الدكتور إدريس قريش*
في ظل حملات التشويش التي تتعرض لها الدبلوماسية المغربية وما يرافقها من تشكيك في توجهاتها واختياراتها الاستراتيجية للنيل من مصداقيتها، بات من الضروري الخوض في هذا الموضوع لكشف ما وراء الأكمة لمواجهة محاولات التبخيس والتضليل المتعمد التي تسعى الى اختزال مواقف المملكة المغربية في قراءات سطحية ومضللة أو اتهامات جاهزة ومتحاملة، حيث ينطبق على من وراء هذه المحاولات المثل العربي البليغ ” يهرفون بما لا يعرفون”.
إن فهم الموقف المغربي يقتضي قراءة شاملة لمساره الدبلوماسي الذي يجمع بين الواقعية السياسية والالتزام المبدئي، بعيدا عن منطق المزايدات أو الاستثمار الإيديولوجي في القضايا الكبرى. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفكيك الخطاب الذي يحاول ضرب المملكة المغربية في توجهاتها، والكشف عن خلفياته وأهدافه حتى تتضح الصورة بين دبلوماسية دولة راسخة في توازنها وحملات تسعى إلى التشويش على هذا المسار .
فهل أصبحت الحملات التضليلية ضد المغرب تكتسي صبغة منهجية؟ وهل تنبع من حقد دفين على ما حققه المغرب من تقدم وتموقع في مختلف المجالات؟
لقد شهدنا بالأمس كيف تعرضت منظومتنا الكروية لحملة تشويه واتهامات مضللة، ساهمت في حرماننا من إحراز الكأس، أمام فراغ إعلامي مهني مسؤول، يعرفه المغرب والذي لم يسعفنا في تقديم الردود الواقعية القادرة على تفنيد هذه الاتهامات المضللة، واليوم ، تواجه دبلوماسيتنا حملة مماثلة وبنيران محلية حاقدة، تسعى لنقل صورة مشوهة عن تموقعنا في الساحة الدولية.
فهل الأمر يتعلق بعملية تكفير الدولة وإعلان الولاء للخارج أم انها مجرد تسخينات في إطار عملية استقطابية انتخابوية تنفذها تيارات منهكة في حالة احتضار، عاجزة عن تقديم مشروع اجتماعي واقتصادي من أجل البناء، فتختار الطريق السهل وهو رفع شعارات التخريب والهدم.
فما يجري في كثير من الأحيان، لا يعدو أن يكون سعيا إلى تحريف الحقائق عبر توظيف شعارات فضفاضة، لتقويض مصداقية دبلوماسية اختارت منذ عقود نهج التوازن والاعتدال والدفاع عن مصالحها الوطنية، دون التخلي عن التزاماتها التاريخية تجاه القضايا العادلة على المستوى الإقليمي والدولي .
ان محاولة اختزال مواقف المغرب في قراءات مضللة وتلفيق الاتهامات التشويهية، لاعلاقة لها بالمبادئ ولا بالقيم، وإنما تعكس الرغبة في صرف النظر عن الحقائق واستغلالها لتحقيق مكاسب قصيرة المدى.
والحقيقة أن الدبلوماسية المغربية لم تكن يوما أسيرة الشعارات، بل ظلت وفية لنهج يستمد قوته من بناء حضاري وجودي، آمن به الشعب وأصبح من ركائز وخصوصية الشخصية المغربية بمميزاتها الخاصة، التي تجمع بين المكونات الروحية من جهة، والانفتاح على الفكر الانساني الحداثي من جهة أخرى، وهو التفاعل الذي يشكل اليوم المرجع الأعلى الذي يمنح للمغرب ولعقيدته الدبلوماسية معنى عميقا، وتلك الرؤية الثاقبة، والريادة الروحية الحضارية والقوة الناعمة، التي تستند عليها العلاقات الدولية، وهو ما جعلها تتمتع بصلابة في وضوح الرؤية وجدية التفاعل وصدق التوجه، ومن هنا التموقع الراقي والمكتسبات الاستراتيجية الحيوية المحقق ذات طبيعة سيادية .
والواقع أن المغرب، حافظ منذ عقود على توازنه، بين الواقعية السياسية والالتزام بالثوابت، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. حيث ظل حاضرا بعمقه التاريخي والوجداني منذ فتح القدس 1187 إلى رئاسته للجنة القدس ودوره في حماية الهوية الحضارية للمدينة المقدسة التي نعتبرها في المغرب رمز التقاء الأرض بالسماء.
لقد جعل المغرب من نصرة فلسطين جزءا من ثوابته الوطنية، ومن هذا المنطلق جاء التنديد بسياسة بعض الدول المتطاولة على القضية، وخصوصا إيران التوسعية التي تقوم عاى تصدير الثورة والصراعات المذهبية.وقد تجسدت السياسة التمويهية لإيران تحت غطاء “المقاومة ” في واحدة من المحطات الدالة في تاريخ القضية الفلسطينية، عندما أمر روح الله الخميني الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات إلى إعلان الثورة الفلسطينية ثورة اسلامية، كان الهدف إدخالها ضمن المشروع الإيديولوجي للثورة الايرانية. غير ان عرفات رفض هذا الأمر بشكل صريح وواضح، متمسكا بالطابع الوطني والإنساني للقضية الفلسطينية، مؤكدا أن نضال الشعب الفلسطيني، هو نضال تحرري جامع لا يمكن اختزاله في إطار مذهبي أو إيديولوجي ضيق.
ولذلك فالمغرب لم يتردد في التعبير عن موقفه الحازم تجاه السياسات ألتي تهدد امن واستقرار المنطقة، ودفاعه المستمر عن أشقائه في الخليج العربي، انسجاما مع ثوابته ومبادئ التضامن التي تعتبر امنهم من امنه الوطني .
وفي هذا السياق فإن هذه التيارات المنجذبة للإيديولوجيات الدخيلة على بلدنا، والتي تشن هذه الحملات ليست سوى أذرع لمشاريع خارجية، أوأدوات انتخابية تستحضر حالة ضعفها الداخلي في محاولة لاستعادة نفودها المفقود .
إن المغرب بفضل ثبات مواقفه الدبلوماسية يثبت، يوما بعد يوم أن مصداقيته وتموقعه القوي في الساحة الدولية لا يمكن المساس بهما باعتبارها نابعة من روح المسؤولية لا من الانتماءات الضيقة أو الشعارات الزائفة.
وفي هذا السياق فان ثبات المواقف في مواجهة حملات التشويش والتشويه هو عنوان لرؤية متكاملة تقوم على الحكمة والاعتدال والواقعية والالتزام بالقيم والمبادئ لتجعل من الدبلوماسية المغربية مثالا حيا للقوة التي تصمد أمام كل حملات التضليل والإساءة.
*خبير في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية










