الرأي الحر : الأفول الفرنسي

الرأي الحر : الأفول الفرنسي

عرفت الجمهورية الفرنسية خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة على جميع الأصعدة الديمغرافية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بدأت تأثيراتها تبرز بشكل واضح بعد الأزمة الاقتصادية التي انفجرت في سنة 2008، وتفاقمت خلال جائحة كورونا، وتعمقت مع الحرب الروسية الأوكرانية، وهي تمر بظروف صعبة، تندر بالانهيار الشامل، خصوصا مع العجز البين للنظام السياسي القائم عن مواجهة هذه الأزمات، وعدم قدرته على احتواء تداعياتها، وغياب الابتكار في بلورة الحلول المناسبة لها. وبات الكثير من الباحثين والدارسين يتساءلون عما إذا كان ذلك من مؤشرات أفول الدولة الفرنسية كواحدة من القوى الكبرى على الصعيد العالمي، وقد سبق لوسائل الإعلام الفرنسية بمختلف مشاربها وتوجهاتها  أن أعدت ملفات عناوينها العريضة ” مظاهر أفول فرنسا” و”انحطاط فرنسا ” و”تراجع فرنسا”  و”فقدان فرنسا للسيادة”..

والحقيقة أن السياسيين والمفكرين والصحفيين ينقسمون بسبب الجدل حول “انحدار فرنسا”. بالنسبة للبعض، تفقد فرنسا قوتها تدريجياً بسبب الثقل المتزايد للدولة وعدم قدرتها على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية. بالنسبة للآخرين ، ما تزال فرنسا تمثل خامس   أكبر اقتصاد في العالم ، ومصدر ديناميكي ، ورائد في الحماية الاجتماعية ، ومركز امتياز للتقنيات المتقدمة. ويتخلل الجدل الخلافات الفنية حول دقة الأرقام  والمعطيات التي وضعت فرنسا في المركز الثاني عشر في الاتحاد الأوروبي من حيث القوة الشرائية للفرد.

وتؤكد بعض الدراسات أن انحصار فرنسا حقيقي مهما كانت الاختلافات في المعطيات والأرقام، ذلك أن مؤشرا واحدا مهما يتعلق بنمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد في فرنسا، ظل بطيئا مقارنة مع معظم البلدان المتقدمة الأخرى..

من المعروف أن فرنسا طلت تتمتع بتقدير واحترام كبيرين  في إطار العلاقات الدولية، باعتبارها واحدة من القوى العظمى، ولكنها مع الوقت، بدأت تفقد توهجها، وأصبحت عبارة عن قوة وسطى حتى لو ظلت  سادس أغنى دولة من حيث الناتج المحلي الإجمالي وفقًا لصندوق النقد الدولي.  وقد سبق لبعض الدراسات أن وقفت عند مظاهر أفول نجم فرنسا وحددتها في ما يلي :

فرنسا العجوز والتحدي الديمغرافي 

إذا كانت الديموغرافيا تمثل إحدى نقاط القوة في أي بلد، وأحد العوامل الأساس في ديناميتها الاقتصادية، فإن فرنسا تواجه تحديا كبيرا في هذا المجال، حيث تزحف الشيخوخة بشكل مخيف على المجتمع الفرنسي كما هو الحال في معظم الدول الأوروبية، ولا شك أن ذلك له عدة مظاهر، منها الخصاص المتراكم على مستوى الموارد البشرية سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص، بالإضافة إلى الأزمة العميقة التي تعرفها أنظمة التقاعد. والواقع أن   التجديد المستمر للبنية الديمغرافية عبر تشبيبها يعتبر المرتكز الأساس للتطور الاقتصادي والاجتماعي، حيث تساهم الأجيال الشابة في تأمين معاشات أجيال كبار السن، وتشكل خزانًا لضمان التشغيل الكامل والدفع نحو الابتكار والإبداع في جميع المجالات.  وفي هذا المجال يؤكد الخبراء والمختصون أن فرنسا تشهد منذ عقود انخفاضًا ديمغرافيًا تدريجيًا مما يؤدي إلى شيخوخة مطردة لسكانها، حيث ولى الزمن الذي كانت فيه فرنسا الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في أوروبا القرن السابع عشر، وباتت الآن تمثل أقل من 1٪ من سكان العالم، مقابل تسارع التوسع الديموغرافي العالمي ، لا سيما في إفريقيا  وأمريكا اللاتينية وآسيا ، إذ أن الهند   تضم  18.40٪ والصين  17.94٪  من سكان العالم ..

