عبدالفتاح الصادقي
من الواضح أن موقف الاتحاد الأوروبي من النزاع المفتعل في الصحراء المغربية، الذي ظلت الجبهة الانفصالية للبوليساريو تؤججه بدعم سياسي ودبلوماسي وعسكري للجزائر، يتسم بتوتر مستمر بين عدم اعترافه الرسمي بالجمهورية الوهمية التي تدعيها الجبهة الانفصالية للبوليساريو بدعم سياسي ودبلوماسي وعسكري من النظام الجزائري، وحضور ممثليه مع ممثلي جبهة البوليساريو الانفصالية في بعض اللقاءات متعددة الأطراف، وخاصةً الاتحاد الأفريقي. إن هذا التناقض الواضح يثير تساؤلات عديدة. ولذلك فإن الإجابة على هذه التساؤلات يجب أن تتجنب التفسيرات التبسيطية للموقف الأوروبي، ومحاولة تحليل الأسس المؤسساتية والقانونية والجيوسياسية لهذا الموقف الأوروبي لفهم أهدافه ودوافعه الكامنة، والمنطق الاستراتيجي الذي يُشكل سياسته الخارجية.
إذا كانت، قضية الصحراء المغربية تُعدّ مسألة “وجودية”، وهي أولى الأولويات بالنسبة للمغاربة، وركيزة أساسية من ركائز التماسك والإجماع الوطني المتعلق بالوحدة الترابية للمملكة. فإن هذه القضية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، تعتبر جزءًا من إطار دبلوماسي أوسع، يتسم بـتعدد الأولويات، وضغوط المؤسسات الأوروبية، ولا سيما محكمة العدل الأوروبية والمفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي، حيث يبرز التنافر بينها، من خلال التباين في الأدوار والوظائف التي تضطلع بها، فالمحكمة تصدر أحكاماً تلزم المؤسسات الأخرى، بينما تتولى المفوضية والمجلس مسؤولية وضع السياسات وتنفيذها، وإلى جانب ذلك هناك الاختلافات بين الأطراف السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، وانطلاقا من ذلك تأتي رغبة الاتحاد الأوروبي في الحفاظ على التوازن بين مصالحه الاستراتيجية في منطقة البحر الأبيض المتوسط والتزامه متعدد الأطراف في أفريقيا.
ويُفسر هذا التباين في التصورات، إلى حد كبير، سوء الفهم المحيط بمشاركة الاتحاد الأوروبي المتقطعة في اجتماعات ولقاءات يحضرها ممثلون عن جبهة البوليساريو الانفصالية.
انطلاقا مما سبق سنحاول تحليل مختلف العوامل القانونية والمؤسسية والسياسية التي تُفسر هذا الموقف الأوروبي، مع الوقوف عند خمسة جوانب أساسية تهم ما يلي:
أولا: عدم الاعتراف الرسمي بالجمهورية الوهمية
الحقيقة التي يجب التركيز عليها هي أن موقف الاتحاد الأوروبي ظل ثابتًا لعقودٍ من الزمن: فهو لا يعترف بـالجمهورية الوهمية. كما أن مختلف الدول الأعضاء (بما فيها التي يظهر أنها مُقرّبة تاريخيًا من الجزائر) ملتزمة بهذا الموقف. ويعني عدم الاعتراف في القانون الدولي، غياب التبادلات الدبلوماسية الرسمية، وعدم وجود التمثيل القنصلي، وغياب الاتفاقيات الثنائية أو التعاون الرسمي. وانطلاقا من هذا الموقف الثابت، تحرص المملكة المغربية على تعميق علاقاتها الاستراتيجية مع الاتحاد الأوربي ومع مختلف دوله.
ولابد من التمييز بين عدم الاعتراف بحركة ما والتفاعل معها في لقاءات دولية متعددة الأطراف، ذلك أن القانون الدولي يُميز بوضوح بين المفهومين. فالأمم المتحدة على سبيل المثال تجري حوارًا مع العديد من الكيانات غير الحكومية التي لا تحظى باعتراف قانوني. ووفقًا لهذا المنطق، فإن الاتحاد الأوروبي لا يرى مانعا من المشاركة في اجتماعات تُشارك فيها جبهة البوليساريو الانفصالية، ولكن دون أن يُشكل ذلك اعترافًا بها..
ثانيا: المشاركة في لقاءات الاتحاد الأفريقي بين الإلزام والخيار السياسي
ينبع حضور جبهة البوليساريو الانفصالية في بعض الاجتماعات المشتركة بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي بشكل أساسي من “صفة العضوية” التي منحت إياها داخل الاتحاد الأفريقي منذ عام 1984 في ظروف يعرفها الباحثون والخبراء والتي تمت تحت الضغط والابتزاز واستعمال الأموال والبيع والشراء، وخرق القانون الدولي الذي يتجلى في السماح لكيان لا تتوفر فيه عناصر الدولة بالانظمام إلى منظمة قارية لا تضم في عضويتها سوى الدول، وهو أحدا المبررات الأساس التي دفعت المملكة إلى الانسحاب من هذه المنظمة. وظل الاتحاد الإفريقي يعاني من هذا الإرث الذي يسيء إليه قانونيا وسياسيا في أفق التخلص منه، خصوصا بعد العودة القوية للمملكة إلى حضنها الإفريقي..
والواقع أن الاتحاد الأوروبي عندما يُشارك في قمة أفريقية ما، فإنه لا يتحكم لا في قائمة الأعضاء المشاركين فيها، ولا في آليات المشاركة المعتمدة. وعلى هذا الأساس، تُعدّ هذه المشاركة “التزاما بروتوكوليًا”، وليس قرارًا سياسيًا.
