نشر عبدالفتاح الصادقي الإعلامي والباحث في القانون الدولي والعلوم السياسية مقالة علمية تحت عنوان «المجلس الوطني للصحافة في المغرب: دراسة تحليلية ونقدية من منظور ديمقراطي» ضمن أبحاث ودراسات العدد46 من مجلة قراءات علمية الصادر في شهر غشت 2025 (من الصفحة 119 إلى 135)، وهي دراسة علمية موثقة تسعى إلى تقديم قراءة نقدية معمقة للإصلاحات المتعلقة بالمجلس الوطني للصحافة في المغرب، من خلال مقاربة ديمقراطية تقارن بين النموذج المغربي وبعض التجارب الدولية في تنظيم مهنة الصحافة. وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن أي إصلاح لهذا المجلس يجب أن يقوم على مبدأ “التنظيم الذاتي” واحترام “حرية الصحافة”، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في الأنظمة الديمقراطية.
وفي هذا الإطار، يركز الباحث، في مقاله، على تحليل الإطار القانوني والمؤسساتي الجديد المنظم للمجلس، مبرزاً أن الإصلاحات التي تم اعتمادها في مشروع القانون الجديد (الذي صادق عليه البرلمان وصدر بشأنه قرار للمحكمة الدستورية القاضي بعدم دستورية عدد من مقتضيات مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، معتبرة إياه مخالفاً لمبادئ التنظيم الذاتي، وخاصة التعددية، والمساواة، ومُعيدةً القانون لمسطرة التشريع)، أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط المهنية والإعلامية. ويرى أن هذه التعديلات لم تقتصر على الجوانب التقنية، بل شملت تغييرات عميقة في فلسفة المجلس ووظيفته، مما انعكس على طبيعة علاقته بالسلطة التنفيذية وبالفاعلين المهنيين.
ومن أبرز النقاط التي يثيرها المقال، مسألة “تراجع مبدأ الاستقلالية” في القانون المذكور، حيث يشير إلى أن التشكيلة الجديدة للمجلس أفرزت نوعاً من الاختلال في التوازن بين الصحفيين والناشرين، مع تقليص دور التمثيلية الانتخابية لصالح تعيينات مباشرة أو غير مباشرة.
ويعتبر الباحث أن هذا التحول يمس جوهر التنظيم الذاتي، الذي يفترض أن يقوم على شرعية مهنية نابعة من داخل الجسم الصحفي، وليس من تدخلات خارجية.
كما ينتقد المقال ما يعتبره “تدخلاً متزايداً للسلطة التنفيذية” في عمل المجلس، سواء من خلال آليات التعيين أو عبر التأثير غير المباشر على توجهاته. ويرى أن هذا التوجه قد يؤدي إلى تحويل المجلس من هيئة مستقلة لتنظيم المهنة إلى أداة للرقابة أو الضبط السياسي، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية لحرية الصحافة.
وفي سياق المقارنة الدولية، يستعرض الكاتب في مقاله بعض النماذج الناجحة، مثل التجربة النرويجية، حيث يتمتع مجلس الصحافة هناك باستقلالية واسعة، ويعتمد على آليات تنظيم ذاتي قائمة على الثقة والمساءلة المهنية.
ومن خلال هذه المقارنة، يخلص الكاتب إلى أن الإصلاح المغربي يبتعد عن الاتجاهات الحديثة التي تعزز استقلالية الهيئات التنظيمية، ويتجه بدل ذلك نحو نموذج أكثر مركزية وأقل انفتاحاً.
ومن الجوانب المهمة التي يعالجها هذا المقال، “تراجع المعايير الديمقراطية” في الإصلاح الجديد، حيث يشير إلى ضعف احترام مبادئ:
– التعددية
– الشفافية
– المشاركة المهنية
– الاستقلالية المؤسساتية
ويؤكد الكاتب في مقاله أن هذه المبادئ تشكل الأساس الذي تقوم عليه أي هيئة تنظيمية في الأنظمة الديمقراطية، وأن غيابها أو تراجعها يهدد مصداقية المجلس ودوره في حماية حرية الصحافة، كما ينبه إلى أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى “تقويض الثقة” بين وسائل الإعلام والمجتمع، بل وبين الصحفيين أنفسهم، حيث يمكن أن يُنظر إلى المجلس كأداة للضبط بدل كونه فضاءً لحماية المهنة وتنظيمها.
وفي جانب آخر، يناقش الباحث، في بحثه، التحديات التي تواجه قطاع الصحافة في المغرب، خاصة في ظل التحولات الرقمية وتزايد الضغوط الاقتصادية، مما يجعل الحاجة إلى هيئة تنظيمية قوية ومستقلة أكثر إلحاحاً. إلا أن الإصلاح الحالي، حسب الكاتب، لم يستجب بشكل كافٍ لهذه التحديات، بل ركّز أكثر على إعادة ترتيب التوازنات داخل المجلس.
وانطلاقاً من هذا التشخيص النقدي، يقترح الكاتب مجموعة من “التوصيات الإصلاحية”، من أبرزها:
– تعزيز استقلالية المجلس عن السلطة التنفيذية
– إعادة الاعتبار للانتخاب كآلية أساسية للتمثيل المهني
– ضمان توازن حقيقي بين مختلف مكونات القطاع
– تبني مقاربة تشاركية في إعداد القوانين المنظمة
– الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في مجال التنظيم الذاتي
ويؤكد الكاتب أن نجاح أي إصلاح مستقبلي يظل رهيناً بمدى احترام هذه المبادئ، وبإرادة سياسية حقيقية لتعزيز حرية الصحافة كجزء من البناء الديمقراطي.
وكخلاصة تحليلية يمكن القول إن المقال يقدم أطروحة نقدية واضحة مفادها أن إصلاح المجلس الوطني للصحافة في المغرب، في صيغته الحالية، يمثل ” تحولاً من نموذج التنظيم الذاتي الديمقراطي إلى نموذج ذي طابع إداري أو شبه رقابي”.
وبذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تعديل النصوص القانونية، بل في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع الإعلامي، على أساس احترام الاستقلالية والشفافية والتعددية.وهو رهان مركزي وحاسم بالنسبة لمهنة ينظر إليها باعتباره السلطة الرابعة داخل المجتمع، حيث لا يمكن الحديث عن تنظيم مهني ديمقراطي للصحافة دون استقلال فعلي للمؤسسات المنظمة لها، وبدون إشراك حقيقي للمهنيين في تدبير شؤونهم.
ملاحظة: نشرت هذه المقالة قبل أن تُصْدِر المحكمة الدستورية المغربية في 22 يناير 2026 القرار رقم 26/261، القاضي بعدم دستورية عدد من مقتضيات مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وإعادة هذا القانون لمسطرة التشريع من جديد..
“أفق المغرب”