توجه الاقتصاد الفرنسي نحو التدهور 

يؤكد الباحثون أن وباء الفيروس التاجي عرض الاقتصاد الفرنسي للخطر بشكل واضح، وأدى إلى انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي، وصل إلى ناقص 13.8 ٪ في الربع الثاني من عام 2020.  ويتساءل هؤلاء عما إذا كانت القيود الاقتصادية التي تم فرضها، شكلت ضربة قاضية للاقتصاد الذي لم يكن في الواقع أفضل عما هو عليه الوضع في الوقت الراهن، حيث مظاهر التأزم برزت منذ وقت بعيد..

ولم تتألق فرنسا قبل أزمة فيروس كورونا أكثر من تألقها في قطاعات السياحة (الدولة الأكثر زيارة في العالم) والرفاهية والتقنيات الجديدة. ومع ذلك، فقد ولى وقت طويل عندما لعبت فرنسا الأدوار الرائدة في مجال الطيران (مع كونكورد ثم إيرباص)، وصناعة السكك الحديدية مع بناء أول قطارات عالية السرعة (TGV)، وهي القطاعات التي تواجه فيها فرنسا الآن منافسة شرسة من الولايات المتحدة والصين واليابان..

 ويبدو من الصعب وقف هذا التدهور الاقتصادي الذي تعرفها مع استيراد المنتجات الرخيصة المستوردة من آسيا حيث تكاليف العمالة أقل بكثير، مقابل صعود عدد من الدول وتحولها نحو الريادة في قطاعات كانت فرنسا رائدة فيها كصناعات السيارات والطائرات وغيرها..

ويعتبر قطاع التقنيات الجديدة آخر معقل تقاتل فرنسا من أجل ضمان توقعها فيه، علما بأن غالبية الطلاب والنخب الأكثر ذكاءً تختار الدراسة أو العمل خارج فرنسا، ولا سيما في إنجلترا، أو الولايات المتحدة، أو بعض الدول الأسيوية، وهناك العديد من الفرنسيين في الخارج يسخرون من الأوضاع الحالية بقولهم: “للأسف الفرنسيون ينجحون في كل مكان … ما عدا في فرنسا!”.

إضعاف سلطة الدولة

يوضح الباحثون أن من سمات فرنسا أن تكون دولة قومية، بعبارة أخرى، هناك شكل من أشكال الحكومة (الدولة) يترأس مصائر مجموعة من الناس (أمة) يعترفون بأنفسهم في عدد معين مما يسمى بالقيم الجمهورية.

يتجلى مبدأ هذه الدولة القومية في شعار فرنسا: “الحرية والمساواة والأخوة”. ومع ذلك، يجب الاعتراف بأن الانقسام الحاصل داخل المجتمع بين الدولة (الحكام) والأمة (الشعب) آخذ في الاتساع. وهذا يترجم إلى تنامي انعدام ثقة الشعب الفرنسي تجاه قادته وإضعاف سلطة التنفيذية المتمثلة في الرئيس والحكومة والسلطة التشريعية ممثلة في البرلمان.

وفقًا لمقياس الثقة في السياسة المعتمد من قبل مؤسسات مختصة، فإن المواطنين الفرنسيين لديهم ثقة أقل في السلطات والمؤسسات لحل مشاكلهم، بما في ذلك الأمن اليومي، حيث يرى الفرنسيون أن هناك تناقضا بين القول والفعل، ذلك أن الخطاب لا يتبعه دائمًا عمل ملموس، أو عمل قوي بما يكفي للحد، على سبيل المثال، من الجريمة أو مكافحة الإرهاب. ويلاحظ أن لدى المواطنين الفرنسيين انطباع بأن سلطة الدولة قد تم الاستهزاء بها ولا تظهر نفسها أن على عاتقها الرد بحزم على مختلف التهديدات، سواء كانت اقتصادية أو صحية أو أمنية.

ولاشك أنه عندما تنحسر السلطة، يتأجج الخلاف بين الفاعلين داخل المجتمع وتنفجر الأزمات وتعمق تداعياتها السلبية. إنها حلقة مفرغة لا يبدو أنها ستتوقف في المستقبل القريب، خاصة أن الرحلات المكوكية التي يقوم المسؤولون الحكوميون وتصريحاتهم في مختلف المناسبات، لا تتبعها إجراءات صارمة وأعمال ملموسة. وهكذا يفقد الفرنسيون الثقة تدريجياً في قادتهم، مما يساهم في إضعاف سلطة الدولة.

وتؤكد الدراسات أن ضعف الدولة القومية بفرنسا، نتيجة العولمة، أدى إلى استقالة الدولة من وظائفها السيادية والاعتماد على الدول الأجنبية في القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية.

فوضى النظام التعليمي

يؤكد الخبراء الفرنسيون أن نظام التعليم يعد أحد القطاعات التي تُظهر ديناميكية الدولة وتشهد على تأثيرها؛ ويمكن القول إن فرنسا في حالة من الفوضى بخصوص هذا القطاع الحيوي، حيث تم تحديد مجموعة من الإكراهات والشرور، في مقدمتها انخفاض المستوى التعليمي، وفقدان سلطة المعلمين، والتوجه نحو الهاوية.

وتفيد الدراسات التي تم القيام بها في هذا المجال، أن أفضل دليل على تدهور النظام التعليمي الفرنسي هو التخفيض البطيء والتدريجي لقيمة البكالوريا التي تم التنديد بها لعدة سنوات. فعندما أعلن وزير التربية والتعليم في عام 1985 ، عن السعي إلى تحقيق الهدف  المتمثل في قيادة 80٪ من كل فئة عمرية إلى البكالوريا ، لم يكن يعتقد أن هذا الهدف النبيل سيكون مضللاً إلى هذه النقطة. وقد تحقق هذا الهدف بالتأكيد من خلال خفض المستوى وليس من خلال رفع المستوى الفكري للطلاب.

وفي عام 2020 ، تم منح البكالوريا للجميع فقط في صفوف العام الدراسي بسبب أزمة كوفيد -19. لم يعد السؤال هو “من الذي سيحصل عليها؟” ولكن “من لا يستطيع الحصول عليها؟”.

 بالإضافة إلى ذلك، يعتبر اختفاء التكرار علامة أخرى على اضطراب النظام التعليمي. لقد انخفض المستوى التعليمي كثيرًا لدرجة أن (المركز الوطني لدراسة النظم المدرسية) أصبح قلقًا بشأن هشاشة إنجازات الطلاب.

وهكذا، انخفض نظام التعليم الفرنسي في التصنيف العالمي، حيث تم تصنيف فرنسا في المرتبة 23 من بين 79 دولة في دراسة   تحت رعاية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ، والتي تقيم كل 3 سنوات في العالم مؤشر مهارات الطلاب البالغين من العمر 15 عامًا في الرياضيات وفهم القراءة والعلوم.

الإصلاحات المستحيلة  

وتبرز الدراسات أن هناك عامل آخر يعتبر محددا في الدينامية التي يعرفها أي بلد، وهو قدرته على تجديد نفسه والتكيف مع المتغيرات الدولية وتمكنه من القيام بالإصلاحات الضرورية التي تتلاءم مع الحاجات المفروضة في مختلف المجالات : العولمة ، والاقتصاد ، والعادات، وبنيات المجتمع ..لكن يبدو أن  الإصلاحات  مستعصية في فرنسا، إن لم تكن مستحيلة..

وتشير الدراسات إلى أنه بات من المألوف وصف الفرنسيين بأنهم محافظون ويقاومون التغيير، حيث يطرح تساؤل عريض حول أهمية الإصلاحات وجدولها الزمني ومدى قبولها من قبل السكان. وفي هذا السياق تقع على عاتق الحكومات في فرنسا مسؤولية التشاور مع الفرنسيين بشكل أكبر وتجنب المسارات القسرية.

وتوضح هذه الدراسات أن البرلمان يمكنه فحص الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة، ولكن نظرًا لأن أغلبيته تتكون من أعضاء الحزب الرئاسي أو حلفائه، فإنه غالبًا ما يكون مجرد غرفة تسجيل بسيطة للقرارات الرئاسية. ونظرًا لتراجع سلطة الدولة وتزايد انعدام الثقة في أوساط الشعب وبين الفاعلين، فإن أبسط الإصلاحات المطلوبة تجد صعوبة متزايدة في تمريرها.

وتضيف الدراسات أنه علاوة على ذلك، فإن الحركات والإضرابات الاجتماعية تكاد تكون منهجية في أدنى محاولة للإصلاح. وأفضل مثالين هما حركة السترات الصفراء ومعارضي إصلاح نظام التقاعد. لقد انتفض العديد من الفرنسيين في أعقاب حركة السترات الصفراء، للمطالبة باستفتاءات مبادرة المواطنين. وسيكون أكثر من 73 ٪ من المؤيدين، إذ أن  المواطنين الذين اعتادوا على إبداء آرائهم عبر الشبكات الاجتماعية حول جميع أنواع الموضوعات، يرغبون في أن تتم استشارتهم أكثر بشأن القرارات السياسية، خاصةً عندما يتعلق الأمر بحياتهم الخاصة.

وباستخدام أدوات الاتصال الرقمية، سيكون تنظيم الاستفتاءات أسهل وأقل تكلفة من الأنظمة الانتخابية التقليدية، التي تحشد الكثير من الناس. فضلا عن أن الاستشارات الآمنة عبر الإنترنت من شأنها أن تتجنب الإهدار الهائل للبرامج المطبوعة والنشرات والمراسلات، بينما ينتهي الأمر بالأخير غالبًا في سلة المهملات..

الأزمة العميقة للنظام والأحزاب السياسية

ويؤكد الباحثون أن إصلاح المجتمع يبدو أكثر صعوبة لأنه، على الجانب السياسي، هناك غياب للمشاريع المحفزة سواء بالنسبة لليمين أواليسار، حيث يظهر وجود تشابه كبير بينها، خصوصا أن الاختلافات بين برامج الأحزاب اليمينية واليسارية الرئيسية السابقة (الحزب الاشتراكي والحزب الجمهوري) ظلت واضحة.

وغالبًا ما تكون هذه الأحزاب نفسها في أزمة، وتخسر باستمرار نشطاءها والمتعاطفين معها. لقد كشف انتخاب إيمانويل ماكرون عن هذه الأزمة السياسية: مرشح غير معروف توحد حوله نشطاء ومرشحون من أحزاب اليمين واليسار والوسط. إن بروز زعماء في اللحظة الأخيرة وانهيار المفهوم الكلاسيكي لليمين واليسار، إضافة إلى غياب الشخصيات الكاريزمية والبرامج القوية، زاد من الارتباك العام ومن حالة الإفلاس التي يعرفها المشهد السياسي الفرنسي.

  والحقيقة الظاهرة للعيان أن أحزاب اليمين واليسار تتفق على العديد من الموضوعات التي تشوش وتشوه صورتها وتجعل المزيد من الفرنسيين ينحرفون عن التشكيلات “الكلاسيكية”. وخير دليل على هذا الانحراف الذي يعمق أزمة الأحزاب السياسية، هو الارتفاع المتواصل في الامتناع عن التصويت في الانتخابات على جميع المستويات: الرئاسية والتشريعية والبلدية والأوروبية.

تبعية فرنسا في قطاعات اقتصادية الاستراتيجية

تؤكد الخبيرة الاقتصادية ناديا أنطونين أن أزمة كوفيد -19 عجلت بوعي أصحاب القرار باعتماد فرنسا المقلق على الدول الأجنبية في عدد من القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، حيث أكدت الأزمة الصحية على الطبيعة الحتمية لضرورة تعزيز استقلال فرنسا في قطاعات معينة. وتضيف الخبيرة أن صحوة الضمائر تضخمت  بفعل تداعيات العقوبات المفروضة على روسيا في إطار الصراع الروسي الأوكراني، إذ أصبحت فرنسا أمام صدمة كبيرة في أسواق السلع، ولا سيما في مجال الطاقة، وأدرك  الشعب والحكومة  على السواء،  أن مخاطر نقص الطاقة، ولا سيما الكهرباء، حقيقية لا يمكن تجاهلها.

 وكانت  فرنسا في السابق عادة ما تصدر الكهرباء أكثر مما تستورده، لكن عدم توفر جزء من الأسطول النووي أجبرها على الحصول على كميات كبيرة من الكهرباء من دول أخرى خلال النصف الأول من عام 2022. وبالنسبة لفصل الشتاء المقبل (2022-2023)، كانت الحكومة الفرنسية توقعت توترات على إمدادات الكهرباء  ارتباطا  بنوبات البرد الشديدة.

وقبل الصراع الروسي الأوكراني ، كان موردو الغاز الرئيسيون لفرنسا يتوزعون على النحو التالي: النرويج (36٪ من إجمالي المدخلات) ، قبل روسيا (17٪) ، الجزائر (8٪) ، هولندا (8٪) ، نيجيريا (7٪) وقطر (2٪).

تراجع التصنيع   الفرنسي 

ينتقد فيليب دي فيلييه في كتابه “اليوم التالي” العولمة “التي جرّت فرنسا إلى انهيار عام، وظهر ذلك بشكل بارز على مستوى  تراجع التصنيع.

والواقع أن أزمة كوفيد ـ 19   قدمت مثالًا حديثًا على المشكلات التي يطرحها تراجع التصنيع. في مجال الصحة، على سبيل المثال، حيث عانت فرنسا بشدة من نقص الأقنعة والاختبارات ومواد التنظيف والأدوية.

أما فيما يتعلق بنقص الأدوية فقد تفاقم، كما أن صناعة الدواء في أزمة حقيقية بسبب فوضى الأسعار. وقد تضاعف تقريبًا انقطاع الإمداد الصيدلي الذي استمر لمدة أسبوع على الأقل منذ بداية العام، حيث ارتفع من 6.5٪ إلى 12.5٪ من عدد المراجع. في الآونة الأخيرة ، حذرت الوكالة الوطنية لسلامة الأدوية من نقص نوع من أنواع فئة علاج مرض السكري.

وفقًا للمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية، أنه خلال حوالي ثلاثة عقود، فقدت فرنسا ما يقرب من مليوني وظيفة صناعية. وما تزال عمليات النقل والتراجع عن التصنيع مشكلة مقلقة في فرنسا، وتنذر بعواقب وخيمة على المواطنين الفرنسيين. ويؤكد الخبراء أن فرنسا تعيش “وضعا مرضيا خطيرا” بسبب تراجع التصنيع، والذي بدأت آثاره الأولى تظهر بشكل أكثر وضوحًا منذ منتصف الثمانينيات ، وذلك بفضل المنافسة الشرسة التي فرضتها   البلدان ذات الأجور المنخفضة.

في كتابه المعنون “Déindustrialisation de la France” ، يسترجع نيكولا دوفورك ، رئيس Bpifrance ، تاريخ التراجع الهائل وغير المسبوق للصناعة في فرنسا من 1995 إلى 2015. ويشير بحق إلى أن “الأرقام بليغة: يوجد اليوم 7.5 مليون وظائف في الصناعة الألمانية مقابل 2.7 مليون في الصناعة الفرنسية “.

ويبرز الخبراء الاقتصاديون أن أصحاب القرار بفرنسا، بدلاً من التوجه نحو اختيار اقتصاد العرض،  الذي يكون مكملًا لاقتصاد الطلب ، فضلوا الأخير، الذي يتم تمويله بالديون، ويحدث انهيارًا في الميزان التجاري للدولة الفرنسية.

الأفول الفكري والإعلامي

كانت فرنسا مصدرا للإلهام على المستوى العلمي والفكري. في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، كان ثمانية فرنسيين من كل عشرة يقرؤون صحيفة يومية بانتظام ، وتقلص العدد إلى أربعة فقط في بداية التسعينيات، بعد ظاهرة التآكل البطيء وفترة تجديد وسائل الإعلام. أصبحت الإذاعة والتلفزيون أكثر أهمية في حياة الفرنسيين.

في الواقع ، فإن توزيع الصحف اليومية ، الذي بلغ ذروته عند 15 مليون نسخة في عام 1946 ، آخذ في الانخفاض باطراد. كان قد انخفض بالفعل إلى 9.6 مليون في عام 1952 ، وعلى الرغم من ارتفاعه إلى 11.3 مليون في عام 1972 ، فقد انهار بعد ذلك: 9.7 مليون في عام 1990.

و إلى عهد قريب كان الإعلام الفرنسي أو على الأقل التوجه الغالب منه يتمتع بالمصداقية المهنية وغالبا ما يقف إلى جانب القضايا العادلة للشعوب ويكون صوتا للإخبار الهادفة وتحول إلى بوق للتحريض والحقد الكراهية والعنصرية خصوص ضد المسلمين والأفارقة والشعوب المستضعفة

ومن غرائب الأزمة العميقة التي يعرفها الإعلام الفرنسي أنه أصبح مسخرا لخدمة التوجهات العنصرية كما الشأن بالنسبة لبعض المثقفين، في حين أن المعروف عن المثقفين الفرنسيين كانوا في الماضي يشكلون أصواتا للدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان واستقلال الشعوب ..

انهيار القيم الأخلاقية 

لقد تغيرت فرنسا بشكل هائل. سواء في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمجتمعية والسياسية، والأخلاقية، حيث ي يتحدث الباحثون الاجتماعيون عن تقويض القيم  التقليدية للمجتمع الفرنسي المتمثلة في الاحترام، والشعور بالجهد، والتضحية بالنفس، والتضامن  والانتماء إلى المجموعة، وإفساح المجال لقيم جديدة مناقضة تتمثل في طغيان الفردانية، والتهور، والتراخي والكسل، وانعدام المسؤولية، وانتشار الوسطاء والجري وراء الكسب السريع مهما كانت الوسائل .

في مقال بعنوان “ثورة القيم والعولمة”، كتب الفيلسوف والوزير السابق لوك فيري: “لقد شهدنا، على الأقل في أوروبا والعالم الغربي،” تفكيكًا “للقيم التقليدية بشكل  لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. بالنسبة لعالم الاجتماع دانييل مارتن، “فقد الفرنسيون تدريجياً احترام القيم الأخلاقية، وهي خسارة تسارعت منذ التحرير وخاصة منذ ماي  68. حيث يؤثر فقدان احترام القيم الأخلاقية أولاً على احترام الآخرين ويتجلى من خلال تزايد الفردية والأنانية”    وفقدان الإحساس بالالتزام الشخصي والواجب..

 ويؤكد الباحثون أن الأزمة التي يمر بها المجتمع الفرنسي ذات بعدين: أزمة اقتصادية وأزمة أخلاقية، مما أسفر عن بروز مجتمع بلا معالم ، مجتمع منقسم وممزق (الفجوة الرقمية ، الفجوة بين الأجيال ، الانقسام الإقليمي) ، مجتمع الفراغ.

لقد أصبح المجتمع الفرنسي مجتمعًا يقبل الخضوع، و يرضى بديمقراطية ناقضة، تسمح بنشر الحياة الحميمية للأشخاص على الشبكات الاجتماعية، عوض  حمايتها من تلصص الآخرين.. إنه حسب الباحث فيليب دي فيلييه، مجتمع يغرق، فيه الفرنسيون تائهون..

ووفقًا لمسح أجراه معهد دراسات الرأي والتسويق في فرنسا والخارج (IFOP) في نوفمبر 2021، فإن الأفكار المتدهورة لها جمهور عريض حيث إن  65٪ من الفرنسيين يتشبثون  بفكرة أن فرنسا بلد في حالة تدهور..  ويلاحظ أن الأفكار التراجعية يتردد صداها من قبل الأغلبية في جميع طبقات المجتمع الفرنسي، بغض النظر عن الجنس أو العمر أو الفئة الاجتماعية والمهنية للشخص الذي همه المسح. والغريب أن الفرنسيين الذين ينتمون إلى الفئات الثرية (65٪) يشاركون في فكرة تدهور البلاد بقدر ما يشترك فيه الفرنسيون من الفئات الفقيرة الذين تصل نسبتهم إلى 69٪.

والجدير بالإشارة أن هذا الاستطلاع أظهر أن   الإيمان بالتدهور كان أكثر وضوحًا في فرنسا منه في الدول الأوروبية الكبرى الأخرى.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


آخر المستجدات