ثالثا: الضغوط القانونية الداخلية واختلاف أدوار المؤسسات
منذ عام 2016، اتجهت الأحكام والقرارات القضائية لمحكمة العدل الأوروبية نحو تغيير سياسة الاتحاد الأوروبي والمملكة بشأن الصحراء المغربية، اعتمادا على ما تعتبره المعطيات القانونية وليس السياسية، حيث قضت المحكمة، بأن الصحراء “إقليم مستقل” بموجب القانون الأوروبي؛ وبأن أي تطبيق لاتفاقيات الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية على الصحراء يتطلب “موافقة شعب الصحراء”، مع إغفال أن هذا “الإقليم” لم يكن مستقلا، وأن هذا “الشعب” لم يكن موجود قبل سنة 1975، بموجب القانون المذكور ..
وقد دفع هذا التوجه المفوضية الأوروبية إلى وضع آليات “للتشاور الموسع”، تشمل الجهات الفاعلة الصحراوية المرتبطة أحيانًا بجبهة البوليساريو الانفصالية أو المقربة منها، ولم يكن ذلك بدافع الإرادة السياسية، بل بدافع ما تعتبره “الضرورة القانونية” التي ترتكز على قرارات محكمة العدل الأوروبية، وإن كانت مضامين هذه القرارات تشوبها العديد من العيوب القانونية الواضحة والأخطاء المتعلقة بحقائق الملف، والتي تجعلها منحازة بشكل أو آخر لأطروحة الانفصال تجاوزها الزمن باعتبارها وليدة الحرب الباردة، وأيضا باعتبارها تتجاهل الهيئات الأممية المختصة وتتناقض مع مواقفها وقراراتها..
رابعا: تنافر الدبلوماسية الأوروبية
برز مشكل تنافر الدبلوماسية الأوروبية في العديد من القضايا، حيث ظلت السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي تعاني من حالة “الانقسام والتشرذم الهيكلي”، انطلاقا من اختلاف مصالح الدول الأعضاء وطبيعة الأنظمة السياسية وقوة منظمات المجتمع المدني فيها، وظهر ذلك على سبيل المثال في قضية الحرب الروسية الأكرانية.
وبخصوص قضية الصحراء الغربية المغربية تبرز الخلافات بين الدول الأعضاء، وخاصة بين دول الجنوب مثل إسبانيا، وفرنسا، والبرتغال، وإيطاليا، وبعض دول الشمال الأكثر عرضة لضغوط المنظمات غير الحكومية، والتي تحد من قدرة الاتحاد على تبني موقف متماسك ونهائي. وتبعا لذلك يسعى الدبلوماسيون الأوروبيون إلى التوفيق بين أهداف قد تبدو متناقضة:
-1- ضمان التعاون الاستراتيجي مع المملكة المغربية، باعتبارها طرفًا رئيسيًا في قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب واستقرار البحر الأبيض المتوسط؛
-2 – استرضاء بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أو الجماعات السياسية التي تنتقد المملكة المغربية؛
-3 – مراعاة مواقف المنظمات غير الحكومية الناشطة في بروكسل، والتي غالبًا ما تتبنى أطروحة جبهة البوليساريو الانفصالية ودولة الجزائر التي تدعمها، وتتماشى مع خطابهما المعادي للمملكة..
إن هذا التوجه الذي يحاول الحفاظ على المصالح و يتفاعل مع الضغوط، يُغذي سياسة أوروبية خارجية تتسم بالتسوية والغموض.
خامسا: الحسابات والأهداف الجيوسياسية للاتحاد الأوروبي
لاشك أن للاتحاد الأوربي مصالحه وحساباته الجيوسياسية التي يعمل من أجل المحافظة عليها، ويمكن القول إنه إلى جانب المبررات المتعلقة بالقيود القانونية والمؤسساتية، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
- الهدف الأول يتمثل في الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع المملكة المغربية، التي يعتبرها “شريكًا ذا أهمية حيوية” في مسائل الأمن، ومكافحة الإرهاب، وإمدادات الطاقة.
- الهدف الثاني يهم الحفاظ على حياد ظاهري في أي صراع إقليمي، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تجنب الانحياز الصريح إلى المملكة المغربية، حتى لا يُعرّض نفسه للخطر في علاقته بالجزائر.
- الهدف الثالث يتعلق بالحفاظ على شراكته الشاملة مع القارة الأفريقية، ويظهر ذلك من خلال سعي الاتحاد الأوروبي، إلى تلافي حدوث أي أزمة دبلوماسية مع الاتحاد الأفريقي. ويُفسر هذا الاعتبار جزئيًا تسامحه مع الوجود المؤسساتي لممثلي الحركة الانفصالية التي تعتبر نفسها دولة داخل الاتحاد الأفريقي.
كخلاصة يمكن القول إن هناك تناقضا واضحا بين عدم اعتراف الاتحاد الأوروبي بالجمهورية الوهمية التي تتمركز فوق تندوف ومشاركته في اجتماعات تضم محسوبين على جبهة البوليساريو الانفصالية، إلا أن ذلك لا ينبع من أجندة سياسية أوروبية معادية للملكة المغربية، كما يظهر من تصريحات قادة الاتحاد، بل هو نتاج مجموعة من العوامل المتداخلة المؤسساتية والقانونية، تهم بالدرجة الأولى: القيود المؤسساتية، والاجتهادات القضائية التقييدية لمحكمة العدل الأوروبية، والخلافات الداخلية داخل الاتحاد الأوروبي، واعتبارات جيوسياسية معقدة.
إعلامي وباحث في القانون العام والعلوم السياسية









