تتطلب كرة القدم الحديثة عملًا جماعيًا منظمًا، قائمًا على التخطيط والتدريب والذكاء التكتيكي المشترك. فعندما يحلّ الفرد محلّ الجماعة، يصبح الأداء غير مستقر وعرضة للتقلبات، والعكس صحيح.
وبالتالي، فإن الأزمة في كرة القدم ليست رياضية بحتة ولا مالية بحتة؛ إنها في المقام الأول تنظيمية وإدارية، مما يستدعي إصلاحًا جذريًا قائمًا على الحكامة والابتكار وأولوية المشروع الجماعي.
تتطور اللعبة، لكن أطرها الفكرية لا تزال جامدة. ما زلنا نتحدث عن التقاليد بدلًا من الابتكار، وعن المكانة بدلًا من الكفاءة، وعن النجوم بدلًا من الأنظمة.
والحقيقة المُزعجة بسيطة: لا يزال جزء من كرة القدم المؤسساتية يعمل وفق نموذج عفا عليه الزمن. ولا يزال التوظيف يعتمد على السمعة، والقرارات تُتخذ بناءً على الحدس، والإدارة تخضع للتسلسل الهرمي.
لكن كرة القدم المعاصرة لم تعد تعمل بهذه الطريقة. فقد أصبحت منظومة معقدة، حيث يعتمد الأداء فيها على التماسك العام أكثر من اعتماده على الموهبة الفردية.
ويُعدّ هذا التحوّل جوهريًا في التحليلات التي قدّمها هشام المنزهي في كتابه “الشركة على أرض الملعب”، والذي يُشكّك في الفكرة السائدة بأنّ كرة القدم تعتمد بالدرجة الأولى على الموهبة. يُبيّن منهجه، على العكس، أنّ النصر الحديث ينبع من بنيةٍ مُحكمة: التنظيم، والحوكمة، وتحليل البيانات، والذكاء الجماعي.
هذه الملاحظة ليست نظرية، بل هي واضحةٌ جليّةٌ على أرض الملعب. فالفرق التي تُهيمن باستمرار ليست بالضرورة تلك التي تضمّ أكبر الأسماء، بل تلك التي تُتقن آليات اللعبة الخفية على أكمل وجه: التنسيق، والتكيّف، وتدفق المعلومات، وإدارة المشاعر، والدقة الاستراتيجية.
في هذا السياق، لا يُعدّ إدخال الذكاء الاصطناعي في تحليل المباريات مجرد حيلة تكنولوجية، بل هو نقلة نوعية. فهو يكشف عيوب المناهج التجريبية، ويُبرهن على إمكانية إدارة الأداء والتنبؤ به وهيكلته.
بالنسبة للهيئات الإدارية، ولا سيما الفيفا، لم يعد السؤال هو ما إذا كان هذا التحول سيحدث، فقد بدأ بالفعل. والسؤال الوحيد المجهول هو من سيواكبه ومن سيتأثر به.
لم يعد الانقسام الحقيقي في عالم كرة القدم محصورًا بين القارات أو الميزانيات أو أساليب اللعب، بل أصبح صراعًا بين رؤيتين: الأولى لكرة القدم التي تحكمها التقاليد، والثانية لكرة القدم التي يقودها فهم عميق للأداء.
قد يكون التشبث بالماضي مطمئنًا، لكنه في كرة القدم الحديثة لم يعد يضمن النصر. وتاريخ الرياضة لا يرحم: فالمؤسسات التي ترفض مواكبة عصرها تجد نفسها دائمًا في موقف صعب.
والواقع أن كرة القدم لم تتوقف عن التطور قط. ما يتغير اليوم هو سرعة هذا التطور. وتجاهل هذه الحقيقة لن يحافظ على اللعبة، وقد يتسبب في تقهقرها.
ومن المؤكد أن الاقتناع بالتحديات و بحتمية مواكبة التحولات، سيؤدي إلى نقل مركز القوة والقرار إلى أولئك الذين يدركون، قبل غيرهم، أن النصر في العصر الحديث لم يعد مسألة رغبة، بل مسألة نظام وتدبير جماعي محكم.
هيئة تحرير “أفق المغرب”









