سقوط وهم المدافعين عن إيران أمام ثوابت المملكة وصلابة دبلوماسيتها *

سقوط وهم المدافعين عن إيران أمام ثوابت المملكة وصلابة دبلوماسيتها *

الدكتور ادريس قريش *

سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح ،إذا كانت المرجعية الإسلامية أساسا للمساندة فلماذا لم تستحضر هذه المرجعية عندما تعلق الأمر بوحدة المغرب الترابية ؟

  في خضم النقاش الذي اثير في المغرب حول دعم بعض التيارات المتأسلمة واليسار المتشدد لدولة دعمت خصوم المغرب في وحدته الترابية، وسعت إلى اختراق أمنه الروحي، يبرز تبرير يتكرر باستمرار مفاده أنها ” دولة إسلامية ” ينبغي مساندتها. غير أن هذا التبرير يثير مفارقة عميقة عندما يوضع في سياق طبيعة العلاقة التي حكمت تعامل طهران مع المغرب منذ قيام النظام الملالي، عقب ما يسمى بالثورة الإسلامية سنة 1979، والتي أرست عقيدة واضحة في السياسة الخارجية لإيران، تقوم على تصدير الثورة. تحولت إلى مشروع ديني مذهبي، يسعى إلى توسيع النفوذ خارج حدودها عبر نشر مرجعيتها العقدية وبناء شبكات تأثير داخل المجتمعات عبر الحركات الانفصالية ، مما أثار حذر غالبية الدول بما في ذلك روسيا .

وفي  سياق التنافس الإقليمي، حاولت إيران توظيف البعد الرمزي المرتبط بآل البيت لاستمالة بعض المرجعيات. وفي هذا الإطار، بدا المغرب هدفا ذا خصوصية بحكم انتساب الأسرة الملكية إلى السلالة النبوية الشريفة، وارتكاز شرعيتها على مؤسسة إمارة المؤمنين.  وقد راهنت إيران على المغرب في صراعها الجيوسياسي مع المملكة العربية السعودية حول النفوذ الديني وحول إدارة الحجاز، بحيث لا تبقى إدارة الأماكن المقدسة حكرا على دولة بعينها، وسعت إيران إلى تدويل إدارتها أو وضعها تحت صيغة دولية خاصة على غرار نموذج الفاتكان في إيطاليا ، بما يعني نزع السيادة عنها من المملكة العربية السعودية.

غير أن هذه المقاربة اصطدمت بصلابة الثوابت المغربية، وخصوصية النموذج الديني والسياسي للمملكة المغربية، حيث إن الشرعية التاريخية لا توظف في صراعات النفوذ، وفي الرهانات الجيوسياسية، وهو ما جعل محاولات الاستمالة تتحول سريعا الى عامل توتر بدل أن  تكون مدخلا للتقارب .

إن طهران تعاملت مع المملكة وكأنها عقبة أمام مشروعها، وليس شريكا في فضاء إسلامي مشترك، وجعلته دائما خارج سياق ما يسمى بالتضامن الإسلامي، الذي يرفعه المدافعون عن إيران

فلو كان هذا معيار أساسي للتضامن، لكان من المفترض أن تحترم إيران سيادة الدول الإسلامية ووحدتها الترابية. فقد اختارت دعم الحركة الانفصالية، وضرب الثوابت الروحية والوطنية للمملكة، في موقف يتناقض، بشكل صارخ، مع الشعارات التي يرفعها المدافعون عنها .

ويبقى الدرس الأوضح في هذه القضية أن المغرب القوي التموقع في العلاقات الدولية بما يمثله من نموذج ديني متميز قائم على شرعية إمارة المؤمنين، القلب النابض لكل الثوابت الجامعة، وبما يتمتع به من عمق تاريخي ومؤسساتي يحصن أمنه الروحي والوطني من أي اختراق أو توظيف في صراعات مذهبية، ومن هنا يمكن فهم سبب اصطدام مشروع تصدير الثورة الإيرانية الذي يجد أمامه بنية دينية مستقرة، ومؤسسة شرعية قوية تجعل أي محاولة للتمديد المذهبي أمرا بالغ الصعوبة بل مستحيلا .

ولعل المفارقة تكمن في أن هذه التيارات تتجاهل هذه الحقائق، كما تتجاهل تموقع المغرب والمكتسبات الاستراتيجية المحققة، وتختزل مواقفها في شعارات إيديولوجية محنطة متشبعة بالأوهام  بعيدة عن الواقع. إن مواقف المنتميين لهذه التيارات المختلفة في مرجعياتها ومرتكزاتها، والمتناقضة في تصوراتها وأهدافها، تلتفي في أمر واحد “الكفر” بالوطن والولاء للخارج. وهي لا تتوقف عند حدود الدفاع عن إيران وإنما تحولت إلى منصة للطعن في اختيارات الدبلوماسية المغربية والتشكيك في توجهاتها الاستراتيجية.

والأكيد أن اصطفافها هذا لا يمكن فهمه إلا في سياق اوسع يتعلق بحالة إنهاك سياسي وفكري تبدو من خلاله أنها في مرحلة احتضار سياسي، بعدما فقدت قدرتها على الاقناع والتأثير مجتمعيا، مما جعلها تبيع وطنها من أجل شراء مصداقيتها بالخارج، وتحولت بذلك إلى بندقية للكراء الخارجي.

* باحث في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية – وزير مفوض في التقاعد – أستاذ زائر بجامعات وطنية و أجنبية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات